بالسياسة عاش طه حسين

طه حسين

د.سيد ضيف الله 

مئة عام مرّت على كتاب “في الشعر الجاهلي” لطه حسين، ولم يتوقف الجدل حول الكتاب ولا حول الكاتب، وربما ما شهده هذا الكتاب وصاحبه أكثر استدامة وقدرة على إثارة الجدل مقارنة بما شهده كتاب “الإسلام وأصول الحكم” لصاحبه الشيخ علي عبد الرازق الذي أثار الجدل كذلك قبله بعام واحد. فقد قعدت الدنيا فيما يخص كتاب عبد الرازق، بينما طه حسين أقام الدنيا ولم يقعدها!

 بعبارة أخرى، لقد أغلق الزمن ملف السؤال المطروح حول نظام الحكم بعد سقوط الخلافة العثمانية، بينما أسهم الزمن في تحويل طه حسين من مؤلف أثار كتابه قضية إلى أن يكون رمزًا مجسدًا لمنهج التأليف على الطريقة الحديثة في ثقافتنا العربية المعاصرة. باختصار، لم يعد موضوع نظام الخلافة موضوع الواقع السياسي، بينما استمر موضوع العلاقة بين المثقف وأنظمة الحكم إلى يومنا هذا موضوعًا ينغِّص حياة المثقفين وأنظمة الحكم في عالمنا العربي حين يُطرح بجدية في المناسبات العامة والمؤتمرات وعلى وسائل التواصل الاجتماعي بل في الغرف المغلقة!

لقد فتح طه حسين الباب بكتابه “في الشعر الجاهلي” لمفهوم جديد للكاتب/ المثقف؛ إذ صار التأليف فعلاً فرديًا كتابيًا يعبِّر به المؤلف عن وجهة نظره الفردية ويهدف من وراء ذلك إلى تغيير قناعات شائعة بين القراء، لا إمتاعهم بلغته وبلاغته ذات الأصول الشفاهية فحسب!

لاشك أن هذا التحول جليلٌ و ويكشف أيضًا عن مدى أثر طه حسين في الثقافة العربية، وهوو ما يتضح بالإشارة إلى عشرات المؤتمرات والكتب التي تناولت فكر طه حسين وأدبه في الربع قرن الأخير فقط حتى تكاد تساوي أضعاف ما كُتب عن طه حسين في حياته تأييدًا له!

ومع ذلك، لا أحد  يستطيع أن يقول لنا بدقة هل غيّر طه حسين العقول وصرنا أقرب لأفكاره من الجماهير التي ثارت عليه واعتبرته بدعة ضلال أم أننا صرنا أكثر رجعية من تلك الجماهير وحوّلنا طه حسين إلى صنم نلف وندور حوله جماعات وفرادى!

يجب أن أعترف أن مؤتمرات الاحتفاء بطه حسين واستدعائه في الجامعات ومعارض الكتب ليست سوى استخدام واحد من استخدامات طه حسين في ثقافتنا العربية، وأن هناك استخدامات أخرى لطه حسين تختزله ليبقى في أذهان الكثير من الناس- من جيلي على الأقل- عبارة عن شبح لصورة الكفيف الذي أدى دوره ببراعة الفنان أحمد زكي في مسلسل الأيام، ليكون رمزًا للانتصار على العاهة، ونجاح الفقراء في الدراسة بتفوق. وقد يتم اختزال الرجل على لسان مسئول أو إعلامي يستدعي اسمه تزيينا لكلامه بمقولة شائعة عن التعليم بأنه كالماء والهواء!

ولاشك أن هناك استخدامات أخرى لطه حسين تنتقل شفاهة بين قطاعٍ من المتعلمين الذين ينقلون سماعًا للطلاب أو على المقاهي عندما تأتي سيرة طه حسين بأنه معادٍ للإسلام، أو أنه كان معاديًا للإسلام في أول حياته، ثم تاب وكتب كتبًا إسلامية بعد أن تاب الله عليه!

إن تعدد صور طه حسين وتعدد استخداماته يعني أن طه حسين يحيا بيننا لأنه شخصية مركبة تتيح تعدد الرؤى وتسمح باختلاف تأويلات الرجل حتى لو امتد حبل التأويل بين طرفي نقيض.

**

أحاول أن أتخيل طه حسين حينما علم بزيارة الملك فؤاد للجامعة المصرية الحكومية عام 1925، كيف حسبتها يا سيادة العميد وأنت تقرر بصفتك عميد كلية الآداب ألا تُعير الملك اهتمامًا وتقرر أن يسير اليوم الدراسي دون تغيير ودون احتفاء بالملك ؟! وأحاول أن أتخيل الملك فؤاد في هذا الموقف ولا يجد تصفيقًا من الطلاب لحديثه، فيضمرها في نفسه لطه حسين لاعنًا إياه!

فما بالنا عندما يأتي هذا الموقف عقب موقف رفض العميد طلب وزير التعليم منح الدكتوراه الفخرية لبعض الأعيان والوزراء من الجامعة المصرية الحكومية معتبرًا إياهم غير جديرين بالدكتوراه الفخرية! كيف حسبتها يا سيادة العميد؟!

لقد كان السياق جاهزًا لتلقف كتاب “في الشعر الجاهلي” لتدبير أزمة سياسية لصاحبه انتقامًا منه لمواقفه السياسية، ولم يكن المدبِّرون يحتاجون أكثر من بعض العبارات المستفزة لمشاعر الجماهير.

هل اخترع المدبرون الأزمة أم كان الكتاب هدية طه حسين لهم لينتقموا منه؟ كان الكتاب هدية على طبق من ذهب لمن يريد أن يجرَّ طه حسين ذبيحة يلهو بها الأطفال قبل أن يتم توجيهها الوجهة الأخيرة بحسب مقتضيات معركة تكسير العظام في ساحة السياسة.

وعندما تنفجر الأزمة يخرج زعيم الوفد سعد زغلول ضاربًا بكل شعارات الليبرالية عرض الحائط حين يواجه الجماهير الغاضبة من كتاب طه حسين لأنها سمعت عنه أنه أساء فيه للإسلام. فكيف تعامل السياسي المحنَّك مع هذا الموقف؟ ببساطة استغلّ الموقف سياسيًا وامتص غضب الجماهير بأن شتم طه حسين واعتبره من البقر التي لا تفهم  قائلا:”ماذا يضيركم إذا لم تفهم البقر؟!”.

**

لاشك أن طه حسين كان لديه تصور لاستقلال الجامعة يدافع عنه ومن أجله يتخذ مواقف حادة أو صدامية من المنظور السياسي، لكن لا شك أيضًا أنه في ظل مناخ يشهد قدرًا معقولاً من التعددية الحزبية كان للموقع السياسي للكاتب والمصالح السياسية المتبادلة بينه وبين السلطة التنفيذية أثرٌ في توسيع أو تضييق المباديء والشعارات المرفوعة في المعارك السياسية. فإذا نظرنا على سبيل المثال إلى إهداء كتاب “في الشعر الجاهلي” نجده دالاً على استقواء طه حسين بصاحب الدولة (رئيس الوزراء) صديقه عبد الخالق باشا ثروت ليكون ظهيرًا له في معركة سياسية وعلمية يتوقعها بمجرد ظهور الكتاب.

