صلاةُ الغريبِ في ممرِّ القريب: مناظرةُ الأًعْلامِ في نازلةِ بابِ مُرّاكُشَ

عثمان بن شقرون

المكان: فناءٌ متخيّل بـمراكش الحمراء، تتقاطع فيه ظلال جامع الكُتبية بأطياف أهلِ جامعِ ابن يوسف.

المتناظرون:  عبد الرحمن ابن خلدون، وأبو محمد ابن حزم، وأبو عثمان الجاحظ، والشيخ الأكبر ابن عربي، وبديع الزمان الهمذاني.

بديع الزمان الهمذاني (مفتتحاً):

يا قادةَ البيان، وسادةَ الأذهان؛ قد طرأت بـمراكش الحمراء طارئة، وأطلّت بـإحدى أبوابها بائقة. رأتِ العيونُ قوماً من أهل الذمة، ممن غلظت في النحلِ عقيدتهم، قد نصبوا لصلاتهم في قارعة الطريق محراباً، واتخذوا من ممرِّ السابلةِ لركوعهم باباً. فثارت بينهم وبين العامةِ غاشية، واضطربت في تأويلِ فعلهم كلُّ حاشية. فما ترون في هذا الظهور المستنكر، في هذا الزمانِ المتنكر؟

ابن خلدون:

اعلم يا بديع الزمان، أنَّ أحوالَ العمران مبنيةٌ على الألفة البصرية والتسليم للعوائد؛ فإذا استحدث وافدٌ هيئةً تُباينُ مألوفَ أهل المِصر، وقع التناكر في النفوسِ لا محالة. وهؤلاء القومُ بزيِّهم الحادِ، وسوادِ أثوابِهم الجافية، وبما أسدلوه على خدودهم من الذوائبِ المفتولةِ والضفائرِ المتدلية، وبما توَّجوا به رؤوسهم من القلانسِ الضخمةِ والبراطيلِ القاتمة؛ قد أحدثوا بهيئتهم تلك تَناكَراً في الأرواحِ يسبقُ تضايقَ الأشباح، وأقاموا حجاباً من الوحشةِ يمنعُ وصولَ الألفةِ إلى النفوس.

ثم إنَّ هذه السيماءَ المتطرفةَ في الغرابة، مع ما يصحبها من هزِّ الرؤوسِ وتمايلِ الأجساد، تزرعُ في قلوبِ أهلِ المِصر نفرةً وجدانيةً تقطعُ أسبابَ التعايشِ قبل أن تقطعَ طُرقَ المرور؛ إذ الأرواحُ جنودٌ مجندة، وما تباينَ منها في الظاهرِ استحالَ ائتلافُه في الباطن. إنَّ الشارعَ في عُرف السير هو ملكٌ للجماعة، والجمهورُ لا يرى في فعلهم تعبداً مجرداً، بل يراه عصبيةً غريبةً تدفعُ في نحور عاداتهم. فإذا انضافَ إلى ذلك فسادُ الزمان، وتواترُ أخبارِ الحروبِ في الأطراف، صار الفعلُ استفزازاً لا استسكاناً؛ إذ العامةُ تحكمُ بالظاهر، والظاهرُ هنا مُباينةٌ لا تعايش.

ابن حزم الظاهري:

أبعدتَ النُّجعة يا ابن خلدون بذكرِ العوائد، والحقُّ أبلج! إنما يُنظر في إيجاب الفعلِ وامتناعه. فالمكانُ الذي اتخذه هؤلاء للجهرِ بشعارهم هو طريقٌ نافذ، وحقُّ الطريقِ كفُّ الأذى، وأيُّ أذىً أعظمُ من هيجانِ النفوسِ وإثارةِ الفتن؟ إنَّ الصلاةَ مقامُها البِيَعُ والصوامع، فمن خرج بها إلى سِككِ المسلمين في زمانٍ تُسفك فيه دماءُ إخواننا، فقد سعى في تأجيج نارٍ لا تنطفئ. لا يُقال حريةُ مذهب، بل يُقال سدُّ ذريعة. فالعقلُ يوجبُ أن يُمنعَ المرءُ من إظهارِ ما يُنفرُ الجماعة، خاصةً إذا كان الفعلُ يحملُ صبغةَ المغالبة لا الاضطرار. فالحقُّ ظاهرٌ، والمراءُ فيه مَذموم.

أبو عثمان الجاحظ:

رويدكم يا مشايخ، فما أرى الجدلَ إلا ثمرةَ الفضول وكلفَ الناسِ بـالغرائب من الأمور. إنَّ هؤلاء القومَ، بطولِ شعورهم وقِصَرِ مداركهم، قد صاروا أُحدوثةً للعين قبل أن يكونوا حُجةً للدين. وإنما استطارَ ذكرُهم بـصنيعِ هذه الآلات التي تنقلُ الخبرَ قبل وقوعه، وتُعظمُ الصغيرَ حتى تراهُ مستطيلاً. لقد جُبلت النفوسُ على استبشاعِ ما خالفَ عاداتِها في اللباسِ والمُقام. فلو استتروا بصلاتهم، ما شقَّ لهم أحدٌ غباراً، ولكنَّ شهوةَ الإظهار عند القوم، قابَلَها حسُّ الأنفة عند العامة، فكان ما رأيت من لغطٍ وتلاوم. والناسُ -كما قدِمنا في صحفنا ورسائلنا- عبيدٌ لما ألفوا، وأعداءٌ لما جهلوا.

محيي الدين ابن عربي:

رويدكم يا سادة، فقد رأيتم الرسم وغبتم عن المعنى. إن الحقَّ سبحانه لا يحدهُ مكان، ولا تحصرهُ جدران. تقولون باب مراكش؟ وما باب مراكش في ملكوت الله إلا سجدةٌ في محراب الوجود!  لقد أودعتُ في ترجمان الأشواق أن قلبي صار قابلاً كلَّ صورة؛ فمرعى لغزلانٍ، وديرٌ لرهبانِ.. وبيتٌ لأوثانٍ، وكعبةُ طائفٍ.. وألواحُ توراةٍ، ومصحفُ قرآنِ. هؤلاء الذين قاموا في الصلاة، إنما استبدَّ بهم وجدٌ لم يمهلهم حتى يبلغوا البِيَع، فخروا سُجداً في مقام الحيرة. هل ضاق فضل الله حتى نُحجّره على جدران الصوامع؟ إن الصلاة نداء، والنداء لا يختارُ رصيفاً دون رصيف. إنكم تنظرون إلى سواد ثيابهم وأنا أنظر إلى بياض نياتهم في طلبِ معبودهم. الفضاء العام؟ الفضاء كله لله، والأرض كلها مسجدٌ وطهور، فذروا الخلق للخالق، ولا تجعلوا من السياسة حجاباً بين العبد وربه.

ابن حزم الظاهري:

يا شيخنا، هذا كلامٌ في الحقيقة لا يستقيم في عالم الشريعة والسياسة! نحن في دارِ إسلامٍ لها أحكامها، وفي مجتمعٍ له أمنه. إن وجْدَهُم هذا لو أدى إلى فتنةٍ تسفك فيها الدماء، فهل يدفعُ كشفك هذا غائلة الحرب؟ الشرع جاء لمصالح العباد، ومصلحة الجماعة في كفِّ الاستفزاز مقدمةٌ على حرية المصلي في اختيار رصيف من الأرصفة!

ابن عربي (بابتسامة العارف):

يا أبا محمد، أنت تحكمُ بـالظاهر وهو حقك، ولكني أرى أن التعايش ليس أن تتركني أصلي خلف جداري، بل أن تراني أصلي في ساحتك فلا ينقبض قلبك. إن خوفكم من الرمز هو دليلٌ على ضعف الجوهر في نفوس الناظرين. لو امتلأت القلوب بالمحبة الكونية، لرأى المسلمُ في صلاة اليهودي تسبيحاً لله بلغةٍ أخرى، ولما تحركت فيه لوعةُ الحرب. العيب ليس فيمن سجد، بل فيمن رأى السجود حرباً!

ابن خلدون (متدخلاً برصانة):

يا شيخنا، كلامك عذبٌ في مقام التجريد، لكن الطبائع البشرية ليست بمرتبة قلبك. العامةُ تُحركها الصور والأوهام. إن صلاة هؤلاء في الفضاء المفتوح هي إشارة غلبة في نظر الجمهور، والمُلكُ يُحفظ بالهيبة لا بالتسليم لكل ذي وَجْدٍ. نحن نحمي التعايش بضبطه، لا بتركه لهوى النفوس.

الجاحظ (معقباً بلطفه المعهود):

إذن، صرنا بين سعة المحبة عند الشيخ محيي الدين، وضيق السياسة عند أبي محمد، وحكمة العمران عند ابن خلدون. وكأنني أرى أن الحقَّ قد تفرَّق بينكم؛ فللصلاة قدسيتها، وللمكان حرمته، وللناس عاداتهم.

الهمذاني (مؤلفاً بين القلوب والقوالب):

يا قوم، قد أقمتم من الحججِ صروحاً، وفتحتم في جدارِ الغيبِ قروحاً. فبينما يرى الشيخُ الأكبرُ في السجدةِ مَعراجاً للروحِ نحو الأزل، يراها ابنُ حزمٍ استنطاراً لغيثِ الفتنِ وفواتاً للأجل. وبينما يرقبُ ابنُ خلدون في صمتِ السابلةِ هيبةَ الجماعة وانكسارَ العوائد، يلحظُ الجاحظُ في زحامِ النظراتِ مكرَ الأبصار وكيدَ المشاهد. والخلاصةُ التي لا محيصَ عنها: أنَّ باب مراكش لم يعد مجردَ ممرٍ للأجسادِ والبضائع، بل غدا ميداناً للتأويل؛ حيثُ تصطدمُ رقةُ الوجدِ بصلابةِ الحدود، وتختبرُ المدينةُ قُدرتها على الصمود. فإذا كان الفضاءُ لله، والشارعُ للجمهور، والقلبُ للمعنى؛ فكيف السبيلُ إلى استعادةِ سكينة المِصر من بين مخالبِ ضجيج الرمز؟ لقد تركناكم واللغطُ في الشوارعِ لم ينطفئ، والأسئلةُ في الصدورِ لم ترتوِ، وكأنَّ قدرَ هذا المكان أن يظلَّ برزخاً تتقاطعُ فيه صلواتُ العابرين بحذرِ المقيمين، إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع