عبد السلام فاروق
من جديد… يعود السؤال الذي يلح على عقولنا كلما تأملنا المشهد الثقافي المصري الراهن: أين ذهب كُتاب مصر الكبار؟! ذلك السؤال الذي يشبه لدغة الحنين إلى زمن كان فيه للمفكر هيبته، وللكلمة وزنها، وللنص الفكري قدرته على إشعال المعارك وتحريك المياه الراكدة.
لكن ثمة سؤالًا آخر يسبق هذا السؤال، ويكاد يكون أكثر إيلامًا وإحراجًا هو لماذا لا نرى أنفسنا كبارًا؟ لماذا نقف أمام المرآة فلا نلمح في وجوهنا ملامح طه حسين أو العقاد أو بنت الشاطئ؟ لماذا نشعر بهذه المشاعر المتناقضة التي تتأرجح بين الحنين إلى ماض عظيم، واليأس من حاضر يبدو لنا هزيلاً، والغضب المكبوت على أنفسنا قبل غيرنا؟
هذا هو السؤال الذي يوجعني شخصيًا، وأظنه يوجع كثيرين غيري ممن يتحسرون على زمن الكبار دون أن يجرؤوا على مواجهة أنفسهم بالسؤال الأصعب: ألست أنا أيضًا جزءًا من هذا الزمن؟ ألست أنا أيضًا مسئولاً عن هذا الغياب؟
جيل يعرف أنه ليس كبيرًا
نحن جيل غريب، جيل يمتلك وعيًا حادًا بمأساته. نحن نعرف أننا لسنا كبارًا، ونعرف لماذا، ونعرف أننا لن نكون كذلك في الأغلب. وهذه المعرفة هي جزء من المأساة نفسها. أسلافنا الكبار ربما لم يكونوا يعرفون أنهم سيصبحون كبارًا، ربما كانوا فقط يفعلون ما تمليه عليهم ضمائرهم وعقولهم في زمانهم، ثم جاء من بعدهم من أطلق عليهم صفة «الكبار». أما نحن، فلدينا قائمة جاهزة بأسماء الكبار، ولدينا مقاييسهم التي نستخدمها لتعذيب أنفسنا كل ليلة قبل النوم.
إننا نعيش حالة من الانفصام الحاد، نحن نعرف شروط العظمة الفكرية جيدًا، ونحفظها عن ظهر قلب، ونستطيع أن نلقي بها في المحاضرات والندوات، ثم نخرج من القاعة لنمارس حياة لا علاقة لها بهذه الشروط من قريب أو بعيد. نعرف أن المفكر الكبير يحتاج إلى عقل مستقل، ثم نذهب لنكتب ما يرضي الجهة التي تدفع لنا المرتب. نعرف أن الكاتب الكبير يحتاج إلى الشجاعة، ثم نسكت عن الحق خوفًا من الفصل أو السجن أو حتى مجرد القطيعة الاجتماعية. نعرف أن النص العظيم يحتاج إلى الاشتباك مع الواقع، ثم نكتب نصوصًا آمنة لا تغضب أحدًا ولا تحرك ساكنًا.
نحن جيل المعرفة بلا قدرة، جيل التشخيص بلا علاج، جيل يرى الداء بوضوح مذهل ثم يهز رأسه بحكمة ويذهب ليتعايش مع الداء وكأنه قدر لا مفر منه.
لماذا نشعر بهذه المشاعر المتناقضة؟
نحن نحب الماضي ونمجده، وفي الوقت نفسه نمقته لأن عظمته تفضح ضآلتنا. نقرأ لطه حسين فنشعر بالفخر لأنه مصري مثلنا، ثم نطوي الكتاب ونشعر بالخزي لأننا لم نكتب شيئًا يقترب من عظمته. نحن نتحسر على زمن الكبار، ولكننا لو عدنا إلى ذلك الزمن بأجسادنا الحالية وعقولنا المثقلة بمعرفة القرن الواحد والعشرين، فهل كنا سنصبح مثلهم حقًا؟ أم أن المشكلة فينا نحن، وليس في الزمن وحده؟
الحقيقة المرة أننا نريد أن نكون كبارًا دون أن ندفع ثمن العظمة. نريد أمجاد طه حسين دون أن نخوض معاركه، ونريد هيبة العقاد دون أن نعيش زهده وانقطاعه للقراءة والكتابة، ونريد تأثير غالي شكري دون أن نمتلك شجاعته في قول ما يؤمن به. نشعر بالغيرة من الماضي، غيرة الابن العاجز من أبيه العظيم. نريد أن نقتل الأب لنحل محله، ولكننا لا نجرؤ حتى على الاقتراب منه. نكتفي بالتحسر عليه، والتحسر على أنفسنا، في ممارسة أقرب إلى جلد الذات منها إلى الفعل الحقيقي.
وهناك شعور آخر أكثر تعقيدًا؛ نحن نشعر بالارتياح الخفي لعدم وجود كبار بيننا! نعم، هذا شعور قبيح، لكنه حقيقي. وجود كاتب كبير بيننا الآن سيكون بمثابة مرآة صادقة لا ترحم، سيفضح هزالنا وزيفنا وادعاءنا. وجوده سيلزمنا بموقف: إما أن نتبعه وندفع ثمن ذلك، وإما أن نعارضه وندفع ثمنًا آخر. أما في غيابه، فنحن مرتاحون في عاديتنا، نتبادل المديح المجاني، ونمنح أنفسنا ألقابًا لا يستحقها إلا العظماء، ونقنع أنفسنا بأن الزمن هو المشكلة، وأننا لو عشنا في زمن غير هذا الزمن لكنا مثلهم.
كذبة جميلة نعيش بها، ولكنها تظل كذبة.
هل المشكلة في الزمن أم فينا؟
لا أنكر أن الزمن له دوره. العوامل الموضوعية التي تحدث عنها غالي شكري حقيقية وموجودة، الثقافة الاستهلاكية، غياب المنابر، تدهور الحراك النقدي، تراجع الحريات العامة. كل هذا صحيح. لكن الخطاب الذي يلقي باللوم كله على الظروف هو خطاب مريح جدًا، مريح لدرجة الريبة. إنه يعفينا من المسئولية، ويحولنا من فاعلين إلى مفعول بهم، من كائنات حرة إلى ضحايا للتاريخ.
الزمن الرديء لا يمنع ظهور العظماء، بل ربما كان شرطًا لظهورهم. طه حسين لم يولد في زمن ديمقراطي منفتح، ولد في زمن الاستعمار والاحتلال والرقابة. ومع ذلك قاتل وكتب وأبدع. العقاد لم يجد منصبًا أكاديميًا مريحًا، بل دخل السجن بسبب آرائه السياسية. غالي شكري نفسه عاش في فترات قمعية، وكتب رغم ذلك. المشكلة إذن ليست في الزمن وحده، إنما في علاقتنا بالزمن، في الطريقة التي نتعامل بها مع التحديات.
نحن، بصراحة، جيل يخاف. نخاف على أرزاقنا، على مناصبنا، على علاقاتنا، على «البرستيج» الاجتماعي، على سمعتنا في عالم افتراضي أصبحنا عبيدًا له. نخاف من كل شيء، ثم نتعجب لماذا لا ننتج فكرًا عظيمًا!
الشجاعة الروحية التي تحدث عنها غالي شكري ليست مجرد فضيلة فكرية، إنها شرط وجود. بدونها، لا يوجد فكر، لا يوجد إبداع، لا توجد كتابة تستحق أن تقرأ. وبدونها، يتحول المثقف إلى موظف، والكاتب إلى ناسخ، والمفكر إلى ببغاء.
سيكولوجيا التحسر
لنكن صرحاء مع أنفسنا؛ جزء كبير من تحسرنا على زمن الكبار ليس إلا شكلاً من أشكال الهروب من مواجهة الذات. إنه أسهل بكثير من أن نقول لأنفسنا الحقيقة المرة: نحن لم نفعل ما يكفي، لم نجاهد ما يكفي، لم نتألم بما يكفي، لم ندفع ثمن ما نؤمن به. إن التحسر على الماضي يتضمن افتراضًا خفيًا بأن الزمن وحده هو الذي يصنع العظماء، وهذا الافتراض مريح لأنه يسلبنا الإرادة والمسئولية. لو كانت العظمة مجرد نتاج للظروف الموضوعية، فسنكون معذورين. لكن العظمة -في جزء كبير منها- اختيار. اختيار صعب، اختيار مؤلم، اختيار مكلف، لكنه اختيار.
نحن لا نختار أن نكون كبارًا، لأننا نعرف ثمن ذلك مقدمًا. نفضل السلامة، نفضل الانتماء للقطيع، نفضل ألا يشار إلينا بالبنان لا بالخير ولا بالشر. نريد أن نكون «محترمين» لا «كبارًا». الفرق بينهما كبير: المحترم يرضي الجميع، والكبير يغضب الكثيرين. المحترم يحافظ على مكتسباته، والكبير يخاطر بها. المحترم يموت منسيًا بعد حياة هادئة، والكبير يخلد بعد حياة مليئة بالصراعات.
هل نستطيع أن نرى أنفسنا كبارًا؟
هنا بيت القصيد. الإجابة المباشرة هي: لا، لا نستطيع، لأننا ببساطة لسنا كبارًا. لكن السؤال الأعمق هو هل يمكن أن نصبح كبارًا إذا تجاوزنا هذا التحسر العقيم، وهذه المشاعر المتناقضة، وهذا الخوف المقعد؟ هل يمكن أن نتحول من باحثين عن الأمان إلى باحثين عن الحقيقة؟ من طلاب رضا إلى طلاب حق؟
ربما. لكن هذا يتطلب أولاً أن نتوقف عن مقارنة أنفسنا بالأموات. الموت يضفي على الكبار هالة من القداسة والكمال لم تكن موجودة في حياتهم. طه حسين كان مثيرًا للجدل في زمانه، متهمًا بالعمالة تارة وبالتغريب تارة أخرى. لم يكن «العميد» المقدس الذي نعرفه الآن، كان بشرًا يصيب ويخطئ، ينتصر وينهزم. مشكلتنا أننا نعبد تماثيل من صنع خيالنا، ثم نيأس لأننا لا نستطيع أن نكون مثل هذه التماثيل.
أن نصبح كبارًا يتطلب أن نكف عن أن نكون توابين، أي أن نكف عن تحويل عظمائنا إلى أصنام. أن نفهم أن العظمة ليست حالة من الكمال، بل هي حالة من المجاهدة المستمرة، من الاشتباك الدائم، من الفشل الذي يعقبه نهوض، من السقوط الذي يتبعه ارتفاع.
أن نصبح كبارًا يتطلب أن نعيش في زماننا، لا في زمن غيرنا. كل جيل له أسئلته، له تحدياته، له أشكال صراعه الخاصة. ربما يكون شكل العظمة في زمننا مختلفًا عن شكلها في زمن طه حسين والعقاد. ربما علينا أن نبحث عن تعريف جديد للعظمة يناسب زمن الإنترنت ومواقع التواصل والذكاء الاصطناعي، بدلاً من أن نظل نبكي على أطلال تعريف قديم لم نعد نستطيع تحقيقه.
اعتراف أخير
أكتب هذا الكلام وأنا أشعر بالخزي، لأنني أعرف أنني جزء من المشكلة التي أصفها. أنا أيضًا لم أفعل ما يكفي، لم أخاطر بما يكفي، لم أمتلك الشجاعة الكافية. أنا أيضًا أعيش حالة الانفصام بين ما أعرفه وما أفعله، بين ما أؤمن به وما أجرؤ على قوله. لكن ربما كان هذا الاعتراف نفسه خطوة على الطريق. أن نعترف بعجزنا، بضعفنا، بخوفنا. أن نتوقف عن لوم الزمن وحدنا، ونتحمل نصيبنا من المسئولية. أن نكف عن الحنين إلى ماضي لا نستطيع استعادته، ونبدأ في بناء حاضر نستطيع أن نفتخر به.
الكبار لم يصبحوا كبارًا لأنهم عاشوا في زمن جميل، بل لأنهم جعلوا أزمنتهم جميلة بفعلهم فيها. فلنتوقف عن انتظار الزمن الجميل، ولنبدأ -كل منا في موقعه- في صناعته.
وهذا هو، في نهاية المطاف، ما كان يعنيه غالي شكري بعبور الحواجز. الحاجز الأول والأصعب ليس الرقابة أو القمع أو غياب المنابر. الحاجز الأول هو أنفسنا. أن نتجاوز خوفنا، أن نتجاوز رغبتنا في السلامة والراحة، أن نتجاوز هذا التحسر العقيم الذي يعفينا من المسئولية. أن نعبر هذا الحاجز أولاً، ثم ننظر ماذا سنصبح.
فلنحاول. أو على الأقل… فلنعترف بأننا لم نحاول بعد.











