مروان ياسين الدليمي
في الصباح
حين وضعتُ وجهي على زجاج النافذة
رأيتُ الغضبَ يهرولُ على الرصيف
ككلبٍ مبلّل
يرتجف من فرط ما لم يُقَل.
كنتُ أُطبقُ فمي
كأنّي أُغلقُ تابوتًا على ريحٍ لا تُدفن.
الكلماتُ كانت تتوسّل
تنقرُ عظامي كقطاراتٍ بلا وجهة
لكنِّي ظللتُ صامتًا
كصخرةٍ تضعُ يدها على صدرِ البحر
وتمنعه من الغرق.
في داخلي
كان الزلزالُ يلبسُ قفّازات المخمل
ويهتف للهدوء
كأنّه أمٌّ تحاول أن تضحك
في جنازة ابنها الوحيد.
الهواء
كانت له رائحةُ الحديد المبلول
وأنا كنتُ أراه
أشتمهُ
ألمسهُ كجلدِ حصانٍ أصابه الذهول.
النافذة
تحوّلت إلى أذنٍ زجاجية
تُصغي لارتطام أنفاسي بالحقيقة.
كنتُ أبتلعُ الشوك
وأبتسمُ كمن يحشو قلبه بالندى
كي لا يسمع صراخَ الوردة في صدره.
الصمتُ كان يعرق
والمشاعر تمشي حافية على بلاط القلب
كأنها تعرف
أن الشجاعة ليست أن تقول
بل أن تجرح نفسك
وتخيط الجرح بخيطٍ من ضوءٍ لا يُرى.
2
حين مررتُ بجانب المرآة
لم أرَ وجهي
بل رأيتُ سؤالًا يحدّق بي:
هل تستطيع أن تكون نارًا لا تُحرق؟ .
جلستُ على كرسيٍّ مهجور
كان يصفرُ من وحدته
كأنّه بابٌ نسيه سكّانه في العاصفة.
كلُّ شيءٍ في الغرفة أراد أن ينفجر:
الساعة تضرب ثوانيها كأنّها مسامير
الستارة ترتعش كعجوزٍ تخبّئ رئتها المثقوبة
والقلم
يتلوّى بين أصابعي
كحيةٍ تعرف أن السمّ لا يُسكب إلا في القصائد.
رغبتُ أن أصرخ
أن أركل الجدار حتى يتكلم
أن أقول للعالم:
أنا أيضاً أتحطّم
لكنّي لبستُ جلدَ الصخر
لكي لا يرى أحدٌ الغبار الذي يسكن عينيّ.
الريح دخلت من شقٍّ صغير
وشمتْ رائحة الخوف في أصابعي
نزعتْ عني قميص الهدوء
وتركتني عارياً إلا من رباطة الجأش.
أغمضتُ عيني
وكلّ حاسةٍ فيّ بدأت تُخطئ موضعها:
كنت أسمع الألوان
وأتذوقُ الصمت
وأرى النبضَ كخيطٍ أحمر
يمرّ من النافذة إلى قاع رئتي.
المشاعر
تلك الجنودُ التي تقاتل دون علم قائدها
كانت تلوّح لي من بعيد
ترتدي ثيابَ الهزيمة
وتبتسمُ ابتسامة المنتصر.
3
مشيتُ في الشارع
كأنّي مقطعٌ محذوفٌ من نشرة جوّية
لا أحد يعرف أن العاصفة داخلي
تُرَبّتُ على كتفِ الغيم
وتأمرهُ بألّا يبكي.
الرصيف
كان يشهقُ كلّما وضعتُ عليه قدمي
كأنّني أسير فوق صدورٍ منسية
تركتْ فيها الحياةُ أنفاسها الأخيرة.
تنهّدتُ
فارتجفتِ الأشجار
كما لو أن تنهيدةً صادقة
يمكن أن تُحرّك جذرًا
أو تسقطَ موسيقى من بين أوراق خضراء.
كلُّ ما حولي أراد أن يُعلّق عليّ تعليقًا:
الحمامةُ رمقتني بنظرةِ مَن رأى كثيرًا
لكنه صمت كي لا يُعادَ اعتقاله
والمصباحُ العتيق
أضاء لحظةً واحدة
ثم انطفأ
كأنّه فهم ما لم يُقَل.
أنا الرجلُ الذي وضع فمه في جيبه
كي لا يُقال إنه خان السكون
كنتُ أتلو على نفسي تعويذةَ الحجر:
لا تنكسر
حتى لو داخلك رمادُ قرنٍ بأكمله.
الشارع يبتلع الخطى
كمن يلوكُ أسرارًا مملّحة
والسماء
تعطسُ فجأة
فيرتعد الحنين بين أضلعي
كطائرٍ فاته القطار.
أكتمُ
ليس لأنني قوي
بل لأن الضعفَ في بعض الأيام
يرتدي بدلة القائد
ويأمرني أن أبتسم للخراب.
4
في الليل
حين تصير الأصواتُ أوضح من الضوء
أسمعُ رائحةَ الحريق في جفوني.
نعم
أسمعُ الرائحة
لأنّ الحواس لم تعُد تلتزم بالقوانين
ولأنّ الغضب حين يُحاصر
يبدأ بتهريبِ معناه عبر ثقوب الجلد.
أستلقي كجنديّ نسي الحربَ في صدره
وأعدُّ الشقوقَ التي تشقّ السقف
كأنها رسائلُ صامتة
أرسلتها الأيام إلى رأسي كي لا أنسى.
فمي مغلق كقبوٍ منسيّ
لكنّ جدرانه تُنجب أصواتًا تُطاردني في الحلم
تلبسُ ثيابي
تضع رأسي على طاولة العشاء
وتقول:
“هكذا تبدو الشجاعة، حين تُقدّم كطبق،
بارد،
مرّ،
بلا ملح،
بلا عذر،
بلا ضجيج.”
العقل
هذا الضبع المتأنّق
يقضم حواف مشاعري
ويبتسم
كمن يسرق من جثة
ويكتب قصيدة عن الحب.
أُمسك بقلبي
كأنّي أعتذر له بصمت
ثم أتركه على الكرسي المقابل
ليتعلم الانضباط.
السماء تمطر
لكنّ المطر لا يسقط
يتردّد
يرتجف
كأنه يتعلّم كيف يصمتُ مثلي.
وفي آخر الليل
حين يتثاءب الحزنُ ويغلق دفتره
أهمس لنفسي:
لم أُردْ أن أكون بطلًا
فقط
أردتُ أن أظلّ واقفًا
والعاصفةُ في حلقي
تخبطُ جناحيها
ولا تجد مخرجًا.










