محمد سليمان.. الوحى نزل علىَّ من قصائده!

gamal maqar

جمال مقار

أذكر أن أول مرة رأيت فيها الشاعر محمد سليمان كانت مصادفة غريبة، إذ كنت بصحبة الشاعر والمؤرخ الأدبى شعبان يوسف. كان ذلك فى يوم حار من صيف عام 1985، كان سليمان جالسا على مقعد بمقهى “زهرة البستان” وبينما كنا ماشييْن جاء صوت جهورى أجش يحمل طابعا شعبيا: “يا شعبان”. التفت شعبان ثم اعتلت وجهه ابتسامة عريضة، ومال وأنا معه عائديْن نحو ذلك الصوت، هناك كان شخص له شارب كث وشعر أسود مسترسل، بدت على ملامحه نظرة تحمل من الغضب بمقدار ما تحمل من عتاب، قال:

ـ إيه خلاص اعتزلت؟

حقيقة الأمر أن شعبان كان يمر بمرحلة إعداد طويلة استعدادا لانطلاقة كبيرة لم تتوقف حتى اليوم، استغرقت منه عشر سنوات، انقطع فيها عن عالم الأدب حتى ظُنَّ أن معينه من الشعر قد نضب، لعله كان يعطى السياسة اهتماما أكبر، عموما بدا شعبان مرتبكا قليلا، واعتذر بكثرة المشاغل، وإن لم تخنى الذاكرة لم نجلس بل مضينا إذ كنا فى طريقنا لوردية العمل بالسنترال الدولى.

عندما انتهت وردية العمل فى الحادية والربع مساء، ونحن فى رحلة العودة مشياً إلى قطار المرج، قصَّ علىَّ شعبان بعض عجائب عن ذلك الشاعر العجيب الذى يحمل قلبا يجتمع فيه الشعر بمثاليات تكاد تندثر، من حب دافق للحياة وللبشر البسطاء، وكيف أن صيدليته أصبحت قبلة لهم، حتى بات مهددا بالإفلاس، إن لم يكن فعلا قد أفلس.  

بعد أعوام قليلة بدأت أرى قصائده تزين مجلة “إبداع” عبد القادر القط التى كان همها الأول نشر عدد كبير من القصائد والقصة القصيرة، وما تزال بعض مقاطع من قصائده تتردد كالصدى فى رأسى:

“المدينة ليست لباسا/ ولا وطنا للهديل/ المدينة مذبحة”، ومن هذا المقطع استلهمت قصتى القصيرة “أول دروس المدينة” بينما تسمعه يقول فى قصيدة أخرى إنه: “يتسلى بمحاربة ذاته”، تلك المقولة أشعلت فىَّ رغبة فى تجسيم المعنى بشكل قصصى، فضمَّنتها فى قصتى “هكذا ولدت”.

وحين تقابلنا فى أتيليه القاهرة، أهديته القصة، راح يقرأها فى صمت ثم ابتسم ابتسامة عريضة، نابعة من نشوة طفولية انتابته، هكذا امتد بيننا خيط من الحب المصفى على الرغم من أننا لم نلتق يوما اتفاقاً. ثم جمعتنا فى مطلع الألفية الجديدة جلسة الدكتور محمد عبد المطلب التى كان يعقدها فى أيام الجمع بكازينو “أمفتريون” بمصر الجديدة، حيث امتد بيننا خيط من الاحترام والود المتبادل.

ثم أعملت الأيام مشرطها فى الحياة التى نعيشها، وانصرفت بنا كلٌ فيما يعنيه، حتى أفجعنى خبر رحيله عن عالمنا، ليضيف إلى القلب ثقلا آخر، لأن كل رحيل للأحبة يأخذ معه جزءا من الروح، فسلاما ورحمة على روح محمد سليمان الطاهرة.

 

عودة إلى الملف

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع