حاوره: صبري الموجي
كانت “تغريداتُه” على “فيسبوك” هي نافذة ولوجي إلى عالمه النقدي الساحر بسموه الفكري ورسوخه المعرفي. امتازت تحليلاتُه النقدية بغزارة المعني وسلاسة العبارة، إضافة إلى غناها بالمصادر الكاشفة عن سعة اطلاعه من جهة، وثراء لغتنا العربية من جهة ثانية. تؤكد سيرتُه أن بداياته المعرفية تعود إلى سبعينيات القرن المنصرم، حيث زلزلت كيانه تأملات طه حسين النقدية، ورؤي محمد مندور، وجهود إحسان عباس، وعبد القادر القط، وحسام الخطيب. في رحلته إلى فرنسا للحصول على درجة الدكتوراه، نضجت ملكاتُه النقدية، واستوت على سوقها؛ نتيجة اطلاعه على أحدث النظريات النقدية والأدبية.
ولد بدمشق (الخلافة الراشدة) بسوريا الشقيقة، وتلقَّى تعليمه بها، وببيروت حيث “أشجار الأرز” فأُترع بالجمال، وبجامعة “ليون”بفرنسا. هو أستاذٌ لعلم الدلالة ولسانيات النص والنقد الأدبي الحديث. تملَّكه النقدُ من منبت رأسه إلى أخمص قدميه، فصنَّف العديد من الكتب والدراسات النقدية، منها “الأثر الأيديولوجي في النصّ الروائي – ثلاثية نجيب محفوظ، أعلام الأدب العربي الحديث – قراءة نقدية، ومقالات في الأدب والفكر والحياة”، فضلا عن ترجمات منها: “التحليل النفسي واللغة، والتداولة”. يرى أنَّ العلاقة بين الأدب والنقد تكاملية وليست تفاضلية، وأنّ تعريب العلوم لا يعني ترجمتها فحسب بل محاولة تبيئتها، ويؤكد أنّ الفصحى هي لغة الأدب الرفيع، وأنّ العامية هي لغة التداول اليومي. يقول إن المسرح العربي على سرير النعاش، وإن الترجمة تعاني تهميش المؤسسات والحكومات. يُصرح بأنّ إشكالية الجوائز تكمن في غياب الشفافية، ويجزم بأن خلود أدب محفوظ مرجعُه المزج بين الأصالة والمعاصرة. وإلى نصّ الحوار مع الناقد الأكاديمي الكبير د. زياد العوف .
في قراءتك النقدية لرواية “اللاز” للأديب الجزائري الطاهر وطار، ذكرت أنّها مثال للأدب الملتزِم، وهو وصفٌ تكتنهه الغرابة، إذ السؤال: هل هناك أدبٌ غير ملتزم .. وألا يخنق هذا التأطير الإبداع .. وماذا تعني كلمة “اللاز” ؟
صدرت رواية “الّلاز” في بداية سبعينيات القرن المنصرم، أي بعد مرور عقد واحد على نيل الجزائر لاستقلالها عامَ (١٩٦٢م) وهي رواية معنيّة بأحداث ووقائع الثورة الجزائرية، بل هي رواية الثورة الجزائرية من منظور الكاتب الجزائري الطاهر وطّار، لذا فإنّ الإشارة إليها بوصفها تنتمي إلى ما يُعرَف بالأدب الملتزِم إنّما هو حكم وصفيّ لا قيميّ؛ إذ إنّه يستحضر المفاهيم والمصطلحات النقدية التي كانت سائدة في القرن الماضي لا أكثر.
على أني أضع هذا المصطلح النقدي بين علامتي تنصيص لبيان ذلك.
أمّا عن تساؤلك أو سؤالك الإنكاريّ حول وجود أو عدم وجود أدب غير ملتزم؟ فجوابه يكمن في السّجال القائم آنذاك بين النقّاد حول مفهومين عامين في تأطير الأدب هما: ” الأدب الملتزم” ومذهب ” الفن للفن” أو الأدب للأدب.
على أنّ الأمر نسبيّ – كما هو واضح – إذ إنّه يتعلّق بمدى وعمق تفاعل العمل الأدبي مع القضايا الوطنية والقومية والاجتماعية والتزامه بالتعبير عنها، بل واتخاذ موقف صريح منها. فالناقد هنا لا يؤطّر الإبداع، بل يُدرِجه في سياقه الزمنيّ والثقافيّ. أمّا معنى “الّلاز” فيعود في أصله إلى اللغة الفرنسية: (L’ as) وهو من الأضداد؛ إذ يدلّ على الشخص المتفوّق أو زريّ الحال حسب السياق. على أنّ العامّة في الجزائر تستخدمه للإشارة إلى الشخص الممسوس”الشيطانيّ” وكذا للشخص الزريّ الهيئة، والذي يدعو إلى التشاؤم..وهو المعنى المقصود في رواية “اللاز”.
هناك اشتباكٌ (قديم – حديث) حول علاقة النص بالنقد .. إذ يعتبرُه البعض قاطرة تقود النص، ويعتبره آخرون إحدى عرباته، التي تسهم في إخراج نصٍ جيد يُشفي غلة القارئ ويُمتعه ؟
لا ريب في أنّ الإبداع الأدبي يسبق النقد المترتّب عليه. هذا من حيث المبدأ. لكنّ تطوّر الأدب وأجناسه على مرّ العصور قد استدعى بالضرورة نشوء وتطوّر ثلاثة حقول معرفية ذات صلة وثيقة بالإبداع الأدبيّ ألا وهي: “تاريخ الأدب” و”نظرية الأدب” و”نقد الأدب”.
على أنّ “النقد الأدبيّ” بوصفه فعّالية فكرية وسيطة بين المبدِع والمتلقّي لايستطيع أن يضطلع بهذا الدور دون الاتّكاء المعرفيّ إلى كلّ من التاريخ الأدبي والنظرية الأدبية.
ومن ثَمَّ فإنّي أرى أنّ العلاقة بين الأدب والنقد إنّما هي علاقة تكاملية، وذلك بصرف النظر عن “المهاترات” الشخصية المفتعلة التي دارت ومازالت تدور بين بعض الأدباء والنقّاد على مر العصور.
تثور بين الحين والحين دعوة تعريب العلوم؛ استنادا إلى تاريخ اللغة العربية العريق، تُعارِضها آراء تؤكد عدم قدرة العربية على مواكبة التطور .. وجهة نظرك كمتخصص حول هذه القضية؟
ليس التعريب – بمفهومه الصحيح – مجرد ترجمة أمينة للعلوم والمعارف، بل هو محاولة لتبيئة هذه العلوم، وذلك تمهيداً للعمل عليها وتطويرها في البيئة العلمية العربية، وهو جهد ضخم يتطلّب تضافر جهود المؤسسات المتخصِصة في هذا المجال.
ويشهد تاريخ الحضارة العربية الإسلامية على وعيّ مبكّر بأهمية التعريب، وكلّنا يذكر الجهود العظيمة التي قام بها الخلفاء العظام – وبخاصة في العصر العبّاسيّ – كالرشيد والمأمون لنقل وتعريب العلوم والمعارف وتأصيلها في اللغة العربية.
فالعربية لها تاريخ حافل في هذا المجال وعلى المعنيين بهذا الشأن متابعة ذلك وعدم التقاعس عن ذلك بحجج واهية ومتهافتة.
إلى جانب ذلك فإنّه لا غنى عن الاهتمام بتعلّم وتعليم وإتقان اللغات الأجنبية المهمة في مجال العلوم لإتقان هذه العلوم من العلماء المتخصّصين، ومن ثَمَّ القيام بتعريبها .
من غايات “اللغة” وعاء النص البيانُ والإفهام؛ لذا تطالِب أصوات بضرورة استخدام “العامية” لغة للإبداع؛ لقدرتها على تحقيق تلك الغاية بدليل سعة انتشارها مقارنة بالفصحى؟
بين الفصحى والعاميّة .. موضوع قديم متجدّد وهو أشبه ما يكون بالسؤال الزائف الذي يتدوال على طرحه بين الحين والآخر بعض المدّعين لأغراض مختلفة.
“الفصحى” لغة الأدب الرفيع القادر على اجتياز المكان والزمان كما هو الشأن مع الأدب العربيّ الخالد منذ معلّقات العصر الجاهلي، مروراً بكتب الجاحظ أديب العربية الأكبر في العصر العباسي إلى روائع أمير الشعراء أحمد شوقي في عصرنا هذا.
أمّا “العاميّة” فهي لغة التداول اليوميّ والأدب الشعبيّ داخل القطر العربي الواحد، أو مجموعة محدودة من الأقطار، فلا تعارض إذن بين الاستخدامين؛ فلكلّ مجاله واهتمامه. فالإبداع بالفصحى يوطّئ أكنافه للمبدِعين القادرين على اعتبار أنّه مفهوم ومنتشر في كافة الأقطار العربية. أمّا الإبداع بالعاميّة فهو ابن بيئته المحدودة وموجّه لجمهور محدود في الزمان والمكان.
تكلمت في كتابك “أعلام الأدب العربي الحديث .. قراءة جديدة” عن المسرح الذهني عند توفيق الحكيم مؤكدا أنه قدّم للقارئ والمُشاهِد وجبة فكرية وفلسفية دسمة، بعدَت عن العبث واللامعقول .. فهل يؤدي مسرحُ اليوم وكتَّابُه هذا الدور أم أنه صار ملهاة وفقط ؟
“المسرح الذهنيّ” يقابل مسرح “العرض المسرحيّ” ويتعلّق الأمر هنا بنقل الصراع الدراميّ – وهو جوهر العمل المسرحيّ – من الخارج إلى ذهن الشخصيات، مما يؤدّي إلى تعزيز دور الأفكار على حساب الحركة الخارجية، الأمر الذي يقلّل من حيوية الشخصيات ويحوّلها إلى مجرّد أصوات تردّد أفكار المؤلّف. ومن ثَمَّ فإنّ هذا النوع من المسرحيات يُمثّل وجبة فكرية دسمة للقارئ، لكنّه لا يثير التفاعل المطلوب على خشبة المسرح، إلّا إذا استطعنا ابتكار عرض مسرحي يلائم المسرح الذهني من خلال فنّ الإخراج والإضاءة والموسيقا التصويرية للتعويض عن النقص في عنصر الحركة الخارجية.
أمّا حال المسرح العربي اليوم فمثَلُه مَثَلُ كلّ أصناف الأدب والثقافة العربية؛ إذ إنّه ليس في أحسن حالاته .
بحكم خبرتك النقدية .. ما هي الصفات التي لابد من توافرها في الأدب لضمان الخلود والبقاء ؟
خلود الأدب وبقاؤه عبر العصور أمرٌ نسبيّ بكلّ تأكيد. على أنّ الخلود بهذا المعنى يرتبط بأصالة العمل الأدبيّ وابتكاره وقيمته الفنّية، ناهيك عن القيم الإنسانية العليا التي ينطوي عليها هذا العمل.
الجوائز والتكريمات إشكالية من إشكاليات إبداع اليوم؛ لغموض أسباب المنح والمنع .. ما رأيك في هذه الإشكالية؟
تمثّل الجوائز والتكريمات وسائل تحفيز المبدِعين، وذلك من خلال تكريم المجيدين منهم.
أمّا عن الإشكالية المشار إليها فهي موجودة دائماً وتعود لعدة أسباب كاختلاف الآراء والأذواق، وقد يرحع بعضها إلى عدم وضوح المعايير المعتمدة للتكريم، وربّما الافتقار إلى الموضوعية والنزاهة العلمية.
الوصول للآخر غاية الإبداع العظمى، والتي تتطلب ازدهار الترجمة .. نود معرفة معالم ترجمات اليوم .. وهل تقوم بدورها أم لا ؟
لا ريب في أنّ الترجمة هي سبيل التواصل بين آداب الأمم والشعوب، ومن الواضح أنّنا لا نقوم بما يكفي في هذا المجال .
على أنّ الجزء الأكبر من هذا التقصير يقع على عاتق الحكومات والمؤسّسات المعنية التي لا تقوم بدورها المطلوب لعدّة أسباب لا مجال لتفصيل القول فيها في هذا المقام .
مازالت “الأصالة والمعاصَرة” إشكالية تتأرجح بين التمسك بالتراث والثوابت، والانفتاح على الحداثة .. وجهة نظرك النقدية؟
يكمن جوهر الأصالة في الإبداع بعمق ارتباط المبدع بالبيئة بمفهومها الواسع وصدق وعمق التعبير عنها. أمّا الحداثة فإنّها تتجلّى في التفاعل الخلّاق مع العصر والتعبير الفنيّ عنه.
فأدب نجيب محفوظ الروائي – مثلاً – أدب يجمع بين الأصالة في تعبيره العميق والجميل عن البيئة المصرية، وبين المعاصرة في تعامله الواعي والناضج مع مشكلات العصر وقضاياه.
تباينت الآراء حول الأسلوبية فهناك صنف من الكتّاب احتفى بالعقل وآخر غلّب العاطفة .. فإلى أيهما يجنح فؤاد د. زياد العوف؟
لكلّ كاتب أسلوبه الخاصّ الذي يميّز حروفه؛ فإن “الأسلوب هو الرجل” كما يُقال. على أنّ “مراعاة مقتضى الحال” كما هو معروف في البلاغة هو المعيار الأهم في اختيار الأسلوب المناسب للتعبير عمّا نريد. أمّا في النقد المنهجي فإن التحليل المنطقيّ هو الأنسب للخوض في خصائص الإبداع الأدبيّ. وفيما يتعلق بكاتب هذه السطور فإنه يعتمد قدر الإمكان ما يُعرَف بالأسلوب العلميّ المتأدِب.
تعددت كتبك وبحوثك النقدية وكلُّها أبناؤك .. ولكن لابد أن هناك ابنا أثيرا .. فما هو؟
صحيح ..على أنّ لكلّ عمل نقدي قيمته الخاصة به وهدفه الذي يسعى إليه. بيد أنّي أرى في كتابي: “الأثر الأيديولوجيّ في النصّ الروائيّ” الأساس النظريّ والمنهجيّ المتين، الذي يؤصّل لمعظم كتاباتي وأبحاثيّ النقدية اللاحقة؛ فهو الأثير لديّ، مع اعتزازي بكلّ أعمالي.
تاريخك الحافل في ميدان النقد له بدايات وقراءات نود أن نلقي عليها الضوء؟
تعود بدايات اهتمامي وقراءاتي النقدية إلى بداية سبعينيات القرن الماضي أثناء دراستي الجامعية في كلّ من بيروت ودمشق، حيث وجدتني أتابع باهتمام وشغف التأملات النقدية العميقة لطه حسين في إبداع أبي العلاء المعري وأبي تمّام وابن الرومي على سبيل المثال، وكذا الرؤى المنهجية لمحمد مندور، والجهد العلميّ المنظّم والدءوب لكلّ من الأساتذة النقّاد إحسان عباس وعبد القادر القط وحسام الخطيب وغيرهم من النقّاد الأكاديميين المرموقين.
وقد ترك ذلك كلّه أثراً لا يُنكَر في وعيي النقديّ المبكّر.على أنّ انتقالي إلى فرنسا وإقامتي الطويلة فيها لأكثر من سبع سنوات للعكوف على إعداد دبلوم الدراسات المعمّقة وأطروحة الدكتوراة في مركز البحوث الألسنية والسيميولوجية في جامعة (ليون) الثانية، هو ما مكّنني من الوقوف على أهم وأحدث النظريات النقدية والأدبية والمناهج المتّصلة بها؛ مما ساعدني في نهاية المطاف على تلمّس صوتي النقدي الخاصّ في الأدب الروائيّ على وجه الخصوص.










