القس عيد صلاح
في مشوار سريع إلى مديني المحبوبة المنيا وفي الذهاب والعودة قرأت في القطار عملاً متميزًا ” كنت طفلاً قبطيًا في المنيا”، تأليف مينا عادل جيد تقديم د. سعيد المصريّ، الكتاب صادر عند دار مجاز للترجمة والنشر عام 2020م ويقع في 128 صفحة من القطع الصغير. وهو عبارة عن سيرة ذاتية لرؤية المجتمع المنياوي العام والمسيحيّ الخاص في تسعينات القرن الماضي، وهو يقدَّم رؤية ثقافيّة للأفكار والممارسات الشعبيّة لدى المسيحيّين في المنيا برؤية موضوعيّة نقديّة. الأسلوب رشيق واللغة سلسلة والأفكار قيمة. وقد تناولت الدكتورة نيفين مسعد في كتابها المهم “الشخصية القبطيّة في الأدب المصريّ” الصادر في القاهرة عن دار العين للنشر 2026م هذا العمل في مقالتين: ص 142-164؛ ص 177-182.
يُقدِّم كتاب كنتُ طفلًا قبطيًا في المنيا تجربة سردية تقع في منطقة وسطى بين السيرة الذاتيّة والكتابة الأنثروبولوجيّة، حيث يستعيد الكاتب مينا عادل جيد طفولته في صعيد مصر بوصفها مادة خامًا للتأمل في الهوية والذاكرة والانتماء. لا يعتمد النصّ على الحنين الرومانسيّ البسيط، بل يُوظِّف الذاكرة كأداة تفكيك، كاشفًا عن تعقيدات الحياة اليوميّة داخل مجتمع تحكمه شبكة كثيفة من الأعراف الدينيّة والاجتماعيّة.
من الناحية الأسلوبية، يتسم السرد بلغة بسيطة ظاهريًا لكنها مشحونة بالدلالات، حيث تتجاور التفاصيل الصغيرة كطقوس البيت، والحكايات الشعبية، وتعليمات الكبار مع أسئلة كبرى تتعلق بالاختلاف الدينيّ والوعي بالذات. ينجح الكاتب في تحويل اليومي والهامشي إلى مادة دلالية، بحيث تصبح الحوادث العادية مدخلًا لفهم بنية المجتمع، لا مجرد خلفية محايدة للأحداث. أما على مستوى البناء، فالكتاب لا يسير وفق خط زمني صارم، بل يعتمد على تداعيات الذاكرة، فينتقل بين مواقف ومشاهد متفرقة، تربطها وحدة التجربة لا تسلسل الحدث. هذا التفكك الظاهري يخدم النصّ، لأنه يعكس طبيعة التذكر ذاتها، حيث لا تُستعاد الطفولة كقصة متماسكة، بل كفسيفساء من اللحظات والانطباعات.
وتبرز قيمة العمل في قدرته على التقاط التوترات غير المعلنة داخل المجتمع؛ فالعلاقات بين الأفراد سواء داخل الجماعة الواحدة أو بينها وبين الآخرين تُعرض دون خطاب مباشر أو إدانة صريحة، بل من خلال مواقف حياتية تكشف عن حدود التعايش وإمكاناته. هنا يتجنب الكاتب الوقوع في خطاب الضحية أو التبرير، ويترك للوقائع أن تتحدث بذاتها، وهو ما يمنح النصّ قدرًا من الصدق والاتزان.
ومع ذلك، يمكن توجيه نقد للعمل من زاويتين: الأولى أنّ الاعتماد الكثيف على الذاكرة قد يؤدي أحيانًا إلى تعميمات غير ممحصة، حيث تتحول التجربة الفرديّة إلى مؤشر على واقع أوسع دون سند تحليلي كافٍ. والثانية أن الحياد الظاهري قد يُخفي غياب موقف نقديّ أكثر حدة تجاه بعض البُنى الاجتماعيّة، مما يجعل النصّ أقرب إلى الرصد منه إلى المساءلة.
في المحصلة، يُعد الكتاب عملًا أدبيًا مهمًا في سياق الكتابات التي تمزج بين السيرة الذاتيّة والتأمل الثقافيّ، إذ ينجح في تقديم صورة دقيقة وحساسة لعالم الطفولة في بيئة مركبة، دون أن يفقد حسه الإنسانيّ أو قدرته على إثارة الأسئلة. إنه نصّ يراهن على التفاصيل الصغيرة ليقول أشياء كبيرة، ويمنح القارئ تجربة تأملية تتجاوز حدود الحكاية الشخصية إلى أفق أوسع من الفهم. يمكن أن تبنى دراسات على هذا الكتاب ويمكن التوسع في موضوعاته. شكرًا للكاتب الاستاذ مينا عادل جيد على هذا الطرح وننتظر المزيد في هذا المجال.











