أماني القصاص
في لحظةٍ بعيدةٍ لا نعرف متى بدأت، يتسلل الألم إلينا دون استئذان، لا كحادثٍ عابر، بل كإقامةٍ دائمة داخل الروح يكبر معنا، يتشكل في ملامحنا، يختبئ في نبرة صوتنا، ويترك على أجسادنا علاماتٍ لا تُرى بالعين بقدر ما تُحس بالقلب فهناك، في تلك المسافة الخفية بين ما عشناه وما لم ننجُ منه، يكتب وحيد الطويلة روايته سنوات النمش، كأنها محاولة أخيرة لفهم هذا الأثر الباقي أو ربما للاعتراف به.
في هذا العمل الصادر عن المحرر للنشر والتوزيع، لا يقدّم الطويلة حكاية تُروى بقدر ما يكشف طبقاتٍ من وجعٍ إنساني متراكم، ينساب بهدوءٍ قاسٍ داخل النفس، حتى يبدو وكأنه جزءٌ أصيل منها ليست الرواية هنا بحثًا عن حدث، بل عن أثر، عن تلك البقايا التي لا تغادرنا مهما حاولنا النجاة.
منذ البداية، ندرك أننا أمام نص لا يمنح قارئه رفاهية المسافة فاللغة مشغولة بعناية، لكنها ليست متكلفة؛ لغة تنبض، ترتجف، وتهمس أكثر مما تصرخ. يكتب الطويلة بوعيٍ جمالي عالٍ، يجعل كل جملة تبدو وكأنها خرجت من قلب التجربة نفسها، لا من خارجها. وهذا ما يمنح الرواية صدقها النادر؛ فهي لا تُحكى، بل تُعاش.
“النمش” هنا ليس تفصيلًا عابرًا، بل مفتاحًا دلاليًا عميقًا ، هو أثر الزمن حين يمرّ على الجسد لكنه أيضًا أثر ما لم يلتئم ويتحول النمش إلى استعارة كبرى لذاكرةٍ لا تُمحى، لندوبٍ صغيرة لكنها متكررة، حتى تصير ملامح كاملة. كأن الجسد نفسه يتحول إلى دفترٍ مفتوح، تُكتب عليه الحكاية دون إذنٍ من صاحبها.
الشخصيات في “سنوات النمش” ليست بطولاتٍ مكتملة، بل كائنات هشّة، مترددة، متورطة في إنسانيتها لا أحد نقي تمامًا، ولا أحد شرير بالمعنى البسيط. الجميع يتحركون داخل منطقة رمادية كثيفة، حيث تختلط الرغبة بالخوف، والحب بالأذى، والحنين بالخذلان. وهذه المنطقة تحديدًا هي ما يمنح الرواية عمقها إذ لا تُصدر أحكامًا، بل تفتح باب الفهم.
يختار الطويلة أن يبتعد عن الخطية التقليدية للسرد ،فيبني نصًا أقرب إلى التدفق الشعوري الزمن هنا ليس مستقيمًا، بل متكسر، يعود إلى الخلف، يقفز ويعود كما تفعل الذاكرة تمامًا. وكأن الرواية ترفض أن تكون مرتبة، لأن الألم نفسه لا يُروى بترتيب. هذا التفكك ليس ضعفًا بل اختيار واعٍ يمنح النص صدقه الإنساني العميق.
وفي مستوى أعمق تشتغل الرواية على فكرة “الأثر الممتد” كيف يمكن لجرحٍ صغير في الطفولة أن يتحول إلى قدرٍ كامل في الحياة كيف نحمل داخلنا نسخًا قديمة من أنفسنا لم تنمُ ولم تشفَ، لكنها تواصل العيش فينا وتتحكم أحيانًا في قراراتنا دون أن ندرك هنا يتحول النص إلى مرآة، لا نرى فيها الحكاية فقط، بل نرى أنفسنا أيضًا.
وحيد الطويلة في هذا العمل، لا يكتب عن العلاقات بوصفها ملاذًا بل كمساحات معقدة قد تكون أحيانًا مصدر الألم الأكبر يقترب من العلاقات الإنسانية بجرأة يكشف ما فيها من هشاشة وخوف واحتياج دون أن يسقط في التبسيط أو الإدانة إنه يفكك هذه العلاقات بحساسية كما لو كان يحاول أن يفهمها لا أن يحاكمها.
اللافت أيضًا هو قدرة الرواية على خلق لحظات كثيفة من “اللاحدث” الصمت، النظرة، التفصيلة الصغيرة فكلها تتحول إلى لحظات مشحونة بالدلالة كأن الحياة الحقيقية لا تكمن في ما نقوله، بل في ما نعجز عن قوله وهذه المساحات الصامتة هي ما يمنح النص نبرته الخاصة، وعمقه الذي يتسلل بهدوء إلى القارئ.
ومن زاوية نقدية، يمكن قراءة “سنوات النمش” كجزء من مشروع طويل لدى وحيد الطويلة، يقوم على تفكيك الداخل الإنساني، وكشف ما يتم تجاهله أو إخفاؤه فهو لا يسعى إلى إرضاء القارئ، بل إلى مواجهته، إلى وضعه أمام أسئلته الخاصة. وربما لهذا السبب تبدو الرواية مؤلمة لأنها صادقة إلى هذا الحد.
كما تنجح الرواية في تحقيق توازن نادر بين الشعرية والواقعية. فهي لا تغرق في الزخرفة، ولا تقع في فخ المباشرة. بل تتحرك بين الاثنين بخفة، تمنح القارئ مساحة للشعور والتأمل في آنٍ واحد وهذا ما يجعل النص مفتوحًا، قابلًا لأن يُقرأ بأكثر من طريقة، وفقًا لما يحمله كل قارئ من تجربته الخاصة.
وفي العمق تطرح الرواية سؤال الهوية بشكل خفي من نكون حقًا؟ هل نحن ما عشناه، أم ما حاولنا نسيانه؟ وهل يمكن أن نبدأ من جديد، أم أن الماضي يظل يسكننا مهما ابتعدنا؟ هذه الأسئلة لا تأتي في شكل مباشر، لكنها تتسلل عبر السرد، وتبقى عالقة في الذهن، كصدى لا يهدأ.
“سنوات النمش” ليست رواية تُغلق بنهايتها. بل على العكس، تبدأ بعد أن تنتهي تترك فينا أثرًا ثقيلًا، لكنه نقي، كأننا خرجنا منها ونحن نعرف أنفسنا أكثر، أو ربما نواجهها للمرة الأولى بصدق.
وفي النهاية، لا يمنحنا وحيد الطويلة عزاءً سهلًا، ولا يقدم خلاصًا جاهزًا. لكنه يمنحنا ما هو أثمن أن نرى، أن نفهم، أن نعترف أن نلمس جروحنا دون أن نهرب منها. وربما، في هذا الاعتراف تحديدًا، تكمن بداية النجاة.









