محمد سالم عبادة
“وها نحن يا نيل نحبو/ ونخطو ونكبو/ لأنّ الهواء جديدْ/ والسماء بلا سلّمٍ/ والتحرر فى البدء يغرى/ ويلهى ويُعشى”.
هكذا يلخص شاعرنا الراحل الحالة المصرية فى أعقاب ثورة يناير 2011، ضِمن جزء من قصيدته “قالوا” بعنوان “قال العابر”، فى ديوانه الصادر عام 2012 عن المجلس الأعلى للثقافة. إنها حالة الشعب الذى يعيش الحرية خبرةً جديدةً، فكأنه مولود يَخبر خطواته الأولى، فيحبو ويكبو كثيرًا، ويُعشى بصره نور الحرية ويغريه بالإقدام على مجازفات غير محسوبة، خاصةً أن “السماء بلا سلّم”!
ولعل هذه الجملة الأخيرة بموقعها من هذه الفقرة تمثِّل زبدة شاعرية محمد سليمان، فهو يرسم صورة كلية واضحة المعالم بعبارات مقتصدة فى المجاز، ويزرع فى قلب هذه الصورة عبارة بليغة المجاز تخلق عمقًا للصورة؛ فالسماء فى سياق القصيدة، وفى السياق الأوسع الذى يخلقه الديوان، قد تكون هى المِثال الذى يبتغيه الثوار لوطنهم، أو الحقيقة التى تبحث عنها أطراف الحراك الثورى، أو النسق الذى يُفترض أن يريده الله لحياة الناس على الأرض؛ وانعدام السلّم يعنى أنه ليس ثمة طريقة واضحة لتحقيق مِثال الوطن، وما من سبيل إلى معرفة الحقيقة كاملةً وسط تناحر الأطراف المختلفة، ولا وحى يخبرنا على نحوٍ قاطعٍ بما تريده منّا السماء فى هذه اللحظة، فأبواب التخمين والتأويل والرجم بالغيب مُشرعة أمامنا!
يطّرد هذا التصرّف الشاعرى فى قصائد الديوان، فمثلًا فى القصيدة الافتتاحيّة “مِثل كلّ السمك”، بعد أن يقول مقتصدًا فى المجاز: “التحيّات لكمْ/ والصلاة على الشهداء ينامون فى القلبِ/ ناموا لكى يوقظوا.. “، يسبر بأطراف الاستعارات أغوار الحالة المصرية قُبيل اندلاع الأحداث، فيقول: “والسلام علينا/ عندما نعلن الحرب ضدّ قراصنةٍ عشّشوا فى الكلامِ وضدّ سلاطين سدّوا شبابيكنا بالظلامِ ولاذوا بأعماقنا كالمرضْ”. فهو يشبّه ممثّلى السلطة بالقراصنة، فلا يملك المتلقى حيال ذلك إلا أن يستدعى دور القراصنة، فهم لصوص يعترضون مسار السفن ويسطون عليها وينهبون خيراتها، وكذلك فِعل السلطة الفاسدة بالوطن. ثم إنه لا يلبث أن يشبه هؤلاء القراصنة بطيورٍ لا بدّ أنها طيور خبيثة، تتّخذ أعشاشها فى الكلام! وتدعونا هذه الصورة المركّبة إلى الوقوف كثيرًا للتأمل، حيث يبدو التعشيش فى الكلام إيحاءً بأنّ فساد السلطة قد بذر فى الكلام اليومى بين المصريين بذورًا خبيثةً، من قبيل الكذب غير المبرَّر والتزلُّف إلى أولى الأمر والمحاباة، فضلًا عمّا يمكن أن يوحى به من اتّخاذ الكلام –ممثلًا فى النكات الهازئة من السلطة- بديلًا للفعل الثورى الجذرى. ثمّ تختتم الصورة المركبة بأنهم قد “لاذوا بأعماقنا كالمرض”. وفعل اللياذ مرتبط بالهرب من قوةٍ باطشةٍ، فما عسى أن يهرب منه أصحاب السلطة؟! قد يكون ضمائرهم التى تأبى عليهم إلا أن يعيشوا فى وسطٍ مجتمعى لا يقلّ فسادًا عنهم حتى تكفّ عن وخزهم، فهو يلوذون بأعماق محكوميهم حتى يسكنوها كالمرض، فيصبح المحكومون مرضى بالفساد نفسه، لا يستطيعون العيش إلا بالرشوة والنفاق والتذلل إلى المتحكّمين والتجبّر على مَن هم أدنى منهم. وبعد هذه الصورة المركبة، يعود شاعرنا إلى الصور البسيطة المقتصدة فى المجاز، فيقول: “والسلام على من رمى خوفه وتحدّى…”.
***
وفى “الشعب يريد”، بعد أن يبدأ مقتصدًا فى المجاز “الشعب يريد/ والشعب إلى الساحات كبحرٍ يخطو..”، تأتى فقرةٌ من التساؤل الموغل فى تركيب الصورة، فيقول “هل تولد فى الأفواه الثورة كالكلماتِ، وتكبر حين تصادف فى الساحات مَرايا تحرسها وتكررها؟/ أم تولد فى الظلمات بعيدًا كالبركان وتحبو باحثةً عن نافذةٍ تتلون فيها أو حنجرةٍ تتدحرج منها؟”. إنها فقرة تصلح اقتباسًا يصدَّر به بحثٌ عن أصل الثورة وطبيعة التشابكات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التى تفرزها، فضلًا عن آليات تطورها!
تنطلق الفقرة من تشبيه الثورة بمولودٍ، وتتساءل عن حاضنة هذا المولود الأولى، فإمّا أنّها الأفواه التى قد تكون واعيةً بقصدية الفعل الثورى وهى تتحدث عن التبرُّم بالأوضاع القائمة، أو غير واعيةٍ تمامًا لكنّها تلوك الكلمات على غير هدىً؛ ويمضى هذا التصور ليرى أنّ فعل التظاهر فى الساحات هو المسؤول عن التمدد الثورى، فالذين يرددون الهتافات الغاضبة يعملون عمل المرايا التى تظلُّ تعكس الكلمات وتحرسها من الهروب بعيدًا، حتى تؤتى الثورة أكُلها. أو أنّ هذه الحاضنة الأولى هى الظلمات البعيدة عن ساحات التظاهر، ما يجبرنا على محاولة اكتناه المقصود بهذه الظلمات، والأرجح أنّها أعماق المجتمع بفئاته المختلفة، وواقع التفاعل بينها؛ ويشبِّهها الشاعر فى هذه الحالة بالبركان الذى يبدأ غليانه من باطن الأرض، ثمّ يفور باحثًا عن مَخرجٍ، وكذلك الثورة تبحث عن نافذةٍ “تتلون فيها”، وربما يعنى الشاعر هنا اتّخاذ الثورة وجهةً دون أخرى، فقد تتلوّن بلَون ثورات الجياع، أو لون الثورة السياسيّة الخالصة التى تريد إزاحة نظامٍ لم يحقّق المرجوّ منه للوطن، أو الثورة ذات الطابع الدينى الذى يرى الخلاص فى الالتزام بتعاليم الدين، ويرى خطيئة النظام القائم الأساسية فى الانحراف عن هذه التعاليم. وبعد هذه الفقرة المتسائلة، يعود شاعرنا إلى الاقتصاد فى المجاز فيقول “للثورةِ مَن يشعلُها…” إلى آخر القصيدة.
***
من يقرأ الديوان لا بدّ أن يجد فيه كثيرًا من تفاصيل الحياة المصرية بين يناير الثورة ويناير الذى تلاه، بما اعتدنا سماعه من مصطلحاتٍ تصف هذه التفاصيل فى وسائل الإعلام وأحاديثنا اليومية. فنجد فكرة القفز على الثورة فى “الشعب يريد”، إذ يقول “للثورة أيضًا من يثبون عليها حين تصير قطارًا أو نهرًا أو ريحًا”. ونجد واقعة الجمل فى القصيدة نفسها، ونجد فى قصيدة “يناير” ذلك الأمل الذى تردّد كثيرًا فى كلام المثقفين، فى امتداد الفعل الثورى إلى فضاءات الحياة المصرية المختلفة، إذ يقول “وأقول غدًا يتمطّى ليحطّ الثورة فى الحارات وحول حقول القمح وفى أفواه الحكّائين وقاعات الموسيقى ودهاليز الشِّعر.” وفى “الرأس فارغٌ هنا” نجد ذلك الخوف من الثورة المضادّة التى بدأت تعيد الأمور إلى سابق عهدها، ومن الفُرقة وهى تدبّ بين الفصائل الثورية المختلفة، إذ يقول “من الذى أعاد للأسماء سطوة الأسماءْ؟/ وعبّأ العيون بالدخان والرمال والفوضى ومزّق الفضاءْ؟/ الرأس فارغٌ هنا والريح ليس وطنًا، ومدمنو الكلام بالكلام فرّقوا وأحرقوا..”. وفى كثيرٍ من القصائد نجد القلق من صعود التيّارات الدينيّة المتشدّدة واضحًا، ففى القصيدة الأخيرة نفسها يقول: “ولم تزل بعيدةً عن شَدوِها الطيور، والجحور لم تزل تضخّ مظلمين للوراء انتسبوا/ وآفلين حاصروا وكفّروا وأمّموا السماءْ”، وفى “صيف” يقول: “من سيزحزح هذا الصمت ومن سيلمّ خيوط الماء ويُقصى حراس الصحراء ومرتدّين أتَوا بملابس كالأكفان وعلَمٍ يزهو بسيوفٍ ترقص فيه”؛ كما يُنشد جزءًا من قصيدته “قالوا” بلسان شخصٍ ينتمى إلى هذه التيّارات، جاعلًا عنوانه “قال الأعمى”، وممّا يقول فيه: “لكى نعود أتقياءْ/ وطيّبين ربما كالماء والتراب والهواءْ/ وصالحين كالسلفْ/ سنطلق اللحى…”، وفى السطر التالى يزرع صورةً عميقةً كتلك التى بدأنا المقال بالحديث عنها، فيقول “وننصب الخيام فى صدورنا”، جاعلًا من الصدور مكانًا تمرح فيه الأفكار الماضويّة وتنمو فيه فلا تدع متّسعًا لغيرها، مع ملاحظة أنّ الخيام هنا مجازٌ يكتنز الفكر الماضوى كما يُنظر إليه من خارجه. ثمّ يعود إلى العبارات البسيطة المقتصدة فى المجاز فى السطر التالى مباشرةً “ونشتم الكفّار فى المساء والصباح والضحى…”.
***
ولا يفوتنا أنّ الشاعر قد ذيّل الديوان بثلاث قصائد مؤرّخةٍ بأعوامٍ سابقةٍ على الثورة، هى “للحيتان فقط” 2008، و”وجهى هنا” 2007، و”بيروت يا بيروت” 2006. والملاحَظ أنّ هناك إرهاصاتٍ للثورة فى هذه القصائد الثلاث، كأنّها محاولةٌ أخرى لاستكناه حقائق الظاهرة الثورية، لكنها لا تغوص فى لحظتها الآنيّة بقدر ما كانت غوصًا فى الماضى القريب. ففى “للحيتان فقط” يرسم شاعرنا نفسية المتربع على قمة السلطة ويسميه القيصر: “لا تقُل القيصر رجلٌ مثلى يتجول فى الحارات ويأكل فولًا…/ للقيصر كالإعصار دمٌ مختلفٌ/ القيصر ليس صديق أحدْ/ قد يقصف جبلًا قرب الفجر وقد يحتكر الماء وكلّ الورق لكيلا تكتب سطرًا…”. وفى “وجهى هنا” يصدِّر القصيدة بسؤالٍ مريرٍ: “بكم يباع النيل فى هذا المزاد؟” ويصل إلى ذروة الحيرة الوطنية –ربما إزاء رأس المال المتوحش الذى لا يقيم وزنًا للخصوصيات الثقافية ولا لأقوات الفقراء- فى قوله: “فمن الذى سيقولُ: بِعْ/ ومن الذى سيلمّ لحم النيل من أجسادنا ويشدّ أسراب الترعْ/ ومن الذى سيزيح أشباح السواقي/ ليخيّم الصمت البليد هنا..”. وفى “بيروت يا بيروت” ينعى على القادة العرب تخاذلهم عن نصرة من يهاجمه العدو المشترَك، ولا شكّ أن سخط المصريين على هذا التخاذل واحدٌ من أسباب الثورة، فيقول: “لا تكتبوا المراثي/ ولا تحاصروا بيروت بالنحيب والبكاء/ بيروت لم تزل هناك حيةً وقادرةْ/ ابكوا فقط جيوشكم/ وهيئوا النعوش للملوك يجلسون فى القصور صامتين كالموتى أو ناطقين غالبًا بلُغة الأعداءْ”.
***
لم يركب شاعرنا فى هذا الديوان إلّا أربعة بحور شعرية، هى الرجَز، والكامل، والمتقارب، والمتدارك. وذلك مع حريةٍ فى الانتقال بين الرجز والكامل فى ثنايا القصيدة الواحدة، فهو فى “وجهى هنا” يبدأ راجزًا “بكم يباع النيل..” ثمّ ينتقل إلى الكامل فى السطر التالى “وجهى على الأمواجِ حطَّ، ونجمتى وُلدَت”. والحقّ أنّ الانتقال مبرَّر فى سياق القصيدة، فالابتداء مباغتٌ استفهامى يناسبه اندفاع الرجز وعصبيّته، ويتلو ذلك التأمل الهادئ للمشهد، ويناسبه الكامل بتفعيلته المنتظمة الاستقصائيّة (مُنَفاعِلُنْ). ولا يفوتنا ظهور خاطف للبحر الوافر فى هذه القصيدة، فهو يقول: “للنيل ألف يدٍ ويدْ” على الكامل، ثمّ ينتقل إلى الوافر قائلًا “وأقدامٌ بلا عددٍ يخبّئها ويجرى فى العروق بها”، تاركًا تفعيلة الوافر (مُفاعَلَتُنْ) تعبّر عن هذه الكثرة اللانهائية التى تمتاز بها فروع النيل فى هذه الصورة المركّبة، ففروعه فى كلّ مصرى شرايين تجعل إنسان مصر جزءًا لا يتجزأ من تربة وطنه. ولا يلبث أن يعود بعد ذلك إلى تفعيلة الكامل فى “وله الأصابع فى الحقول وفى البيوت وفى الأغانى” لتطّرد الصورة على مهلها.
وهناك حريةٌ كذلك فى التنقل بين المتقارب والمتدارك، نراها جليّةً موظّفةً برهافة فى “مِثل كلّ السمك”، فيقول على المتدارك: “والتحيّات للطيّبين يوارون أوجاعهمْ”، ثم ينتقل إلى المتقارب: “ويبتسمونَ، وللحالمين يسوقون أنهارهم فى البرارى..”. فهنا يبدو الوقوف الإجبارى على نهاية الميم فى “أوجاعهمْ” مع انتهاء تفعيلة المتدارك (فاعِلُنْ) مناسبًا لمدّةٍ لا بدّ أن يستغرقها الطيّبون فى مكابدة هذه الأوجاع ثم مواراتها، ثمّ تنبسط التفعيلة وتتغير إلى (فَعُولُنْ)، مناسبةً لفعل الابتسام ثمّ مواكبةً للحلم وتفاصيله.
***
ذيّل شاعرنا كثيرًا من القصائد بخطاب موجَّه إلى مخاطَب غير متعين، ففى “مثل كل السمك” يقول: “والتحيات لكْ/ كلما قلتَ للموج أهلًا، وبدّلت صوتًا ولونًا وشكلًا وأعلنتَ أن القروش وحوش…”. وفى “الشعب يريد” يقول: “هل تتعمم بالكبريت وتسعى فى الساحات كعود ثقاب؟” وصولًا إلى قوله “أم ستلمّ دمًا وترصّ شموعًا وتباهى مثل أبٍ ببلادٍ قفزَت من قفص الشيخوخة…”. والخلاصة أنّ هذا المخاطَب مجرَّدٌ دائمًا من الذات، فهو فى المثال الأول مجرَّد من الذات الجمعية الوطنية، وهو يمثّل المتاجرين بالثورة من نهّازى الفرص. وفى المثال الثانى مجرّد من الذات الشاعرة نفسها، يسائل موقف الشاعر من الثورة، فهو إمّا أن يكون مشاركًا فى أحداثها ساعيًا فيها كعود ثقاب، أو مكتفيًا بالمشاهدة كما يليق بشيخٍ أنهكته الحياة فلم يعد فى مستطاعه إلا أن يباهى بالبلاد القافزة من قفص الشيخوخة، وهو إذ يفعل ذلك يتماهى مع دور الأب الشيخ تمامًا. وفى حين أنّ المثال الأول لا يتكرر ثانيةً فى الديوان، نجد المثال الثانى يكاد يكون مطّردًا فيه، ففى “يناير” يقول “هل ستبعثر جمرًا فى الكلمات وريحًا لأكافئك بثوب الشاعر وأسميك يناير؟” مستحثًّا ذاته الشاعرة على تعبئة الثورة فى القصيدة، وموحدًا بين الشاعرية والثورة. وقد ينزاح هذا المخاطَب من نهاية القصيدة إلى منتصفها، كما فى “حين يخفّ البرد قليلًا”، فيقول: “هل ستعير الثورة لهبًا والسُّحْب نهودًا لتزحزح رملًا يهذى فى هذى الشاشات وفى الساحات يغنّى؟/ أم ستقول الثورة فازت ومحت وأذابت..”، فهو هنا يسائل ذاته كذلك، مخيِّرًا نفسه بين الاستمرار فى الفعل الثورى والانتفاض على الزيف من جهةٍ، والرضا بالوضع الراهن لتحجيم مكتسبات الثورة من الجهة الأخرى.
ويبقى الديوان أوسع من أن يأتى على ظواهره الشعرية هذا المقال القصير، ويظل متطلّبًا قراءةً أشمل، تراه فى ضوء مشروع محمد سليمان الشعرى، وتربط شوارده إلى متن منجز مبدعه الذى اتسع عطاؤه ليقارب خمسة عقود من الإصدارات الشعرية.








