في العيد أكتب لوطن بعيد

نور الهدى سعودي

في الصويرة ازددتُ، قبل أن أعرف أن المولود يأخذ من مدينته شيئا يبقى في الدم مثل حبّة ملح.

سمعتُ البحر قبل أن أراه. جاءني من خلف الجدار، من فم النوارس، من صرير النوافذ القديمة، من حبال الغسيل وهي تلاعب الرياح فوق السطوح، من رائحة خشب العرعار النفاذة، من أوتار الهجهوج وصوت كناوة الخارج من معدن قديم. سكنتني الصويرة من أذني، ثم استقرت في قلبي مثل نافذة مفتوحة على آخر العالم. منها أخذت ذلك الميل الخفيف إلى الرحيل، وتلك الرغبة الغامضة في الوقوف عند العتبة. مَن يولد قرب البحر يحمل داخله ميناء صغيرا؛ يلوّح للذاهبين، ويؤجّل عودته في كل موجة، ويظلّ مأخوذا بذلك البياض الذي يجيء من بعيد ثم ينكسر قرب القدمين.

أفتح النافذة في بلد بعيد. يدخل هواءٌ غريب إلى المطبخ، يلمس حافة الكأس، يحرّك ورقة نعناع وحيدة، ويمرّ على طبق صغير فوق الطاولة كأنه يختبر وحدة النهار. العيد هنا قليل الأشياء: إبريق، ماء، نعناع، قطعة لحم تكفي للجسد، وصمت واسع يكفي لما لا تستطيع المائدة حمله. في الخارج مدينة لا تعرف شيئا عن فناءات بني ملال، ولا عن طرق أزيلال حين تصعد في صبر الجبل، ولا عن الصويرة وهي تضع الملح في الرئة الأولى للطفل، ولا عن الرباط حين تجمع الكتب حول طالبة تحاول فهم العالم، ولا عن سلا حين تمنح التعب هيئة ضفة. أقطع النعناع، فيخرج من العشب زمن كامل، وتتحوّل حركة اليد إلى باب صغير، يدخل منه ما ظننته بعيدًا.

في طفولتي، يبدأ العيد من السفر. بعد الصويرة، يأخذنا الطريق إلى مسقط رأس أبي، إلى قرية من قرى أزيلال الأمازيغية، حيث تتراجع رائحة البحر، وتقترب الحجارة من الخطى، ويصير الهواء أعلى وأنحف، كأنه مرّ ليلًا على قمم باردة. كنت أرى أبي يعود إلى أصله قبل وصولنا؛ شيء في كتفيه يلين، وشيء في عينيه يلمع، وشيء في صوته يهبط إلى طبقة لا يخرجها إلا القرب من بيت الجد. الطريق هناك رجوع في الدم، صعود إلى موضع سابق على الاسم، حيث يتعلم الإنسان أن الأصل قد ينام سنوات طويلة في الذاكرة، ثم توقظه رائحة تراب بعد ماء، أو كلمة أمازيغية عابرة، أو وجه قريب يطل من عتمة الباب.

قرى أزيلال تمنح العيد جسدا آخر. السمن والعسل على المائدة، لوز الأرض حلو ومر، خبز ساخن يخرج من يد سخية، زرابي ملوّنة فوق الأرض كأن النساء بسطْن أعمارهن على الصوف، ومواويل تماويت تطلع من الحلق عتيقة، طويلة النفس، فيها حزنٌ يعرف مقامه، وفرح صغير بسيط الملامح. دادة حادة تجلس مبتسمة ووشوم الذقن الخضراء على وجهها كتابة قادمة من زمن بلا أوراق. كنت أنظر إلى تلك العلامات بدهشة طفلة ترى بابا مرسومًا على الوجه؛ بابا يقود إلى نساء عبرن الجبل وتركن أثرهن في الجلد والصوت والفضة، وفي طريقة صبّ الشاي، وفي تلك الحكمة التي تجعل البيت قائما بأقلّ الكلام.

أضع الماء على النار هنا، فيصعد البخار خفيفا، ثم يأتي الخروف من جهة الذاكرة. في أزيلال، يقف قريبًا من الجبل، يحمل في صوفه أثر العشب، وفي عينيه بُعد المراعي، وفي وقفته وقار كائن دخل البيت كي يمنح الأطفال درسًا يفوق أعمارهم. يدٌ تضع الحناء على الصوف، صبيان يدورون في الفناء، نساء يتهامسن، والجدّ في مكانه مثل شجرة قليلة الكلام. حوله تتوزع الوجوه، ويصبح الصمت جزءًا من الطقس، صمتًا دافئا، صمتًا يعلّم القلب أن الفرح العميق يحتاج مهابة كي يظهر. هناك جاء نصفي الذي يصغي: نصف يلمس الجدار قبل وصفه، يشم الخبز قبل السؤال عن عجينه، ويفهم العائلة من التفاف الأجساد حول نار صغيرة، ومن عين خروف تفتح في قلب الطفلة سؤالا عن الرحمة والعبور وما يبقى من الكائن بعد غيابه.

حين يغلي الماء يصدر صفيرا ورائحة، تنقلني الرائحة إلى بني ملال. لا أعرف كيف تفعل الحاسة ذلك، كيف تمسك بنا من طرف خفيّ، ثم تضعنا فجأة في ساحة بيت آخر، تحت شجرة زيتون، قرب منسج، أمام امرأة تصب الشاي وتترك في الحركة معنى أكبر من الضيافة. هنا يأتي دور بيت جدّ أمي، النصف العربي من توليفتي، البيت الواسع الذي لا يدخل من باب واحد، لأن حوله بيوت أعمام أمي وعماتها، جيران من الدم، وأقارب يتناثرون مثل نجوم قريبة. هناك، القرابة هواء يومي: وجه يظهر عند العتبة، صوت ينادي من فناء قريب، يد تحمل طبقًا، وضحكة تعبر الجدار وتعود محمّلة برائحة المطبخ. بني ملال في داخلي لهجة حائرة، شاي منعنع، زيتونة، منسج، وبيت كبير يوسّع القلب قبل أن يوسّع المكان.

في ذلك البيت، تحفظ جدّة أمي العالم بالحكاية. المرأة التي كبرت على يديها تفتح الكلام كمن يفتح صندوقا من خشب عتيق؛ تخرج حكاية من حكاية، ثم تترك سؤالًا صغيرًا ينام في رأسي سنوات. معها نقاشات تدور في داخلي إلى اليوم، مجلس صغير لم ينفضّ، صوت يعرف موضعه، جملة بسيطة تعيد ترتيب الفهم كله. كانت الحكاية عندها تربية للروح على الاحتمال؛ تجعل الطفلة ترى أن الناس طبقات، وأن العائلة بحر داخلي، وأن الذاكرة أحيانًا أصدق من الوثائق، وأن الإنسان لا يرث من أهله الأسماء وحدها، انما يرث طريقة النظر إلى الخسارة، وطريقة إخفاء الحنان في العمل اليومي، وطريقة تحويل التعب إلى  جلسة شاي.

في فناء الدار الكبيرة ببني ملال، يقف خروف العيد أبيض الوجه، كبير البنية، بقرنين واسعين يمنحانه هيئة ملك منزلي قصير الإقامة. قربه معزة جدتي، سوداء تارة، بنية تارة، مخلوقة من عناد ووداعة، تقف عند طرف الساحة كأنها صاحبة البيت. بينهما قطة مشاغبة، يكتمل المشهد في مخيلتي، الخروف للهيبة والطقس، والمعزة للألفة اليومية، للحليب والضحك، والقطة للزيارات الغامضة والمداعبة والمرافقة، لصوت الجدة وهي تنادي وتعاتب وتمزح، ولتلك الصلة القديمة بين الإنسان والحيوان داخل البيوت المغربية، حيث تدخل الكائنات الصغيرة قاموس العائلة، ثم تبقى فيه حتى بعد اختفاء أصواتها. أسمع الآن ثغاء بعيدًا، أو أتوهمه، فيختلط بصوت الماء على النار، ويتحوّل المطبخ الغريب إلى فناء بعيد لبضع ثوان.

أفتح درجًا بحثا عن ملعقة، فتخرج منه جلسة النساء في ساحة البيت الفسيح. شجرة الزيتون تظلّل الرؤوس من شمس المغيب، الشاي يدور، النعناع يفتح النفس والروح، والصينية بكؤوسها المنقوشة تصير آلة صغيرة للفرح، رنينًا خافتا وأغاني عن الغياب والزهور والرمان والعمر والحب والفلاحين والغائبين. نساء وراء منسج يمددن الخيوط كما لو أنهن يمددن الزمن نفسه، وطفلة تنتزع منديلا مزركشًا من رأس جدتها، تلفه حول وسطها، ثم ترقص خارج إيقاع الأهازيج، تتبع إيقاعًا آخر يمر في شعرها مع ريح المساء المنعشة، مزهوة بفستان العيد، بثقتها الصغيرة، بتصفيق الجدة وهي ترى في تلك الرقصات عيدا إضافيًا، وبالزيتونة العتيقة التي خبأت كل ذلك في ظلها كي تعيده لي يوما في نص معتق.

أجلس إلى الطاولة، وأترك الشاي يهدأ. في القاع، ورقة نعناع صغيرة تدور حول نفسها كطفلة تذكرت رقصة قديمة. أفكر أن العيد في تلك البيوت طريقة في توزيع الجسد على العائلة: يد تقطع، يد تغسل، يد تمد الخبز، يد تمسح رأس طفل، يد تسند كتف رجل عاد من السوق، يد تضع الحناء على صوف الخروف، ويد أخرى، بعد سنوات طويلة، تمسك قلما في غرفة بعيدة وتحاول أن تفهم لماذا بقيت هذه التفاصيل أكثر حضورا من أسماء ظنناها خالدة. من أزيلال جاءني صمت الجبل ونغمة الأمازيغية ووشم النساء والسمن والعسل والزرابي، ومن بني ملال جاءني دفء الكلام، الدار الكبيرة، شجرة الزيتون، وجدة أمي تاركة في رأسي أسئلة لا تزال تتحرك. بين هذا الخليط صرت توليفة مركبة  مغربية أمازيغية عربية، بملح الصويرة، لوز أزيلال، وشاي بني ملال.

بعد سنين تسللت ككمشة رمل من يد حائرة، جاءت الرباط. مدينة الكتب والحقائب والخطوات التي تحاول أن تبدو واثقة. كنت أعبر بين المدرجات والمكتبات والحدائق، أحمل داخلي الصويرة برياحها، وقرى أزيلال بحجرها، وبني ملال بزيتونها، وأحسب أنني أدرس الفلسفة وحدها، ثم أكتشف أن كل فكرة كبرى تحتاج حاسة كي تسكن الإنسان، وأن الزمن لا يخرج من الكتب وحدها، يخرج أيضا من بخار الشاي، ومن عين خروف وقفت أمامه طفلة، ومن وشم أخضر على ذقن امرأة، ومن منسج تسحب فيه النساء الخيط كما يسحب الفكر علته الأولى. في الرباط صار العيد فكرة كذلك: سؤالًا عن الجسد حين يتحول إلى ذاكرة، وعن القرب حين ينجو من المسافة، وعن الطقس حين يمنح الهشاشة شكلا يمكن احتماله، وعن الجماعة حين تصنع فرحها من عمل اليد، ثم تترك للفرد أن يفهم هذا كله في وقت متأخر، داخل قاعة درس، أو أمام كتاب، أو في مقهى لا يعرف شيئا عن قرية بعيدة.

أغير مكاني من الكرسي إلى الكنبة، مثلما كنت أفعل حين كانت الرباط ترتبني أكثر مما أحتمل، أعبر إلى سلا. هناك، قرب أبي رقراق، يتغير وقع الخطوة. المدينة تمنحني زمنا أقل حدّة، كأنها تضع بيني وبين العاصمة نفسًا أهدأ. أحببت في سلا ذلك الضوء الذي ينزل على الجدران العتيقة من غير بهرجة، وذلك الهواء الذي يحمل أثر الماء والطين والأبواب القديمة، وتلك العتبات التي تبدو كأنها خرجت من زمن عائلي موازٍ. كنت أقف أحيانًا على الضفة وأرى الرباط قريبة، منظمة، مشغولة بواجهتها، بينما سلا تفتح لي ممرًا داخليا نحو أصل لا يحتاج عنوانًا؛ أصل يظهر في ملمس حجرٍ أملس على سور قديم، في خشبٍ داكن يحتفظ بأثر الأيدي، في رائحة ماءٍ يبيت قرب النهر، في صوت بعيد يخرج من زقاق ثم يختفي، وفي تلك الحميمية التي تجعل المكان قريبا من الذاكرة أكثر من قربه من الجغرافيا.

أغسل الكأس. الماء يسقط على الزجاج، فيختلط الحاضر بكل ما مرّ. المغرب، بعد الغربة، صار يحدث في جسدي أكثر مما يحدث أمامي. تظهر الصويرة من هبة ريح، وأزيلال من رائحة سمن وعسل، وبني ملال من شاي منعنع تحت شجرة زيتون، والرباط من كتاب أفتحه ثم أتركه على الطاولة، وسلا من تعب يجد موضعا يهدأ فيه. المدن لم تعد تتوالى كأسماء على خريطة؛ صارت أعضاء داخلية، فإذا تحركت واحدة منها ارتجف الباقي. أمد يدي إلى الكأس فتتحرك قرية، أسمع موالا أمازيغيًا فيلين قلبي، يأتي موسم البرتقال فتطل بني ملال من طعم قديم في الفم، وتمر موجة بعيدة، لا أعرف من أي بحر جاءت، فتضرب جدار القلب.

في عيد الغربة يحدث شيء يشبه وقوف الإنسان أمام صورته من الداخل. قليل من اللحم، وكثير من المشاعر. صورة قديمة على الهاتف تكفي لعودة ساحة وشجرة ونساء وراء منسج. رائحة عابرة تفتح ذاكرة كاملة. مواء قطة زائرة، ممنونة لوجبتها اليومية، يهبط على الغرفة برفق، فأبتسم وتفلت دمعة لا أعرف لأي جهة تنتمي، للفرح، للحزن، للامتنان، للغياب، للأجداد الذين رحلوا، للبيت الذي صار بعيدا، أو لتلك الطفلة التي رقصت يوما بمنديل مزركش خارج إيقاع النساء، ثم كبرت وصارت تكتب كي تلحق بإيقاعها.

أترك كأس الشاي المنعنع قرب النافذة. الغرفة بعيدة، والليل بعيد، والمغرب قريب بما يكفي كي يربك اليد. تصعد من الكأس رائحة صغيرة، فتتقدم الصويرة أولًا، ثم قرى أزيلال، ثم بيت الجد في بني ملال، ثم الرباط، ثم سلا؛ تأتي الأمكنة بلا ضجيج، ومعها من رحلوا ومن ظلوا، ومن لم أودعهم كما ينبغي، ومن لا يزالون يتكلمون في داخلي. أرى نفسي بينهم؛ طفلة وبين يديها المنديل المزركش، طالبة تحمل كتبها، وامرأة تكتب عن الغربة من مطبخ صغير، في صباح عيد يعود فيه المغترب عبر رائحة ويد وصوت ودمعة، إلى وطن بعيد يواصل الإقامة فينا كأننا لم نغادره قط.

 

 

 

كاتبة وباحثة من المغرب

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع