المجهول، هذا المعلوم المختبئ وراء أستار الغيب

abdelmottaleb

عبد الهادي عبد المطَّلب

المستقبل، بين السؤال والمجهول..

         السؤال مفتاح المتأمّلين وإرث الفلاسفة، وهو أكثر من طلبٍ وتربُّصٍ بالمعلومة، بل هو تحريرٌ للعقل وتكسير للثّابت والراسخ والموروث لمواجهة الجهل والخوف، ومحاولةٌ للقفز خارج دائرة المعلوم، واختراقٌ لحجب الغيب والمجهول والظواهر الآنية للوصول إلى ما وراء الأسرار واستكشاف المستقبل.

         السؤال أكثر فاعلية لكسر السكون وتجاوز “الآن”، إنه الجسر الرّابط بين طرفي المعلوم والمجهول. إنه القلق المعرفي الذي يُبقي شرارة البحث في الحقيقة وعنها، وفي المعرفة ومجهولها، متّقدةً لتحويل “العدم” إلى موضوع للبحث والاسكتشاف.

         أما المجهول، وإن استعصى على القبض كمفهوم، فهو في أبسط تعاريفه ما تجاوز إدراكنا وأدواتنا، وهو ما يجعلنا ننتظر دورة الزمن ونحن نحاول تطوير آلياتنا ومعارفنا وأسئلتنا لفك بعض شفراته ورموزه. لهذا، فالسؤال والمجهول في تكامل تام وتعايش قد لا نلمسه، لكن الشعور به يوصلنا إلى المعلوم الذي كان مستقبلا، فيما مضى، ليُوَلّد من جديد مزيداً من الأسئلة الأكثر عمقاً وإصراراً ودهشة تقودنا هي الأخرى إلى مجهول جديد في استشراف دائم يتجاوز اللحظة والحواس والاحتمالات.

         والاستشراف الواعي باللحظة ليس تنجيماً[1]، ولا ضربة حظ، ولا رميا بالأزلام[2]، ولا رجما بالغيب[3]، بل هو أرقى درجات التفكير الإنساني الواعي باللحظة، والفاهمُ لسنن التغيير، والمحفّز للخيال المبدع، إنه فعل الحرية والتأمّل حتى لا يسقط في فخّ الصُّدَف والانتظار، بل إنه التفكير الواعي في المصير والسير إلى المجهول صعوداً نحو مدارج المعلوم لرسم عالم يولد من رحم السؤال. والمستقبل لا نملكه، لكننا، بمعنى أو بآخر، ننتمي إليه ونُدفعُ إليه بوعي أو من دونه، مسلّحين بالسؤال والدهشة والمغامرة.

المجهول مغامرة..

         الإنسان بطبعه حين يُمارس طقوس البقاء وغريزة التّملُّك والسيادة على العالم، يكره بذلك الفراغ، وهو حين امتلك أدوات اختراق اللحظة، والسؤال أول أدواته، حاول تصريفها علماً وتجارب، ومغامرة واستكشافاً في محاولات استشرافٍ لتحويل ما جهله الآن إلى معلوم مستعينا بما كان مجهولا في أمسه وفي زمن مضى، كالنظم الذكية التي سهّلت عليه اختراق الذات والمجهول.

والمجهول عادةً، مقترنٌ بالمغامرة والإبداع، والإبداع لا يولد من المعلوم، فهو في بعض تعاريفه يعني «الإتيان بما لم يأت به الآخرون». يقول الخليل بن أحمد الفراهيدي «البَدْع إحداث شيء لم يكن له من قبل خلق، ولا ذكر، ولا معرفة». كما أنه القطع مع السائد ليسمح للعقل بناء روابط جديدة وذلك عبر المغامرة التي توصل الفكرة من الخيال إلى الوجود والتّحقّق. وكل إبداع بهذا المعنى مغامرة تتجاوز الحدود والمعلوم والضيق المعرفي لتخترق أستار المستقبل.

         وإذا كان الإنسان «مشروعاً» كما يقول سارتر، أي أنه يصنع نفسه بنفسه من خلال خياراته ومغامراته واكتشافاته ليملأ الفراغ الذي يؤسّسه الغيب والمجهول بالفعل والبحث والأسئلة التي، حتماً، ستصنع مستقبله حين تستشرفه، وتبني القادم من الزمن حين تسبر أغواره، لأن الإنسان يبني ويؤسس غده براهنه، ويقف موقف المتسائل بين الحتمية والاختيار، وبين المكتوب والإرادة، وبين المجهول والفعل الذي يحيله معلوماً. وكل مجهول لم يحن وقته الآن هو مستقبل يتشكّل بناء على قرارات الإنسان الراهنة والمحكومة بما يصنع حياته من علم ومعرفة ونُظم ذكية، كما يُبنى عبر السؤال المخترق للحُجب، فانتظار المجهول والإيمان به يمنح الإنسان طُمأنينة تُخفّف وطْأة القلق تجاه المستقبل.

         إن العلاقة بين الإنسان والمجهول، حين يقف الإنسان مفكّراً ومتجاوَزاً، متأمّلاً ومتسائلا، متحدّياً أستار الغيب فإنّه بذلك، يخلق آلية للدفاع يهدم بها جدران الخوف التي تمنحه القدرة على المواجهة ومحاولة فهم بعض الأسرار للتّنبُّؤ بالآتي بعقل يُخطّط لسيناريوهات تتحدّى الذات والواقع، في تساوق مع الخوف والفشل كنوع من التحذير والانتباه، فالحياة بدون مجهول قاتلة للإبداع، لأن المجهول هو ما يُعطي الحياة معنى وقيمة.

  يقول (إتش بي لافكرافت): «إن أقدم وأقوى عاطفة لدى البشر هي الخوف، وأقدم وأقوى أنواع الخوف هو الخوف من المجهول»، فالمجهول سيظل موجوداً بهواجسه ومخاوفه وقلقه، وكلّما أمعنّا البحث والسؤال فيه اتسعت مساحته وابتعد عن مدى العقل المحدود ليُبقيه مستعدّاً دائماً لاستثمار الدّهشة التي تفتح له مواطن جديدة للبحث ليُصبح غداً وحاضراً يُعاش، وتدور الدّائرة وتتّسع الدّهشة ويشرئبُّ السؤال بفضوله باحثا عن مجهول جديد للعيش فيه. وهكذا يتحوّل المجهول معلوماً يُعاش حاضرا. فالمجهول معلومٌ، بمعنى أن ما نجهله الآن ليس عدماً أو هباءً، بل حقيقة قائمة موجودة بالفعل لا تُدركها الأفكار والعقول الآن، فهي محجوبة عن إدراكنا، في حين ينفتح السؤال أملاً في أن الإنسان والحقيقة الغائبة مساحة كشف وتواجد. لذا فالمجهول ينتظر من يزيح عنه أستار الخوف والجهل والقلق بالتجربة والمغامرة لاقتحام معاقله، فما نجهله لا ينفي وجوده بل يؤكّد محدودية إدراكنا ورؤيتنا القاصرة الآن، وما وصل إليه الإنسان اليوم من علوم كان في زمن مضى مجهولاً كامناً مُختبئاً وراء أستار الغيب بانتظار لحظة الظّهور. يقول محيي الدين بن عربي في كتاب “فصوص الحكم”[4]: «ما ظهر في الوجود إلاّ ما كان ثابتاً في الغيب» ويقول برنارد شو: «الغيب هو مجرّد حقيقة لم يحن كشفها بعد».

خاتمة..

         المجهول لا نكتشفه بقدر ما نتحرر من جهلنا وخوفنا منه، لأنه معلومٌ اكتملت فصوله ومعالمه في الغيب، وما الإنسان إلا شاهد تسلّح بالسؤال والدّهشة ولهفة المعرفة والمغامرة في انتظار لحظة إزاحة الأقدار للأستار لتكتمل لديه الفصول والتفاصيل والأحداث في انتظار أن يفتح مجاهيل أخرى تنظر لحظة الإعلان والانجلاء. و«نحن، الآن، نعيش في الأجوبة التي تجرّأ أجدادنا في طرح أسئلتها، وسيعيش أحفادنا في الأجوبة التي نملك الشجاعة لطرح اسئلتها الآن». من هنا، هل نعيش زماننا وقد هيّئنا الأسئلة التي ستقودنا أجوبتها إلى المستقبل المجهول، أم أنّنا ما زلنا نكرر أجوبة الماضي وننتظر؟

…….……………………………  

[1] التنجيم: نوع من العرافة، ويقوم على افتراض تأثير للنجوم على حياة الإنسان، وهو محظور شرعاً ويُعتبر من شعب السحر.

[2] الأزلام: سهام أو قداح خشبية استخدمها أهل الجاهلية للاستقسام (طلب القسمة والنصيب ومعرفة الخير من الشر) قبل الإقدام على الأمور المهمة كالسفر أو الزواج.

[3] الغيب: كل ما استأثر الله تعالى بعلمه أو أطلع عليه من شاء من رسله، وهو ما لا تدركه الحواس.

[4] هو الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي (560 – 638 هـ / 1165 – 1240 م). هو أبو بكر محمد بن علي بن محمد الحاتمي الطائي الأندلسي، أحد أشهر أعلام التصوف الفلسفي، ولد في مرسية وتوفي في دمشق، ويُعتبر كتابه هذا من أمهات كتب التصوف التي تعالج الحقائق الوجودية.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع