حدث/سيحدث هذا اليوم/الغد

abd alazeez diab

عبد العزيز دياب

   توطئة

   حدث هذ اليوم منذ عدة دقائق أو ساعات، أو سيحدث بعد عام أو عامين، طالما أن الشوارع لازالت تموج بأشرار وجوههم تطفح بالغيظ، طالما أن الشوارع تموج بواحد مثلى: كل هذه معطيات تقول إن ما أرويه لكم إن لم يكن قد حدث فإنه سيحدث كثيرًا… كثيرًا.

   يبدو أنني إلى الآن لم أقل ما الذى حدث أو الذى سيحدث، لذلك انصتوا إليَّ جيدًا يا سادة واسمعوا فهذه مقدمة يمكن تجاوزها، لذلك اعتبروا أنني لم أقل شيئا ودعوني أبدأ من جديد.

   على هامش الحكاية

   صوت لشخص يغمغم لا أدرى اعتراضًا، أم احتجاجًا، أم عداءً، لكن السامعين انقذوا الموقف رجموه بحرفين: هش….هشششش.

   “تكلم يا سيد… لا تحفل بهذا القزم”، قال القوم، ولا أعرف لِمَ وصفوه بالقزم رغم أنه طويل، متين البنية وهذا ما كان يزعجني.

   تفاصيل الحكاية التي يمكن تجاوزها هى الأخرى وليذهب كل واحد إلى حال سبيله.

   لا يهم الزمان فما حدث يمكنه أن يحدث في الصباح، أو الظهيرة، أو ساعة الأصيل، في المساء… لا يهم كذلك المكان، أي مكان، أي شارع بتأكيد سيسمح بمرور أحد الشّبيحة، أحد البلطجية، أو النَّوَرْ، ليس من الضروري البحث عن اسمه أو لقبه، لا لأنه سيكون مزعجًا- فلن يتجاوز اسم بلطجي أسماء مثل “أبو شفة” أو “جناية” أو “شفرة”- إنما لأننا لسنا بحاجة إلى معرفته، المهم أن مرور هذا الشَّبيح لن يكون مرورًا عاديًا. 

   اندفع أحد الحمقى: قد تصحبه تشريفة!

   تجاوزت عن كلام هذا الصبى واستكملت حديثي: أشار الشَّبيح ساعة مروره بالشارع لصاحب حانوت فأتاه بكرسي جلس عليه، لوح بسلاح في يده أظن أنه طبنجة، أو غَدّارة كما تطلق عليها قبائل الصعيد الجواني أو البراني، منع بها مرور الناس سواء كانوا رائحين أو غادين، سواء كانوا عن يمينه أو عن شماله، الكل امتثل لأمره، تكدسوا عند الحد الفاصل مكان جلوسه بمسافة ثلاثة أمتار ما بين هؤلاء وأولئك، ما بين الرائحين والغادين، مساحة يمكن تقديرها بثلاثين مترًا مربعًا لو افترضنا أن عرض الشارع عشرة أمتار.

   بعد فترة من الصعب تقديرها، اكتنفها الصمت والترقب بدأ المشهد يهتز اهتزازات حميدة، تتجاوز مجرد مشهد لبلطجي يمنع الناس عن المرور، كانت البداية عندما أتاه شخص ذو ابتسامة واسعة بكوب شاي من المقهى وطاولة كريمة وضع فوقها الشاي.

   ذلك الشخص شَجَّعَ آخر بأن أتى بعلبة “بريل” طازجة وأشعل للشبيح سيجارة من ماركة إل إم زرقاء، ولوح بكفيه كبطل شعبي جسور.

   جاء ثالث وألقى على مسامعه ومسامع كل المحتجزين على الجانبين نكتة فجة. هزيلة. ماسخة، البلطجي هو الوحيد الذى ضحك ضحكة. كثيفة. مفرطة انقلبت إلى قهقهات باهظة استمرت معه حينا من الوقت تقيأ معها الشاي، وعلبة البريل، ودخان السيجارة.

   بدأ الناس الكلام، كلمة من هنا، وكلمة من هناك، قال الشَّبيح هو الآخر كلامًا، جاء رجلٌ وضع أمامه على الطاولة علبة سجائر مارلبورو، تجرأ قائلا: حدثنا عن نفسك.

   تلك كانت لحظة فاصلة للشَّبيح، شيء ما اعتمل بداخله، تأمل الجمع الكريم عن يمينه وعن شماله كمن سيروى سيرة أبى زيد أو الزير سالم، من طبقة صوتية خافتة بدأ الحديث. تحدث كأنه لم يتحدث من قبل، تحدث عن نفسه صبيًا يلهو بريئًا وحالمًا، يعشق مشاكسة الطيور والقطط، يركض وراء الفراشات والجراء والعنز، فى الليل يحلم بألعاب كثيرة ودبادب، طلبنا منه أن يتحدث عن نفسه شبيحًا، أن يحكى عن جسارته، عن “السنجة” عندما تكون بيمينه، عن شعره الأشعث، غموض شاربيه ولحيته التى تغطي جروحًا شرسة، عن رعشة صوته وعنفوانه عندما يفر البشر المسالمون الطيبون من أمامه.

   حاول أن يتحدث عن نفسه محبًا، طلبنا منه أن يتحدث عن نزواته، غزواته الجنسية، النساء اللاتى ضاجعهن، أو اللاتى قبلهن قبلات سريعة إلى أن تأتى مواعيد اللقاء.

   طلبنا منه أن يتحدث عن الشر الكامن بداخله، قال أحدثكم عن أصدقاء المدرسة، عن أيديهم التى ابيضت من الطباشير، الديدان التى كانت طُعْمًا لسنانير لصيد ألأحلام وصغار السمك، عن مشاكسة المدرسات وكتابة رسائل غرامية لا تعرف الطريق لساعى البريد.

   بل حدثنا عن رفاق السجن، اضطر مرغمًا ارتعشت شفتاه وهو يصف كيف كان يضرب بالسيف فيقطع ذراعًا، أو يفلق رأسًا، أو يفتح بطنًا..

   صاحب المقهي أتي بطاولة إضافية لتوضع فوقها كل المنح والهدايا: ساعة ماركة سيتزن، خاتمان فضيان وآخر ذهبي، جهاز تلفون نَقَّال ماركة سامسونج جالاكسي، سلسلة فضية، علبة سجائر (إل إم) وأخرى (كيلوبترا)، قرش حشيش، ورقة مالية حمراء وأخرى خضراء.

   زحف شخص يتمتع بِصَلْعَة طَيّبّة، أصبح على مقربة منه، قذف طُرْفَةً باتجاهه، زحف آخر ورَصّ موالا، حركة حثيثة اقترب خلالها كل الحضور، ضَيَّقوا المسافة الفاصلة، واتسعت مساحة أخرى للحديث والحكايا، وإطلاق النكات، والموعظة، والشعر.

   دونما أن يطلب منه أحد أتي القهوجي بطاولة ثالثة، ورابعة وخامسة لتسع كل الهبات والهدايا التي اشتملت كل شيء: خضار. فاكهة. لفافة لحم بتلو طازج. لعب أطفال. وكتب. أجهزة اكترونية. أدوات مطبخ. ملابس. عطور.

   اكتفى الرجل بهذا القدر، ترك مقعده، حمل هداياه وغادر المكان. غادر الشارع، لكن القوم ما زالوا جلوسًا على الجانبين بفاصل صغير حافظوا عليه، لم يفكر أي واحد منهم أن يغادر مكانه ويستأنف المسير.

   “يا قوم. لقد غادر الشَّبيح. هيا كلٌ إلى حال سبيله”، هكذا هتفت فيهم.

   لم يتزحزح أي واحد منهم، فلم أجد أمامي إلا أن امتطي المقعد، نفس مقعد الشَبّيح، أحدثهم عن نفسى، عن مساحات الشر العريضة بداخلي، أتلقى شايهم، وعصائرهم، ونكاتهم، وحكاياهم، أتلقى هداياهم الكثيرة الثمينة، أطلب من القهوجي أن يأتيني بطاولة، بعدها طاولة، بعدها….

   استخلص لنفسي كل هداياهم، أحملها وأغادر المكان…  

 

 

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع