صابر رشدي
أصبح من المألوف اليوم، في عالم الإبداع، التحول من جنس أدبي إلى آخر، وتحديدا من الشعر والقصة والنقد، إلى عالم الرواية على وجه الخصوص. ربما لأنها الجنس الأكثر شهرة، وحصولا على الجوائز، والأكثر مقروئية، ناهيك عن إمكانياتها الفنية الكبيرة، والتي لم تعد تهم البعض ممن يكتبونها دون إتقان أو اهتمام بجودتها، معتمدين على رواجها والاحتفاء المفرط بها في سوق النشر والمؤسسات الثقافية.
لكن هنا الأمر مختلف؛ فنحن أمام شاعر أدار ظهره للرواية، مفضلا المكوث في عالمه، حيث آثر الانتقال من شعر العامية، القريب من الحياة اليومية، والمعبر عن المشاعر المباشرة، بلغة الناس ومفرداتهم البسيطة التي تصل سريعا إلى المتلقي، من دون قيود لغوية صارمة أو تعقيدات نحوية، إلى شعر الفصحى، متشبثا بقصيدة النثر في تعاطيه مع النوعين. فبعد مسيرة حافلة بالأعمال المتميزة في شعر العامية، وعدد من الدواوين التي أنجزها على مدار رحلته في هذا الفن: «احتمالات غموض الورد»، «ميت خيال»، «كمان وحيد»، «ناقص حرية»، «إسكندرية يوم واحد»، راح الشاعر المصري طارق هاشم يجرب قلمه في الفصحى، بالروح نفسها، وبالإجادة نفسها تقريبا، عازفا على نغمة الذاتي، متأملا العالم، مستمدا من الثيمات الإنسانية قصيدته، مركزا على التفاصيل الصغيرة، ومستعيدا مشاهد من الطفولة والصبا ومن اللحظات الفارقة، مقتربا من الخاص والذاتي، كعادة أبناء جيل التسعينيات الذي ينتمي إليه، معطيا قصيدته نبرتها الصادقة، مستلهما الصور والأساليب التي تتيح مخاطبة جمهور أوسع يتجاوز اللهجة المحلية.
بدأ التجريب في عالمه الجديد بأكثر من ديوان: «اختراع هوميروس»، «كل ما فعله دوستويفسكي»… ثم هذا العمل الذي بين أيدينا: «سارة مراد». وكأننا بصدد رحلة في تعميق التجربة الشعرية، وتوسيع آفاقها لتكون أكثر نضجا؛ فهي ليست مجرد ترق لغوي، إذ لا يقتصر الأمر على تبديل اللغة فحسب، بل يمتد ليشمل تغيرا في الأسلوب والأدوات التعبيرية، فلكل نوع خصوصيته التي تفرض تحديات مختلفة، وفرصا متباينة تتلاءم مع النوع الذي يعمل عليه.
يقول طارق هاشم في مطلع قصيدة «عقد إذعان» مخاطبا أمه بكل ما في الأمومة من معان رمزية خالدة:
«مع الأسف يا أمي
صرت شاعرا
صرت أعرف الحزن
كما أعرف الطريق
إلى قبر أبي
صرت كمدينة لا باب لها
صدقت نبوءة العراف
حين أخبرك
إنك ستنجبين أقمارا ثلاثة
سوف يكون أكبرهم شاعرا
وأوسطهم نبيلا ذا عقدة
وثالثهم سيبقى عند ركبتيك
كدليل نفد عتاده
وسينتهي العالم إلى كارثة».
منذ البداية، ومع العنوان، ثمة إشارة واضحة إلى علاقة غير عادلة، واتفاق قسري غير متكافئ، وخضوع لمنظومة ضاغطة، وشعور بالألم، كما يبدو من مطالعة بقية القصيدة بنبرتها الاعترافية التي تظهر جيلا عاجزا لا يملك أدوات الفعل أو التوجيه، جيلا يحمل رؤى تشاؤمية يبرزها التناقض بين القيم والواقع.
فالشعر هنا لا يعد دلالة على الجمال بقدر ما هو علامة على الإدراك المؤلم والكاشف لماهية الأمور. إنه يتصور أن الشعراء أيضا يصيبهم الذهول حين لا يعثرون على إجابة توازي ما يلحق بالعالم من خراب، وأننا نمضي في الحياة بإرادة عرجاء، ونخسر كل معاركها، نراهن على الأصعب، ونعيش في العالم كالغرباء.
بينما في قصيدة «لم تحصد هواكِ» ثمة عزف آخر على اجترار الخيبات والفراغ العاطفي:
«القصيدة التي كتبتها عنكِ
في العام الماضي
تصدرت قائمة الأكثر مبيعا،
حصدت كل الجوائز
ولم تحصد هواكِ».
إنه النجاح المقرون بالإخفاق العاطفي؛ فحصد الجوائز المرتبط بالجهد لا يعني حصد الحب، لكنه يرمز إلى القيمة والمكانة، ويتحول، نتيجة تلك المفارقة التي تكسر قانون السببية، إلى شيء فارغ. نحن رهائن زمن لا يقدم شيئا مقابل لحظات المجد؛ تفوق اجتماعي يقابله فشل وجداني، كنوع من الانتقام المباشر، يدوم معه الاغتراب ليفصل بين الصورة العامة والحقيقة الداخلية.
لقد استطاع طارق هاشم، من خلال جمل تقريرية بسيطة، خالية من المجاز الكثيف، ودون رطانة بلاغية، أن يحول المفارقة إلى صدمة مباشرة، وأن يضعنا أمام سؤال محير: ما أهمية ما نحصده إن لم نحصل على ما نريده حقا؟
وهناك بعد إنساني آخر، نلحظه في بقية نصوص هذه المجموعة، تنويع على تلك الثيمات، وكأن التحرر الداخلي وسيلة معرفية، من خلال مشاعر لم تعد سجينة لحظة معينة، لكنها قادرة على استدعاء حالات زمنية متعددة، تتنقل بينها وهي قادرة على تحرير هذه القيود، رغبة منها في الكشف والتأمل.
إنه يذهب إلى عذابات أخرى يطلعنا عليها بالمجاز هذه المرة، كما يسطر في قصيدة «حين هاجموا قلبه»:
«حين أطلقوا الرصاص
على ذراعه اليسرى
سقطت رمانة
كان قد رواها بدمعة،
حين أطلقوا الرصاص
على ذراعه اليمنى
جفت يده
سقطت
وظلت ذراع حبيبته
معلقة في الهواء
حين هاجموا قلبه
برصاصتين دفعة واحدة
كانت تختبئ خلف صمام الأمان
ناسية وحدتها».
ثم يستكمل الطلقات/الطعنات، بأنهم حين أطلقوا الرصاص على قدميه اليابستين، توقف العالم عن استيعاب رحلاته اليومية، وأخيرا، عندما أطلقوا الرصاص على خياله، مر بباب الحبيبة دون أن يقول لها: صباح الخير. إنه تشظي الجسد وانهياره قطعة وراء الأخرى، كأننا أمام اغتيال بطيء لإنسان فقد القدرة على إلقاء تحية عابرة، وهو يمر صامتا من الوجود إلى العدم، عبر سلسلة من الطقوس العقابية، فاقدا كل شيء: عاطفته، فعله، حركته، خياله.
الرصاص هنا لا يقتل الجسد فقط، بل يفضي إلى تدمير التواصل وقتل المعنى، من خلال نص يشتغل على تآكل الإنسان واختزاله في تجربة مأساوية، يتفاقم فيها الألم ويحاصرنا من كل اتجاه.
في هذه المجموعة الشعرية يبدو العالم لا شيء، والحقيقة مؤلمة، وثمة فراغ رهيب يشيد عدوانيته، تاركا أثرا تدريجيا لدى المتلقي، ليجعله شريكا في هذه الحالات الشعورية، يلتقط التوترات التي تشكل العلاقة بين الكائن وواقعه، بين السطح الهادئ للنصوص، الذي يخفي في باطنه تأويلات متعددة، والجمل التي تصدر كأنها تقرير سريع، وبين المشاهد الصغيرة التي تضيء جوانب وجودية كاملة، والذاكرة التي تحضر بوصفها مساحة صراع، تلتقط ما تبقى من معانٍ، قبل أن تتلاشى وتتبدد، واستعادة التفاصيل الصغيرة، لكن على نحو غير نوستالجي، في محاولة زائفة للتماسك، وسط التآكل المستمر، والعجز عن الوصول إلى سعادة مكتملة. إنه الفقد، والحب الذي يتجلى هنا كخبرة ناقصة، ويضن علينا بمباهجه، وهو يلجأ إلى التقتير، كاشفا الروح في أتعس حالاتها، وهي تتردى في الجسد.
في قصيدته التالية «لصوص»، ثمة مواجهات دفاعية يذهب إليها طارق هاشم، صانعا على نحو فانتازي حكاية خيالية يقاوم بها سارقي أحلامه:
«رسم بيتا
رسم داخل البيت حديقة
بالقرب من الحديقة
حفر ممرا للمياه
قال هنا سأزرع شجرة رمان
ما أن أنهى جملته
حتى ترعرعت شجرة رمان
ابتلعت الصفحة.
في الصباح جاء اللصوص
سرقوا شجرته».
لم يطله اليأس، فقد عاد ورسم شجرة أخرى، لكنه في اليوم التالي لم يجدها. رسم شجرة ثالثة ورابعة وخامسة، حتى صار لديه حديقة كبرى، لكن اللصوص لم يتركوه؛ فقد تسللوا إليه وسرقوا ريشته.
ليس عنصر المفارقة فقط هو ما يلفت أنظارنا في هذه القصيدة، بل سلطة الخيال في مواجهة الواقع، وإنتاج عالم بديل كوسيلة تعبير أمام مصادرة القدرة على الحلم. الواقع الذي يهدم محاولات الالتفاف، كإعادة الرسم مرارا، والإبداع كفعل مقاومة يتضخم من خلاله الحلم من شجرة إلى حديقة كرد فعل على القمع.
فالإنسان المبدع، في النهاية، ما زال يملك القدرة على خلق نص يعكس الصراع مع الأشياء، مثلما نتابع هذه القصيدة التي تعتمد على السرد والتصعيد الدرامي، لإبراز فكرة المقاومة حتى لو انتهت بمصادرة أداة الإبداع. وعلى أية حال، فقد تم توظيف حكاية رمزية بسيطة للتعبير عن قضايا عميقة، أخطرها عدم فقدان الخيال كسلاح فعال، والقدرة على الحلم. لذا تبدو الذات الفردية هنا هي العنصر الأساس الذي يقيم عليه الشاعر قصائده، ويلخص تجربته في مواجهة اللامبالاة والإهمال عبر الاستعارات المصنوعة بوعي كامل كي ينفذ إلى الحقيقة.
وها هو يقدم، متألما، في قصيدته الطويلة «العازفون الخمسة» سيرة بعض البشر:
«كنا خمسة عارفين..
الأول باع جيتاره
واختار أن يعمل شيالا
في باب الحديد
بينما أصبح الثاني مؤذنا
في إحدى إدارات الشؤون الدينية
والثالث هجرته حبيبته
ذات صباح بارد
بعد أن باع كمانه
وراح يجمع علب الكولا
في محطات القطارات البعيدة
ويبيعها لتاجر الخردة».
تستمر القصيدة في تصاعد خطي؛ يسرد الشاعر بصوت فردي ما يخصه، ثم يحدثنا بصوت جمعي عن بقية أصدقائه، راصدا هزائمهم وانسحابهم الطوعي من الحياة، بالتخلي عن الهوية الفنية والانخراط في أعمال هامشية ترمز إلى التيه والضياع. الجماعة هنا تتحول إلى أفراد في حالة تشظٍ، بعد أن كانت توحي بالتماسك والاكتمال، أما بقية القصيدة فتشكل خريطة سقوط لمدينة قاسية، وجماعة في حالة انكسار تعاني التفكك.











