هاجر مصطفى جبر
إنها الأصغر في البيت الصامت… لا تحاول، مصيرها معروف.
تعود “جميلة” من المدرسة بذات الموعد، عامها الأخير بالثانوية… تقاتل نفسًا تحدثها بالتأخير، مجهزة كذبة محكمة… تمشي نحو البيت مرددة قول أبيها: “من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه”.
لكن الحرمان قادم، قادم… سينتهي العام، وستلزم البيت… ليس بانتظار الزواج، بل بانتظار الموت… فأبيها أعماه الذهب، ولن يتقاسمه مع غريب.
في بلدنا نفتح عيوننا على حُفر التنقيب عن الآثار، هذه ضريبة أن تكون من قرية تحمل اسمًا فرعونيًا… ومحافظة هي دولة مُصغّرة.
يوم ولادتي عثر أبي على مراده… وفقدنا أمي… هل كانت الأضحية على باب الذهب، أم كما قال الطبيب: “سكتة قلبية”؟ لا نعرف… فقط بدأت ذاكرتنا مع الذهب، والأبواب، والشرفات المغلقة… ولأن أبي وحيد، وجدي كذلك، فلا قريب ولا شريك… حتى أخوالي لا نعرفهم… فقط الذهب.
بيتنا بالطوب القديم… تجديده سيدخل الغرباء، فرأى أبي أن دخول الثعابين والعقارب أهون.
بيت كبير لا نعرف منه سوى الجدران المصمتة…
بدأ الباب يُوارب عندما قرر أبي إلحاق أخويّ بالمدرسة؛ كان الكبير قد تجاوز السن، والصغير لم يصل بعد للسن المحدد. أدرك أن ماله لن يُحمى بالسلاح والغلق فقط… الولدان أحمقان… لا بد من زرع عقل.
بدأ أخويّ بالتغير والفهم، وعندما جاء دوري ألحقني بالتعليم أيضًا… كان يحضر لي الكتب بكثرة، ليتمكن من إفهامي أن الزواج ليس الشيء الأهم، وبي يتلاشى عمليات الانتحار المتكررة من أختيّ الكبيرتين.
أمسك الكتاب، وأدور ببيتنا الكبير، أبحث عن مكان بعيد عن عيون أختيّ… فلقد ازدادت كآبتهما… بالطابق الثاني، في غرفة الخزين المهجورة مذ وفاة أمي، كانت “طاقة”* تجلب لي نسمة الحرية، ومطلة على ورود…
أقرأ بجوارها كل ما يشتريه أبي من كتب ومجلات…
عند خروجي من المنزل للمدرسة وعودتي، أبحث عن تلك الورود؛ أرى الطاقة، لكن لا أرى من خلالها… أين جدار غرفة الخزين؟… أنظر في محيطها، لا ورود!
حتماً هذه الورود فوق سطح منزل عالٍ.
اليوم، ومع عودتي، كان الفتى هناك… عند المنعطف الأخير قبيل بيتنا… كانت أمه معه، ليثبت صدق رغبته… نظرت لأمه: محظوظة أنتِ، لم تعرفي تاريخ الذهب.
كان الأمر محسومًا، فلم أرد على تودده… مشيت نحو بيتي، وعيوني تقفز من سطح لسطح، تبحث عن الورود…
بالبيت أخذت كتابي لأصعد لطاقة الحرية، والتمرد على الجدران الصامتة… على باب الغرفة كان أبي، ونظرة تخبرني أنه كان عند المنعطف…
رفعت رأسي نحو الطاقة؛ كانت بقايا أوراق ملتصقة بجدار يطمسها… أوراق تحمل بقايا صور… ورود، وفضاء، وقبور، وذهب.
……………………….
*الطاقة: هي النافذة الصغيرة






