تاميران محمود
أمي كانت” معجبة بك”
هكذا بدأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطابه الترحيبي بالملك تشارلز الثالث، ضمن مراسم استقبال الملك في زيارته الأخيرة أبريل 2026، إلى البيت الأبيض . وربما لم يكن ترامب يتوقع أن محاولته الساخرة سيواجهها الملك البريطاني المحافظ بعاصفة مرعبة من «لعبة السخرية» التي يعرفها ويجيدها أي طفل أمريكي، وتدور بينهم مسابقات حجاجية بهذه الطريقة التي تتميز بالطرافة والندية، ولا تخلو كذلك من طول اللسان.
فظهر الملك، في خطابه أمام الكونجرس الأمريكي وكذلك في عشاء البيت الأبيض، لاذعًا بشكل يصعب مجاراته؛ فقد عمد إلى فرض سيطرته تمامًا على مقاليد اللعبة، مستشهدًا بوقائع تاريخية مهينة، واقتباسات أدبية لاذعة، وكذلك بمواقف سياسية وقانونية تؤكد أن بريطانيا، في الحقيقة، هي الأم والأب الشرعي الوحيد للأمة الأمريكية.
فعندما قام ترامب بمحاولته الوحيدة في هذه اللعبة، بكسر تابو بريطاني، متملقًا الملك بأن والدة ترامب كانت معجبة بتشارلز، بدا على وجه الملك أنه يستعد لما سيأتي وأن رده لن يتوقف عند هذا الحد البسيط من اللعبة.
أما في كلمة الملك أمام الكونجرس، فقد قرر أن يشوي ترامب تمامًا؛ إذ استهل الملك كلمته بتهنئة الأمة الأمريكية بعيد الاستقلال رقم 250، مستعرضًا أن الآباء المؤسسين لأمريكا، ذوي الأصل البريطاني، قد قاموا بعمل مذهل وثوري لخلق أمة جديدة مستقلة تؤمن بالحرية منذ 250 سنة، أو كما نقول: «أمس»، ساخرًا من حداثة أمريكا مقارنة بتاريخ بريطانيا.
ثم انطلق مستشهدًا بجملة أوسكار وايلد: «لدينا حقًا كل شيء مشترك مع أمريكا في الوقت الحاضر، باستثناء، بالطبع، اللغة»، ساخرًا من اللغة الإنجليزية الأمريكية متعددة اللكنات. وكذلك لم تفته فرصة الإشارة إلى أن أصول القوانين الأمريكية اعتمدت على قواعد الماجنا كارتا العظيمة، فضلًا عن سخريته من أن أسماء أهم المناطق والمقاطعات الأمريكية تحمل أسماء أجداد تشارلز نفسه، وحتى اسم ابنه، في إشارة إلى عراقة أصول العائلة الملكية البريطانية الضاربة في جذور الأمة الأمريكية.
ولم تتوقف عجلة السخرية عند هذا الحد، بل استمر الملك في انتقاد سياسات ترامب تجاه أوروبا بالطريقة نفسها، وكذلك التجديدات الهندسية الجديدة داخل البيت الأبيض، مذكرًا إياه بحادث حريق البيت الأبيض عام 1814.
ربما اعتبر البعض أن ما فعله الملك البريطاني خرقٌ لقواعد البروتوكول، أو أنه تعمد إهانة ترامب ردًا على جملة ترامب التي اخترقت القواعد أولا ، ، لكن الحقيقة أن كل هذا لعبة ثقافية بدأها البريطانيون أنفسهم، وربحت أمريكا من ورائها الكثير.
كيف بدأت اللعبة؟
الجذور الاستعمارية: السخرية كسلاح وطني
تُعد السخرية اللفظية لعبة لغوية وثقافية كاملة، يقول فيها المتكلم عكس ما يقصد، معتمدًا على أن السامع سيفهم الفارق بين المعنى الظاهر والمعنى الحقيقي.
بدأت هذه «اللعبة» في أمريكا منذ زمن المستعمرات، خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، حيث استورد المستوطنون التقاليد الأدبية البريطانية وطوعوها لخدمة واقعهم الجديد. فقد نقل الإنجليز الأوروبيون هذا الأسلوب منذ قدومهم إلى الأراضي الأمريكية، معتمدين على السخرية لتفادي رفض الأوامر العسكرية بشكل صريح، ومنها بدأت تنتشر بين الأجيال اللاحقة فوق الأرض الجديدة. وعرفت سهرات عمال المناجم وشق الطرق سجالات من السخرية اللفظية .وقد ازدهرت السخرية اللفظية في مجتمعات الحدود (American Frontier)
حيث استخدمها المستوطنون والعمال لمواجهة المصاعب اليومية. كما ظهرت بوضوح في معسكرات التعدين خلال «حمى الذهب» في كاليفورنيا، حيث كان الرجال يستخدمون التعبيرات الساخرة نوعًا من الترويح عن النفس.
الجذور الشعبية: السخرية كسلاح الضعيف – القرن التاسع عشر
أمريكا بلد بُني على التناقض: «حرية» مع عبودية، و«حلم» مع عنصرية؛ لذلك تطورت السخرية بوصفها طريقة شعبية للتنفيس. كما استخدم العبيد أسلوب الكلام الساخر غير المباشر للرد على السيد من دون مواجهة صريحة.
التأصيل الأدبي
وضع الكاتب مارك توين السخرية اللفظية داخل الإطار الأدبي، محولًا السخرية الشعبية إلى أدب عالمي، وذلك في روايته «ويلسن المغفل»، التي ناقش فيها مشكلات العبودية والعنصرية وبشاعة الحرب الأهلية، بأسلوب ساخر يفضح غباء المجتمع العنصري الذي يحكم على الناس بمظهرهم ولونهم.
لذلك يُعد مارك توين الأب الروحي للسخرية الأمريكية؛ فقد فضح النفاق السياسي الذي يروج للحرية بينما تمرح العنصرية بين أركانه، بعبارات لا تزال حية حتى اليوم. وكانت واحدة من أشهر أقواله : “الحفاضات والسياسيون يجب تغييرهم باستمرار، وللسبب نفسه”.
القرن العشرون: قرن السخرية المجنونة
بعد الحرب العالمية الثانية، تصاعدت السخرية لتتحول إلى «سخرية ما بعد الحداثة»، التي اتسمت بالتشكيك في الحقائق المطلقة، واستخدام السخرية السوداء ردّ فعل على خيبات الأمل السياسية والاقتصادية.
وأصبحت السخرية ركيزة أساسية في الفكاهة الأمريكية من خلال عروضالكوميديا الارتجالية ستاند اب كوميدي أوالتلفزيون. وتحولت التسعينيات إلى العصر الذهبي للسخرية اللفظية التلفزيونية، في البرامج الحوارية والمسلسلات الترفيهية مثل «عائلة سيمبسون»، التي جعلت السخرية لغة يومية..
أما النقلة الكبرى فجاءت مع برنامج «العرض اليومي» مع جون ستيوارت سنة 1999؛ إذ كان يقرأ التصريحات السياسية ثم يرد بوجه جامد: «أكيد، هذا منطقي تمامًا»، ليصبح واحدًا من أشهر برامج الكوميديا السياسية التي تكشف تناقضات السياسيين بأسلوب السخرية اللسانية.
أبرز خصائص وأساليب «لعبة السخرية اللسانية
– المفارقة: التناقض بين ما يُقال وما يُقصد، أو بين المتوقع والواقع
– التعريض والمحاكاة: التلميح بالذم بدلًا من التصريح به، أو تقليد أسلوب الشخص المستهدف بشكل مبالغ فيه.
– التلاعب بالألفاظ: استخدام ألفاظ الإجلال في موضع التحقير، مثل وصف تصرف غبي بأنه «عبقري».
– الوظيفة الحجاجية: وهي أداة نقدية تفضح الأفكار المزيفة، وتفند الخطاب المضاد عبر «لعبة مزدوجة» تخفي المعنى الحقيقي وراء عبارات ظاهرها غير باطنها.
ولهذا نجح الملك تشارلز في إدارة لعبة السخرية باقتدار، مؤكدًا أن اللعبة الأمريكية اخترعها البريطانيون، بينما تركوا للأمريكيين مهمة تسويقها وقد استطاعت الثقافة الأمريكية الحديثة أن تضع السخرية اللفظية في إطار من الحميمية التي تسمح بالتنفيس عن الغضب أو الضغط وكذلك تقديم الأعمال الكوميدية ذات الإنتاج الضخم من خلال استديوهات هوليوود أو البرامج التليفزيونية الشهيرة.











