فكري عمر
انتفض “كمال” كفرخ مبلول. “الدنيا ما لها أرعدت وأعتمت كأنه يوم القيامة. وهل هو إلا هذا اليوم؟!”. في خطبة الجمعة الفائتة حدثهم الشيخ “عامر الباز” عن علاماتٍ تطرق أبوابهم ليل نهار وهم في غفلتهم سادرون. ظل الرجل على منبره الخشبي العالي يُهدد المصلين، وأكثرهم كان هائمًا في دنيا أخرى.. في قراريط جديدة يفكر في شرائها من مالكها المتلاف، أو المديون لطوب الأرض، في أموالٍ مُخبأة بصندوق داخل كوة بالجدار، في امرأة بيضاء كالصباح النقي، في الطيران إلى السماء. تَخيَّل: تمنى الصبيان ساعتها الطيران كالعصافير والحمام الذي يُحلِّق قرب شبابيك القُبة المفتوحة، فإذا بهم فجأة يهوون على الأرض بعد أن قصقص ريش أحلامهم كلام شيخٍ كثير الوعيد، قال لهم: “إن الناس سيُبعثون عرايًا غُرلًا (غير مختونين) كما ولدتهم أمهاتهم، لكن أحدهم لن ينظر إلى الآخر، فكلٌ مشغولٌ يوم الساعة بحاله”. تعجبوا من ذلك.. “معقول نرى اللحم الحي ولا نلتفت، ونبحلق، ونحتك؟!”.
ها هي النذائر تَهِلُّ، ارتجفت “سناء” في حضنه، بَرَّد جلدها قشعريرة رعب مباغتة، انكسر إحساسها بالخدر، حدقت بوجهه متساءلة في البداية، ثم انفصلا، انطوت إلى جانب السرير مثل طفل مفزوع، جذبها نحوه مرة أخرى، ليراقبا معًا قاتل المتعة بعيونٍ أُزيل عنها الحُلم الوافر بالإثارة، وحلَّ محله الخوف والدهشة، كانا من لحظات يرقدان على راحة يد شيطان ساحر، لكن برقًا ضرب الزجاج المُعتّم بطبقة غامقة، ورعدًا قصف الجوانب الحجرية، فَضَجَّ الجسدان من هول المُقبل عليهما، وهطل مطرٌ كثيف.. زلط أبيض صغير متلاحق يدق السقف الخشبي المعزول، والأبواب، والشبابيك، والغيطان، والطرقات.
أشار بحركة من عينيه إلى الخارج، خلف الجدران والشباك المغلق: “إنه الثلج”. قالها، وتذكر خطبة الشيخ “عامر”، وما عاشته البلدة منذ زلزال أكتوبر الماضي. كان يراه في الطفولة، يُكوِّمه بيديه، ثم يقذف به زملاؤه وإخوته قبل أن يذوب بين أصابعه. لولا أنه الآن أسير الصهد المنبعث من جسدها، ومن ضغط رغبته لقام من مكانه، وارتدى جلبابه على اللحم؛ ليقف تحت دفقاته، يفتح يديه لكرات بيضاء لا تهبط هنا إلا كل عدة أعوام حين تكون البرودة شديدة، والسماء مطفأة، والجو مقبضًا كأجواء الحكايات الساحرة، وحينها تخيَّل وحشًا بدائيًا سيهبط عليهما من السماء؛ لإكمال المشهد، فانخلع الباب من مكانه في الحال، وأبصر ماردًا من نارٍ يسد مدخله، ثم شاهد سيفًا يخرج من جراب العملاق المعلق بجنبه، ابيضت عينا المارد، فإذا خناجر الرعب تندفع منهما وترشق في جسد “كمال”، تسحب منه الحرارة، وتُحوِّله إلى لوح من الثلج. صرخ كطفلٍ وحيدٍ استيقظ من نومه، فوجد نفسه وحيدًا في الظلام، وكتمت “سناء” صرختها براحتي يديها.
طاح السيف في لمحة خاطفة، لم ينجح “كمال” في تفاديه وهو باركٌ على ركبتيه، مَرّ كالهواء الحار خلال جذعه المشدود، فشقه نصفين. شبت النار في جسده، ارتمى على الأرض وهو يصيح: “أنا مُتّ، وانتهيت”. مثل كلبٍ هرمٍ مقذوفٍ بالحجارة اتكأت “سناء” على راحتي يديها وركبتيها، على أربع تحركت باتجاهه تراقب أنفاسه، وتنصت إلى دقات قلبه، تتحسس الموضع الذي يقبض عليه، فلا ترى أثرًا لجرح. اختلطت عليها الأصوات، لأن تلاحق شهيقها وزفيرها، ودقات قلبها الذي كاد يفتك بضلوع صدرها شوش حواسها. ظلت عيناه مفتوحتين باتجاه صورة وحش أشار إلى وجوده، ثم تابع طيفه مذعورًا حتى انفلت من الباب مثلما جاء. هدهدت جسده المنتفض، ومسحت بالأخرى دموعًا تسح من عينيها.
………………….
*فصل من رواية “شط لقمان” الصادرة مؤخرا عن دار منازل للنشر والتوزيع









