د. إبراهيم منصور
أهداني الشاعر أمير حمدان نسخة ورقية من ديوانه الشعري ويحمل عنوان “الغرق إلى الشاطئ” وهو ثالث ديوان يصدره الشاعر، وقد وجدت من واجبي أن أكتب عن الديوان اعتبارا لأمرين: الأول- أن الشاعر ربما بنتظر مني الاستجابة لهديته بالكتابة عنه، الثاني- أن الشاعر قد خالف المألوف اليوم فلم يكتب شعرا تفعيليا ولا هو كتب في قالب قصيدة النثر، بل كتب شعره كله ملتزما بالميزان الشعري الخليلي، وهو اختيار يدعو للتوقف عنده لمناقشة قضية الشعر العمودي.
تبدو في عتبات الديوان بعض الأمور التي نحتاج للتوقف عندها، وأولها العنوان “الغرق إلى الشاطئ” حيث يخيل إلي أن الشاعر ربما أحب أن يلعب باللغة فاستخدم حرف الجر “إلى” بدلا من “عند”، إن الغرق غير السباحة، فمن الممكن أن أسبح إلى الشاطئ، والمفارقة أن أغرق عنده لا أن أغرق إليه، وفكرة اللعب اللغوي – لو كان الشاعر يقصدها حقا- مختلفة عما فعل هنا، ولو أردنا أن نختبر مدي قدرته على اللعب اللغوي فإننا سنجد في ديوانه نفسه مثالا حيث يقول ( ص 160):
“عُدني وعِدني لا تُعدني للأسى”
حيث استخدم الشاعر الجناس متلاعبا بلفظ واحد مغيرا في علامات الضبط.
*****
أما “البيانات” التي أثبتها الناشر على الغلاف، فيمكن تناولها من زاوية Paratext أي”النص الموازي” أو عتبات النص، فقد ننشغل بتحليلها، بدعوى أنها تحمل دلالات تضيف لمعنى النص، ولكني أردت أن أقف هنا لكي أنتقد ما ورد في الغلاف والصفحة الأولى، فالناشر واسمه اسكرايب أو scribe لم يذكر عنوانا لدار النشر مع أنه يدعي أنه عضو اتحاد الناشرين المصريين، وهو يضع على الغلاف اسم الشاعر د. أمير حمدان، وفي الصفحة الأولى يصبح اسمه أمير حمدان ربيع، كما يثبت على الغلاف عبارة شعر فصحى، وهي عبارة لا معنى لها، وقد حذفها من الصفحة الأولى وكتب بديلا عنها “ديوان”
لماذا نتوقف أمام هذه العناصر من بيانات النشر؟
أعتقد أن الشاعر الناشئ يحتاج إلى ناشر محترف لكي يعرض الكتاب على قارئ متخصص لكي يبدي ملاحظاته التفصيلية والدقيقة حول المخطوطة قبل أن تنشر، وهذه قضية أصبحت ظاهرة جدا، حيث لا نستطيع الإمساك بمن نحاسبه على التسرع في إخراج كتب الشباب من غير مراجعة من المختصين، فالأمر لم يعد مراجعة لغوية، ولا تنسيقا للنص، بل “فرز وتجنيب” وحذف للزيادة، وتدقيق من أجل أن يأتي النص الثاني أفضل من الأول والثالث أفضل من الثاني، حتى إذا استوى الكاتب أو الشاعر الشاب على عوده لم نعد بحاجة إلى هذه المراجعة.
*****
ومن العتبات التي تدخلنا إلى ديوان “الغرق إلى الشاطئ” الإهداء، وقد كتب الشاعر ثلاث إهداءات،
والصواب أن يكتفي بإهداء واحد، وسوف نتوقف عند الإهداء الأوسط حيث كتب الشاعر: “إهداء إلى
صديقي الوفي وأستاذي الموقر خالي الطبيب الشاعر إكرامي قورة”
لقد اقتتدى الشاعر بخاله فأصبح طبيبا مثله، ثم أصبح شاعرا يكتب الشعر ويبدو أن الخال قد كتب الشعر العمودي، فهل كان الخال عريقا في الشعر مثلما كان خال البارودي (1839-1904) رب السيف والقلم؟ حيث قال:
أنا في الشّعْر عريقٌ لم أرثْه ُعن كلالةْ
كان إبراهيمُ خالي فيه مشهورَ المقالةْ
لقد أصبح الدكتور أمير حمدان رب المشرط والقلم، فهو طبيب في قسم جراحة القلب في مستشفى بورسعيد الجامعي، لكننا كنا نتمنى أن يقتدي لا بالبارودي وحده بل بالأدباء من الأطباء وخاصة الدكتور إبراهيم ناجي الذي كتب الشعر العمودي أيضا، وحقق فيه إنجازات زادها بهاءً أن غنت منها أم كلثوم بعض القصائد.
*****
سوف نقف عند الطريقة التي سلكها الشاعر أمير حمدان في ديوانه، وهذا يدفعنا للإشارة إلى ثلاث نقاط:
الأولى- أن أغلب نصوص الديوان هي قصائد بعضها مقطوعات، فالشعر العمودي يقوم على البيت الشعري، وعدد الأبيات يحدد إذا ما كان النص مقطوعة أو قصيدة، إذا نظم الشاعر سبعة أبيات فأكثر فهي قصيدة، أما إذا نظم ستة أبيات فأقل فهي مقطوعة، وهذا التصنيف لا يصدق لا على قصيدة التفعيلة التي تعد بالسطر ولا على قصيدة النثر، والشاعر في ديوان “الغرق إلى الشاطئ” وكذلك الناشر قد أخرجا الديوان على نحو يوحي بأنها جميعا قصائد، فقد كتب كل بيت على سطرين مع وضع علامة ترقيم هي النجمة (*) بعد كل بيت كأنه مقطع وليس بيتا مفردا، وهذا خطأ.
الثانية- نوّع الشاعر في القوافي داخل القصائد، وهو أمر محمود، يذكرنا بما فعله شعراء المهجر الشمالي، الذين استفادوا من الموشحات فخرجوا في بداية القرن العشرين من الانتظام الصارم للوزن والقافية إلى التنويع الذي اتبعه ايضا شعراء “الديوان” وشعراء “أبولو”
ومن شواهد انتباه الشاعر إلى الموسيقى ما فعله في قصيدة “من البوح ما قتل” ( ص 157) حيث تنبه الشاعر إلى التقفية أو التصريع، فيبدأ النص على النحو التالي:
لحُلمي سأغذو وحُلمي طللْ فيأسِي إذا شَبّ خَطبٌْ جللْ
وفي قصيدة “لماذا أنت بالذات؟”، وتمثل خمس صفحات الديوان، قسم الشاعر القصيدة إلى اثني عشر مقطعا، والتزم بأن يغير القافية عند انتهاء المقطع، فانتقل من الفاء إلى الراء إلى الهمزة إلى القاف مع ألف الإطلاق ولكنه لم يدرك أن ألف الإطلاق يجب أن تلتزم، فهو يقول في المقطع الخامس (ص 82):
غريقٌ من غدا منهم ومفقودٌ من انشق
ففوق الضفة الأخرى ذئاب ترصد الشرق
فالصواب أن يكتب حرف الروي بألف الإطلاق في كل من انشقا والشرقا، وكذا في سائر المقطع، حيث لم يلتزم الشاعر إلا في قوله: تحاولُ منذ أعوام ٍ لتجعلَ أهله فِرَقَا
الثالثة – لم يعد مقبولا أن يجعل الشاعر من كل بيت وحدة، وأن يكتفي بالمعنى الذي يعطيه البيت الواحد، فالشاعر القديم لم يكن ينوّع في القصيدة الواحدة بين عدة أغراض شعرية إلا في قصائد المديح وفي
المطولات مثل المعلقات، أما قصائد الغزل مثلا فقد جاءت في قطعة متماسكة، وهذه قضية يجب أن تثار في جدية مع الشعراء الين يكتبون الشعر العمودي اليوم، حتى لا يظنون أن تفكك القصيدة العمودية قَدَر مكتوب ولازمة من لوازمها.
لقد كتب أمير حمدان قصائد وقد أطال بعضها حتى ضاعت منه الخيوط، ففي قصيدة (قلم يداعب صاحبه) يقول:
يا صاحبي إن الحياة ستنتهي ويموت فيها كل شئ شيّقِ
يا صاحِ إن الحزن داهم أرضنا فلِمَ البقاء أمام حظٍ موثقِ
ثم ينتقل ليخاطب شخصا آخر:
فاتَ الأوان على النجاة عزيزتي إذ لست سباحا ودمر زورقي
رُفقا بحالكِ فالنساء عزيزتي ناقوسُ حربٍ للهلاك المُحدِقِ
فمن البين أنه لا جامع بين من يخاطبه الشاعر في البيتين الأولين، ومن يخاطبه في البيتين الأخيرين سوى الوزن والقافية، وهذه مشكلة الشعر العمودي كما قلنا، أن يظن الشاعر أن البيت الواحد يمكن أن يقوم بنفسه دونما اعتبار للبناء الذي يجمع أبيات القصيدة أو المقطوعة.
*****
أطول قصائد الديوان، كما قلنا، عنوانها “لماذا أنتِ بالذات؟” ( ص ص72 – 102) وعبارة بالذات فضلا عن أنها عامية فهي زائدة، وقد بدت لي القصيدة كلها كأنها تمرين شعري متشعب، فالشاعر يبدأ هكذا:
على طللٍ من الماضي وقفنا نجمعُ الصدَفا
ثم يفشل الشاعر في نظم البيت التالي: لنهدي لؤلؤ التاريخ للقراء مصطفا
على أننا سوف نعرف بعد لأي أن القصيدة عن طوفان الأقصى وعن حرب الإبادة في غزة، وأن عبارة بالذات التي وردت في العنوان تشير إلى القدس والقبلة الأولى للمسلمين!!
إن الشعر السياسي وشعر الحب اتجاهان فيهما متسع للقول للشاعر العمودي ولغيره، والشعر السياسي موضوع عام لكن الشاعر يكتب فيه من زاوية خاصة حتى لا يتحول إلى مقال أو خطبة على منبر المسجد، أما شعر الحب فيحتاج لجرأة الفنان ووضوح لغته، فالحب ليس عارا ولا هو خطيئة، لذلك ندعو الشاعر أمير حمدان أن يكون جريئا، وأن يكون صبورا على نصوصه، وأن يرسل بها للمجلات والصحف، ولا يتعجل نشرها في دواوين في دور النشر المجهولة.
وأقول للشاعر أيضا إذا لم يستطع أن يكون جريئا في الشعر السياسي، فليكن شاعر الحب أو شاعر التأمل، لكنه في سائر الأحوال، ولكي لا يبقى ناظما، بل شاعرا، يحتاج أن يصقل موهبته بالثقافة العامة، ويحتاج أيضا إلى الثقافة الشعرية.
لم أتردد في القيام بدور الناقد الذي يقيّم ويحكم ويوجّه، فهذا دور منسيّ من أدوار الناقد اليوم، وأظن أننا في حاجة لاستعادته، وإحيائه.
وفي ختام هذا المقال أختار للشاعر أمير حمدان هذه المقطوعة بعنوان “إليها” لتكون خاتمة القول:
وألطفُ ما يضئ الكونَ عينٌ ترى بالحب ما لا تستطيعُ
تداعبُ صمتنا بالصمت حينا وتقرأ ما تخبئه الضلوعُ
تداوي علّتي إن زار قلبي خريفٌ ليس يعقبه ربيعُ
لها من كل قافيةٍ نصيبٌ فدون ضيائها عمري يضيعُ









