شعبان يوسف
السردية التى نهضت عليها ظاهرة شعراء السبعينيات من خلال حركة نقدية غير واضحة المعالم، تعطى صورة غير دقيقة لذلك الجيل فى كثير من الأحوال. تلك السردية أوحت بأن شعراء تلك الظاهرة يتشابهون فى الوجه الفكرى أو الإبداعى أو النقدى وينهلون من معين واحد.
بالطبع كان ثمة خلفيات ثقافية شبه متجانسة، وكتابات شبه شائعة ومقرَّرة يتم تسويقها بقوة فى الحياة الثقافية، دُشِّنت عبر نقاد مثل الدكتور عبد المنعم تليمة، والروائى إدوار الخراط، وروَّج لها شعراء السبعينيات أنفسهم فى مقالاتهم ودراساتهم وندواتهم، لكن تلك المقولات، يا للدهشة، لم تجد طريقها بشكل واضح إلى قصائدهم، لأن الشعر الجيد ينمو بعيداً عن تلك التنظيرات الجاهزة والمعلبة والوافدة من ثقافات أخرى.
وفى اعتقادى أن ظاهرة جيل السبعينيات، قامت على أرضية خلاف جدلى أعطى لتلك الظاهرة حركيتها، ومعناها، وتعدد رؤاها، وتباين ألوانها المختلفة مهما ألغت المقولات الفروق بين أفرادها، فلكل عضو فى الظاهرة تراث شعرى ونقدى وفكرى واجتماعى، كما أن المنطلقات العديدة لا بد أن تُنتِج مبدعين ليسوا نسخاً متشابهة فى الإبداع، حتى لو رددوا مقولات فكرية ونقدية واحدة.
جاء شعراء السبعينيات من مناخات مختلفة، ومن توجُّهات ثقافية عديدة، ومن قراءات غير متشابهة، كذلك تكوَّنوا فى مناطق جغرافية متباينة، ولكن جمعتهم ظروف تاريخية وسياسية وفكرية واحدة، وعاشوا تحت مطارق شبه موحدة، و”سندانات” مشتركة، فلا أحد منهم نجا من ألم هزيمة 1967، أو صدمة رحيل جمال عبد الناصر حتى لو احتجوا على بعض سياساته، لقد ساروا جميعاً فى جنازته المهيبة التى كانت بطول وعرض الوطن، كذلك عاش ذلك الجيل انتصار 1973، والإخفاقات التى تلته، لكن كل واحد منهم، عندما يخلو إلى نفسه، ويفكر، ويتأمل، كان يكتب بطريقته الخاصة، حتى لو جاءت تلك الكتابة شبه متأثرة بشعراء سابقين عليه، أو فيها بعض الشبه من زملاء له.
لذلك سنجد المسافات الفنية والفكرية والنقدية تقترب أو تبتعد بين الشعراء وقصائدهم، فلا يمكن أن نجمعهم في مقولة واحدة، باستثناء مقولة “شعراء جيل السبعينيات”، حيث اجتمعوا فى حقبة زمنية محددة، وتحالفوا وتضامنوا كى يجلسوا تحت سقف مشترك، محتفظين باختلافاتهم الفنية، فلا توجد جماعة واحدة وحَّدت بين كل أعضائها بذلك التشابه المزعوم، وإذا نظرنا إلى شعراء جماعة “أصوات” التى انتمى إليها شاعرنا محمد سليمان، لن نجد أحدهم يشبه الآخر، كذلك جماعة “إضاءة 77”.
ورغم أن شعراء السبعينيات اجتمعوا تحت سقف الاتحاد الاشتراكى العربى فى “ندوة الشباب” التى كان يديرها الشاعر سيد حجاب، أو التفوا حول الناقد الدكتور عبد المنعم تليمة فى صالونه بمنزل الدقى، أو حول الشاعر صلاح عبد الصبور فى مجلة “الكاتب”، أو كانوا يحضرون ندوة قصر ثقافة الريحانى بحدائق القبة، بالإضافة إلى ندواتهم ولقاءاتهم فى مقهى “بارادى” و”إنديانا” فى الدقى، أو فى منزل الشاعر أحمد طه بالوايلى تارة، وتارة أخرى فى شبرا، إلا أن كل تلك اللقاءات لم تستطع أن تلغى الفوارق الإبداعية بينهم.
وحدث فى شهر يوليو 1975 أن رحل على قنديل، وهو شاعر موهوب وواعد راهن شعراء كبار على ريادته وتميزه، فى طليعة الموجة الجديدة، وجاء رحيله المأساوى تحت عجلات سيارة مثيراً لفجيعة عظمى لدى رفاقه الشعراء.
ذهب حلمى إلى مجلة “الكاتب”، ونشر قصيدة لعلي قنديل بعنوان “والنهر.. متواليات المغنِّى” فى أغسطس عام 1975، وفى شهر أكتوبر من العام نفسه أعدت المجلة ملفاً عن الشعر، أعدَّه وكتب فيه حلمى سالم، بالإضافة إلى جمال القصاص، وسيد حجاب، وزيَّنته قصيدة “القاهرة” التى تعتبر الأهم فى مشوار على قنديل القصير، وكانت قد لفتت الأنظار بقوة، لذلك الشاعر الشاب حين نُشِرت لأول مرة، لكن الموت اختطفه للأسف وهو فى الثانية والعشرين من عمره.
وفى العدد ذاته كتب حلمى سالم مقالاً فى باب “قراءة نقدية لقصائد العدد الماضى”، دوَّن فيه بعض ملاحظات سلبية على قصائد شعراء جيله وهم: حسن طلب، ورفعت سلام، ووليد منير، ثم رد حسن طلب فى العدد التالى بمقال شديد اللهجة، وجَّه فيه عدة ملاحظات تخص الملف، وقال فى مقدمته إن الشاعر على قنديل كان يقف على رأس حركة تجريبية تستهدف ممارسة الإبداع من خلال قيم فنية جديدة، ولا يعيبها أنها انطلقت من منجزات الرواد، لأنها طمحت إلى تحقيق إضافة كيفية لا تجعل منها مجرد تكرار ممسوخ يلوك فتات الموائد، وبعد أن قدَّم حسن طلب ما يشبه التعريف المكثف والجاد بالشاعر الراحل، وجَّه سلسلة ملاحظات سلبية، وعلى رأسها خلو الملف من دراسة نقدية عن منجز الشاعر الإبداعى، وربما تلك الملاحظة ساهمت فيما بعد فى قيام بعض الشعراء بإعداد دراسات عن تجربة على قنديل، كذلك لاحظ حسن طلب أن الملف لم يشمل أى ببلوجرافيا لمنجزات الشاعر النقدية، ولا نستطيع أن نفصل تلك الخلافات عن المناخ السائد آنذاك الذى جمع هؤلاء الشعراء فى عدة جماعات مختلفة، ولا أغفل أن الدكتور جابر عصفور، كتب فى العدد ذاته مقالاً تحت عنوان: “قرأت قصائد العدد الماضى”، واختار عنواناً مثيراً له، وهو “حالة وخم شعرى!”، وجَّه فيه عدة ملاحظات سلبية إلى الشعراء المصريين، بمن فيهم صلاح عبد الصبور رئيس تحرير المجلة، وأحمد عبد المعطى حجازى، وأمل دنقل، وغيرهم، ولم يستثنِ من هؤلاء سوى قصيدة الشاعر على قنديل، حيث قدَّم قراءة متميزة للغاية عنها، ومما قاله عصفور فى مقالته: “.. علىَّ أن أشير إلى استرخاء الشعراء الرواد. صلاح عبد الصبور قانع بيوميات كاتب مسالم أو مستسلم – لا أدرى – تشغله مشاهدة زوربا للمرة العاشرة، والبحث عن الشباب المفقود، ورواية مؤدَّبة لهنرى ميلر، وعتاب الأصدقاء، ولقاء النجوم وحسب، وأحمد حجازى مغترب يكتب فى عامين قصيدتين، ويشغله تدريس العربية فى السوربون ومراسلة صحيفة مصورة، ويثقل الوخم فيعقل صوت غيرهما من شعراء الخمسينيات، وإلى تكرار شعراء الستينيات لأنفسهم، ولا جديد عند أمل دنقل، أو عفيفى مطر، أو محمد إبراهيم أبو سنة، ووفرة من التجارب المسطحة لأسماء يضنيها السعى وراء النشر أكثر مما تضنيها المعاناة الإبداعية..”، ولا يفوت جابر عصفور أن يثنى على بعض الشعراء العرب مثل سعدى يوسف، وأدونيس، وعبد العزيز المقالح، وممدوح عدوان وآخرين فى مواجهة وخم الشعر فى مصر!
ودون الاستطراد فى رصد نوعية الاختلافات والمناقشات آنذاك، التى شارك فيها شعراء ونقاد كثيرون، منهم الموضوعى، ومنهم المتطرف، لا بد أن نقول إن الشعراء انقسموا إلى حمائم وصقور، وعندما نتحدث عن الحمائم أو المسالمين، وهم مَن يكتبون قصائدهم ويمضون، لا بد أن يكون الشاعر الكبير محمد سليمان على رأسهم، فلم يشغله فى تلك الفترة شىء سوى أن يكتب قصيدته ويعمل على تجويدها وتطويرها بطريقته ويصمت، فلا نجده يلهث لترويج نفسه، أو الإعلان عن دواوينه بالطرق الفجة. لقد تلبَّسته حالة تحدَّث عنها سعدى يوسف دوماً، وهى “العيش فى الظل، والكتابة فى المواجهة”. وهناك جملة أخرى لسعدى تعبِّر كذلك عن سليمان وهى: “أنا لست صاحب انقلابات فى شعرى، وثمة تطور دؤوب فى تجربتى، لكنه عميق أستطيع أن أعايشه”، فهكذا كان محمد سليمان، لم نضبط له مقالاً واحداً فى عقد السبعينات يدوِّن فيه ملاحظاته ورؤاه وأفكاره، غير أنه كان يفعل ذلك فى لقاءاته الخاصة التى أبرزت مقدرته على التنظير، ووعيه بتجربته الخالية من المغامرة. ظل فى ديوانيه الأول والثانى “أعلن الفرح مولده”، و”القصائد الرمادية”، يكتب فى شبه منطقة واحدة، وأثقلت تحربته أصواتُ الجيل السابق والأسبق، خاصة حزن ونبل صلاح عبد الصبور، ومعجم محمد عفيفى مطر، وأسلوبية أمل دنقل فى بناء القصيدة، لكنه اجتهد فى بناء تجربته الشعرية الجادة وذات الملامح الخاصة منذ ديوانه الثالث “سليمان الملك”، واستطاع أن يستثمر الأسطورة فى شكلها العام لكى يبنى عالماً يخصه وحده، وكان متفرداً لم يدخل معركة إلا عندما فرضت المعركة نفسها عليه.
محمد سليمان كان قد انضم مع زملائه الشعراء عبد المنعم رمضان، وعبد المقصود عبد الكريم، ومحمد عيد إبراهيم، وأحمد طه إلى جماعة “أصوات”، التى بدأت تعلن عن نفسها أواخر عام 1979، وفى الحقيقة أن محمد سليمان كان أقرب إلى جيل الستينيات فى تلك الفترة، ومختلفاً عن شعراء “أصوات” فقد كان هاجسهم الأول هو التمرد، أو الانقلاب على تجربة جيل الستينيات، وقد تفجَّر الخلاف بسبب مقال كتبه الشاعر عبد المقصود عبد الكريم بعنوان “شرعية اللغة أحادية الأداء.. دراسة فى القصائد الرمادية” وهو قراءة فى أحد دواوين محمد سليمان، فى عدد مجلة “إضاءة 77” الصادر فى فبراير 1985، فبعد مقدمة طويلة كتبها عبد المقصود عن تطور حركة الشعر الحديث يصل بنا إلى شعر محمد سليمان، ويورد مقطعاً من قصيدة له يقول:
“وحدك تكبر
والقادمون من البحر ينكفئون
ووحدك تعبر
والهاربون إلى الرمل ينتحرون
ووحدك تزهر
والآخرون يضيعون”
ويعلق عبد المقصود قائلاً: “منذ البداية ونحن أمام (الأنا) الوحيدة فى مواجهة (الآخرين)، (أنا) تكبر وتعبر، وتزهر، و(الآخرون) ينكفئون ويضيعون، وحين تواجه الذات المفردة حشود الآخرين، إما أن تنسحق وتعلن عن بكائها المر، أو تنسحق وتتقوقع وتُظهِر التعالى على هذه الحشود وتمارس الألوهية الخاصة التى تحمى من الانهيار، أو بالأحرى إعلانه: الشاعر ذات تستقل عن الآخرين لتعبِّر عنهم من أعماقها، ذات تستقل ولا تعادى، وحين تعادى فإنها تعادى (الآخر المحدد)، وليس الآخر المطلق عدو هلامى أقرب إلى الميتافيزيقى، ومحمد سليمان يواجه الآخر ويعاديه ويخلق المملكة أو القوقعة التى يستطيع أن يكون ملكاً فيها”، ويسترسل عبد المقصود فى عرضه لأسلوبية سليمان حتى يصل إلى ما يريد أن يبوح به قائلاً: “وشاعرنا يعرف ما يريد أن يكتب ولا يكتشف، الفكرة معروفة لديه ويبقى التعبير عنها وتأكيدها، ويكون التأكيد عن طريق الاستخدام الكمى للأفعال ذات المستوى الواحد، الأفعال الأفقية لا الرأسية دليلاً على رسوخ الفكرة فى ذهن الشاعر، الفكرة راسخة فى ذهن شاعرنا يعرفها جيدّا ولا يكتشفها!، ويكون تكرار بعض الأفكار فى القصائد محاولة أخرى لإحكام القبض على المملكة الخاصة التى من المرعب اتساعها لأنه قد يعنى الضياع”، ووطوال المقال أراد عبد المقصود أن يقول إن القصيدة عند محمد سليمان ليست مغامرة اكتشاف، بل هى مجرد تدوين لما كان يفكر فيه مسبقاً، وهذا النهج يجعله خارج تجربة المغامرين من شعراء السبعينيات. وفى النهاية يطرح عبد المقصود سؤالاً استنكارياً واضحاً وهو: “إذا لم يكن محمد سليمان قد انضم إلى جماعة “أصوات”، هل كان السؤال عن موقعه سيصبح مهماً؟”.
وعرضت هيئة تحرير مجلة “إضاءة 77” المقال على محمد سليمان، فكتب رداً فى العدد ذاته، تحت عنوان: “تعددية النص محدودية القراءة.. ملاحظات على قراءة عبد المقصود عبد الكريم للقصائد الرمادية”، وأعتقد أن ذلك المقال كان من أوائل مقالاته النقدية، وفى مستهله كتب: “بداية علينا أن نعترف بأن الكتابة النقدية مغامرة، مهما تسلح الناقد بالجدية والمثابرة وتوهج البصيرة، وعلينا أيضاً أن نعترف بأن شحوب النقد لسنوات طويلة فى مصر دفع ويدفع الكثيرين إلى ما يمكن أن نسميه (التمارين النقدية)، محاولين على اختلاف قدراتهم وتوجهاتهم اجتياز الجمود الذى خيَّم على الحركة الثقافية والإبداعية، وبالتأكيد لا يخلو هذا الأمر من فائدة”.
ويستطرد سليمان انطلاقاً من تلك المقدمة الحادة فى مناقشة وتفنيد المرتكزات التى انطلق منها عبد المقصود، ولا مجال هنا لاستعراض ما كتبه مع أنه ينطلق من فرضيات جادة مثلما ينطلق عبد المقصود كذلك، لكن هذا ما يعنينى هنا: “أن شعراء السبعينات، كانت تجاربهم ثرية وغنية، ودفعتهم إلى خلافات حادة وجادة، وأحياناً عنيفة، وذلك حدث بين الشاعرين رفعت سلام وحلمى سالم على سبيل المثال، لكى يثبت فرضيتنا، بأن تجربة وسردية شعراء السبعينيات، قامت على الاختلاف الباطن، رغم كل تلك التحالفات الظاهرة على السطح”.
أما الحالة الأخرى التى أجبرت محمد سليمان على كتابة رد عنيف، فوقعت عندما كتب الناقد الدكتور حامد أبو أحمد دراسة طويلة فى مجلة “أدب ونقد”، يوليو 1985، هاجم خلالها ظاهرة التجريب، وانطلق من فرضيات كلاسيكية، ورمى بعضاً من الشعراء الحداثيين بالتفاهة والسطحية، وفقر التجربة، والشعوذة، وخلاف ذلك من صفات حادة.
كتب محمد سليمان تعقيباً بعنوان “حول النقد والقمع وفتوحات التخلف”، فيه كثير من العنف ضد ما جاء فى دراسة د. حامد، رغم أننا وصفنا محمد سليمان بأنه من حمائم شعراء السبعينيات، ولا يدخل المعارك إلا عندما تدخل بيته، وتفرض عليه نفسها.