ولم يخب ظن طه حسين في ظهيره السياسي (صاحب الدولة) الذي هدد بالاستقالة إذا ما مسَّ طه حسين المنظورة قضيته أمام النيابة العامة أي أذى! وبالتالي من يستطيع أن يزعم أن ذلك التهديد لم يكن له تأثيرٌ على قرار النيابة بحفظ القضية إداريًا؟! ومن يستطيع أن يزعم أن المباديء لا تتجزأ؟! وهكذا إذا ما قارنا بين استقلال الجامعة كمبدأ وشعار مرفوع في معركة سياسية واستقلال القضاء كمبدأ لم يتم صيانته في المعركة ذاتها، فهل يمكن الإطمئنان إلى أن المعركة التي تأصلت عليها الثقافة العربية الحديثة كانت معركة بين الجمود والتنوير حقًا؟!

**

ماذا تعلّم طه حسين من هذه المعركة؟! ببساطة تعلّم الصمت السياسي عن الأفكارالتي تستفز الجماهيرعقائديًا حتى لو كان ذلك من باب إساءة الفهم والتأويل، والتمييز بين أفكار تصلح لطرحها للناس وأفكار لا تصلح للطرح العلني بالنشر، والتدقيق في العبارة قبل النشر حتى لا يقدّم هدايا لخصومه السياسيين.

وقد تجلّى ذلك في تنقيحه للكتاب بالحذف والإضافة وإخراجه مرة ثانية بعنوان “في الأدب الجاهلي”، كما تجلّى في امتناعه عن إعلان تأييده إلغاء الخلافة الإسلامية فور سقوطها حتى لا يستغل خصومه السياسيون إعلان تأييده ضده وضد حزبه (الأحرار الدستوريين) وذلك حين طلب منه زميله في الحزب د.محمد حسين هيكل أن يعلن للناس تأييده إلغاء الخلافة الإسلامية.

وعلى هذا الأساس سار طه حسين بقية حياته في مؤلفاته، لم يتخلّ عن فرادته وتمرده على الجمود والظلم الذي تعرض له اجتماعيًا طفلاً وشابًا، لكنه وجّه نقده للجمود والظلم في المجتمع عبر الخيال الأدبي من خلال مؤلفاته الإبداعية “الأيام”، “أديب”، “في الصيف”، “رحلة الربيع”، “دعاء الكروان”، “شجرة البؤس”، “الحب الضائع”، و”المعذبون في الأرض” إلخ. والأهم أنه ترك مسألة قدرة العقلية الشفاهية على صون الموروث وما يمكن أن يجره عليه ذلك من مشاكل عقائدية، وتناول بمنهجه التأريخي قضايا تتعلق بمجتمع صدر الإسلام ورموزه فكتب عن “الفتنة الكبرى” و”الشيخان” و”على هامش السيرة” “مرآة الإسلام”، “الوعد الحق”، ولم يكن صداميًا في نقوده وإنما كان متوددًا للقراء ومتقربًا إليهم وهو يسرِّب في الوقت نفسه آراءه التي تمثل صوت الباحث المتمرد على الجمود والظلم الاجتماعي بعد تغيير في الهدف الذي يصوِّب عليه أفكاره!

**

وفي الختام، إذا كان لا يمكن الزعم بأن أفكار طه حسين قد انتصرت في حاضرنا وصارت هي منظومة الأفكار المهيمنة، فكيف يمكن الزعم بأن تجربته نموذجية في التواصل مع الناس والتأثير في المجتمع؟!

 وللحق، فإن تجربته لا يمكن تجاهل دروسها خاصة فيما يتعلق بالدروس المستفادة لرسم ملامح علاقة المثقف بالمجتمع وبأنظمة الحكم في ثقافتنا العربية، وأول هذه الدروس أنه كان إصلاحيًا وليس ثوريًا، يختار من الأهداف ما يبني جسورًا مع الجماهير لا ما يقطع تلك الجسور معهم، ويستقوي بظهير سياسي إذا ما كان المناخ يسمح بذلك، فلا يحارب على كل الجبهات في الوقت نفسه، والأهم أن يتوسل بالخيال الأدبي إذا أمكنه ذلك.

…………………..

* نشر في أخبار الأدب في 26 ابريل 2026

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع