محمد الفخراني
وما فائدة العالم لو أنه ليس مكاناً للمتعة؟
ينظر البعض إلى “المتعة” باستخفاف، على أنها شيء تافِه، سطحي، مع أنَّ كل ما نفعله ربما هو وسيلة للحصول عليها، وكل ما نفعله ما كنّا لنفعله إلّا لو أننا نشعر في أثنائه أو نهايته بالمتعة، إلّا لو أنه يحمل لنا وعدًا منها بها.
والبعض ينظر إلى المتعة على أنها رذيلة، شيء له علاقة بالدَّنَس، حتى لتبدو لهم كلمة “المتعة” نفسها مخيفة، ومُدَنَّسة، يرونها كشيءٍ مُصْمَت، بهيمي الطَّبْع والتَصَرُّف.
والبعض يخافونها، هكذا، فقط يخافونها.
لكنَّها، المتعة، الذكيَّة الرشيقة الراقية الَّلمّاحة، أساسيةٌ وفي مكانٍ مُهمٍّ من ذروةِ طموحنا.
لنتخيَّل عقلًا غير مُستمتِع، وجسدًا غير مُستمتِع، وروحًا غير مُستمتِعة، هذا إغلاقٌ شامل وكامل.
لنتخيَّل عقلًا مُستمتِعًا، وجسدًا مُستمتِعًا، وروحًا مُستمتِعة، عندها ننفتح على كل شيء، وينفتح علينا كل شيء.
وأقصد بالجسد هنا كل مفرداته التي تتواصل مع العالم.
المتعة، الكلمة المليئة بالوعود.
بماذا تفيدنا الشمس ونورها ودفئها لو أننا لا نشعر بالمتعة في شيء من حياتنا، عندها لن نرى الشمس ولا نورها، ولا يهمّنا لو انطفأت هناك، أو انطفأ العالم كله أو احترق، لا يُهمّ، لن يهمّنا شيء من هذا كله، لأننا ببساطة لا نشعر بمتعة.
المتعة تفتح نَفْسنا إلى العالم، وتفتح نَفْسَ العالم إلينا.
لماذا عندما تظهر كلمة “المتعة” يفكر كثيرون في شيء مادي وفقط؟ المتعة عقليَّة وحسيَّة وذهنيَّة وروحيَّة، المتعة للماوراء، والمابَعْد، هي من المهارة والرُقيّ والذكاء والأهمية لتَحْضر في كل حالاتنا، لأنها أساسية في كل تكوينٍ منّا، أصيلةٌ بداخلنا، ومن دونها ننطفئ ونخمد تمامًا.
المتعة تَفْتَح طاقات العقل والجسد والروح، ويمكنها أن تأخذنا وتنطلق بنا إلى ما لا نتوقَّع، لها عالمها ومساراتها الخاصة في العقل والروح والجسد، وما ستُعرِّفنا إليه في وقته.
المعرفة والمتعة مُتلازمِتان، عندما نعرف فإننا نشعر بالمتعة لأننا عرفنا، وعندما نشعر بالمتعة فإننا نرغب أكثر في المعرفة.
وتُعَلِّمنا المتعة كيف نستمتع بوجودنا، هي طريقة لفَهْمِ العالم، ومَعْرِفَتِه، والانسجام معه، وأحد أسباب منطقيَّةِ وجوده.
ربما لأنّ قراءة القصص والروايات تمنحنا كل أشكال المتعة، والمتعة تُولِّد لدينا الرغبة في فتح كل الأبواب، وبعضنا ربما يرتَعِب من المتعة، وفَتْحِ الأبواب.
ماذا لو أنَّ كل شيء موجودٌ بالأساس لأجل الحصول عليها، ربما كل ما نفعله وسيلة للبحث عن المتعة، بدايةً من تحضير فنجان قهوة حتى السفر بين الكواكب.
وبعد هذا كله عنها، وهو ليس كل شيء، أكتفي بها سببًا، مع أنَّ لي أسبابٌ أخرى، بماذا تفيدنا قراءة القصص والروايات، هناك أفكارٌ أخرى تتعلَّق بفَهْمِنا للعالمِ وأنفسنا، و…، لكنني أحب أن أكتفي هنا بها: “المتعة”، بكل ما تحمله، وكل مُمْكِناتِها واحتمالاتها ووعودها، ومع هذا الوعد هي ليست كل ما نحصل عليه من قراءة القصص والروايات.
المتعة ليست “المتعة” كما يراها كثيرون، وكما لا يعرف عنها كثيرون.
مَهْما كانت صغيرة، فهي كبيرة.
والسؤال الحقيقي: بماذا يفيدنا العالم لو أنه ليس مكاناً للمتعة؟







