د. شهيرة لاشين
“أنا لستُ أنا
أنا هذا الشخص
الذي يمشي إلى جواري دون أن أراه
الذي أحيانًا أستطيع أن أزوره
وأحيانًا أنساه
الذي يظلُّ صامتًا حين أتحدث
الذي يسامح بلطف عندما أكره
الذي يذهب في نزهة حين أكون حبيسَ الجدران
الذي سيبقى واقفًا على قدميه حين أموت”
يضع هنا الشاعر الإسباني خوان رامون خيمينيث فكرة بسيطة لكنها مربكة؛ وهي أن الإنسان ليس واحدًا كما يظن، وأن هناك دائمًا جزء منه يراقب من بعيد، أو يتأخر، أو لا يظهر أصلًا. هذا الإحساس لا يأتي بشكل واضح، لكنه يترك أثرًا خفيفًا يجعل علاقتنا بأنفسنا أقل استقرارًا.
في لحظاتٍ بعينها، مثلًا، نشعر بفراغٍ يحيط بنا، رغم أن كل شيء يبدو طبيعيًا في الظاهر. هذا الفراغ لا يغير شكل الأشياء، لكنه يبدل طريقة رؤيتنا لها، ويُنشئ إحساسًا بخللٍ يصعب تحديده، ينعكس على درجة تفاعلنا معها. خللٌ يجعل الواقع أقل وضوحًا، وأقل قابلية للاعتماد عليه كما كان، وفي اللحظة التي ندرك فيها هذا الخلل، وننتبه إلى هذا الفراغ ونتعرف عليه، نكون قد بدأنا بالفعل في ملئه.
من هذا المدخل يمكن قراءة مجموعة «فراغ أبيض بحجم كائن مختفٍ» للقاص والروائي المصري فؤاد مرسي، الصادرة عن دار سنابل عام 2021، إذ تنفتح قصصها على العوالم الداخلية للإنسان، حيث تتشكل التحولات في هدوء وتتحرك في العمق بعيدًا عن سطح الأحداث. ومن لحظة وعي الإنسان بهذا التغير تتبدل أسئلة الذات ويتحول حضورها في العالم، بما يدفعه إلى إعادة صياغة نظرته إلى نفسه وإلى كل ما يحيط به.
يضع العنوان القارئ منذ البداية داخل مفارقة دلالية كثيفة، حيث يتجاور الفراغ مع البياض، ويحضر الكائن عبر اختفائه، فيتحول الغياب إلى حضور خافت يمكن الإحساس به أكثر مما يمكن تحديده. اللافت أن الكاتب يتعامل مع الفراغ كخبرة معيشة تتشكل داخل الوعي اليومي، لا كفكرة مجردة أو مفهوم نظري، وعلى هذا الأساس يتكشف لنا أثناء القراءة أن هذا الفراغ يتسلل إلى لغة القصص، ويعيد تشكيلها هي نفسها من الداخل. ومن هنا تصبح اللغة نفسها حاملة لأثر التجربة، حيث تميل إلى الإيحاء وتفتح مساحات من الصمت تسمح بتكثيف المعنى، فتقترب الجمل من التلميح وتبتعد عن التفسير المباشر، بما يجعل القارئ شريكًا في إنتاج الدلالة.
ومع هذا التشكيل اللغوي يظهر الفراغ عنصرًا فاعلًا في بنية النص، يوجه حركة السرد ويمنحه إيقاعًا خاصًا ينعكس على طريقة بناء القصص وتوزيع توترها، حتى تبدو وكأنها تتحرك داخل مجال من التوتر الهادئ الذي يعكس طبيعة التجربة الإنسانية التي تنشغل بها المجموعة.
وقد قُسمت المجموعة وفق نسق دلالي يبدأ بـ«فراغ أول، ثم فراغ ثان، وفراغ ثالث، وفراغ لا نهائي». يبدو هذا التقسيم في ظاهره شكليًا، إلا أنه في الحقيقة خريطة نفسية وفلسفية ترصد تحولات الوعي الإنساني وهو يقترب من مناطق الهشاشة، ثم ينجح أو يخفق في عبورها، غير أنه في كلتا الحالتين يعيد تشكيلها من جديد، فتتحول هذه الفراغات إلى حالات وجود، وإلى مستويات متعددة من التماس مع الفراغ كتجربة داخلية تعيشها الشخصيات، في عالم يجاور حافة الجنون ويلامسها.

فراغٌ أول
يضم هذا القسم أربع قصص: «فراغ أبيض بحجم كائن مختفٍ»، «رائحة سكر محروق»، «الاستراحة»، «كباش برباره». في هذا الجزء يتكون الوعي داخل لحظة ارتباك أولى؛ حيث تبدو الحياة محتفظة بملامحها المألوفة، بينما يتبدل الإحساس بها على نحو تدريجي، ما يجعل الشخصيات تعيش توترًا داخليًا لا يرتبط بحدث محدد، لكنه كما قلنا يتولد من شعور بوجود خلل ما لا يمكن تحديده بدقة. هذا القلق المنتشر يعكس بداية تشقق العلاقة بين الذات والعالم، ويكشف عن وعي لم يعد قادرًا على الاندماج مع المجتمع، أو التسليم بالواقع بكل ما يحمله من أزمات ومشاكل، أو حتى الاستسلام لحالة الفشل أو الضجر التي قد يُجرّ إليها.
اخترتُ قصةً واحدةً من كل قسم لتناولها بالتحليل والتفكيك، باستثناء القسم الثالث الذي تناولتُ منه قصتين لارتباطهما بمكانٍ واحد هو القطار، كما كان اختيار القصة من القسم الأخير، الذي يمثل الفراغ اللانهائي، للسبب ذاته، بغية الوصول إلى المعنى الذي يطرحه الكاتب داخل هذا المستوى من البناء السردي. وقد وقع الاختيار على قصة «كباش برباره» من هذا القسم.
تدور القصة حول رجل فشلت محاولاته المتكررة للانتحار. وبسبب حالته تلك ورغبته في العزلة، يصر أصدقاؤه ويلحون عليه أن ينضم إليهم في رحلة نيلية، فيوافق على مضض، ويحمل معه ملفًا يضم أوراقًا كان قد أوصى بنشرها بعد موته. خلال الرحلة يخطف كبش الكيس الذي يحتوي على الأوراق، وبينما كان الرجل يسير طوال الطريق بجانب رفاقه، يستند إليهم حينًا ويتعثر حينًا آخر، فإنه في لحظة فقدان الملف يستعيد فجأة قدرًا من الحيوية وهو يطارد الكبش. تتطاير الأوراق وتضيع، فينفجر ضاحكًا. وفي النهاية يموت بهدوء وعلى وجهه ابتسامة، بينما تستمر الحياة من حوله بلا اكتراث.
تقوم هذه القصة على مفارقة وجودية حادة، إذ يسعى الرجل إلى الموت بإصرار عبر محاولات متعددة ومدروسة مثل تناول الدواء، والموت بالغاز، والقفز في النهر، غير أن محاولاته تفشل في كل مرة، وكأن شيئًا ما يؤجل النهاية، فيُبقيه عالقًا هكذا في منطقة رمادية بين الحياة والموت. تفتح هذه المفارقة أفقًا تأمليًا حول عبثية الوجود، وحول التوتر العميق بين رغبة الإنسان في وقف معاناته واستمرار الحياة في إعادة إنتاجها، عبر مسارات عشوائية وغير متوقعة تعيد تشكيل الفعل وتمنع اكتماله كما يُراد له.
في هذا السياق تتكون علاقة ملتبسة بين المجتمع والفرد، حيث يبدو المجتمع امتدادًا للحياة اليومية في خفتها وبداهتها، بما تحمله من سفر وضحك وطعام وشراب واحتفاء بالآني. في المقابل يظهر الرجل في حالة انفصال داخلي عنه، فلا يندمج في إيقاعه ولا يتجاوزه، ويظل خارج توازنه الخاص.
وهنا يتعامل المجتمع معه بوصفه جزءًا منه، لا بدَّ من انخراطه في نسقه العام، إذ يُنظر إلى مشاركته في تفاصيل الحياة اليومية، من وجهة نظر أفراد هذا المجتمع، بوصفها قادرة على إعادة صياغة علاقته بنفسه وبالعالم. إلا أن هذا الاحتواء رغم طابعه الودود، يتحول إلى ضغط نفسي شديد على هذا الشخص المنعزل. بهذا يمكن فهم الإلحاح على حضوره ومشاركته كمحاولة لإعادة ترتيب موقعه داخل نموذج واحد للعيش، وإزاحة المسافة التي تفصل تجربته الخاصة عن الإيقاع الجماعي، إذ يفترض المجتمع قابلية التجربة الإنسانية للتعميم، وأن خفة الوجود يمكن أن تمتد إليه كما تمتد إلى الآخرين.
في قلب هذا التوتر الذي يعيشه هذا الشخص، يظهر الملف كمحاولة أخيرة للنجاة عبر الكتابة. فالرجل وقد تعثر في إنهاء حياته يسعى إلى تثبيت أثره، إلى ترك معنى مؤجل يُقرأ بعد غيابه. هنا تستدعي القصة تصور جان بول سارتر للكتابة كفعل حرية، وكطريقة لانتزاع معنى من العدم.
من سوء حظ الرجل أن هذا الأمل يتعرض لانكسار عبثي حين يتدخل الكبش، فيخطف الكيس ويلتهم محتوياته، لتتبدد الأوراق في الهواء أو في جوفه أو في العدم الذي سيذهب إليه بعد قليل. تمثل هذه اللحظة ذروة دلالية، حيث تتحول الطبيعة إلى قوة لا مبالية، تمحو أثر الإنسان دون قصد أو عداء، وكأنها تسخر من وهم الخلود الرمزي الذي يسعى إليه الإنسان، وتضعه أمام عبثية تتجاوز فكرة المعنى ذاته.
غير أنَّ المفارقة الأكثر عمقًا تتجلى في التحول الجسدي للرجل أثناء مطاردته للكبش. ففي اللحظة التي يوشك أن يفقد فيها آخر ما يربطه بفكرة الموت المؤجل، أي الملف، يستعيد جسده حيويته، فيركض ويُناور ويتشبث بالحياة في حركة تكاد تناقض تاريخه القريب مع الموت. كأن الجسد في لحظة قصوى، يعلن تمرده على وعيٍ مثقل بالعدم، ويكشف أن إرادة البقاء قد تكون أعمق وأكثر رسوخًا من كل تأمل فلسفي في الموت.
حين تنتهي المطاردة ويضيع كل شيء، ينفجر الرجل في ضحك متواصل. هذا الضحك لا يبدو انهيارًا نفسيًا بقدر ما يبدو تحررًا من عبء المعنى ذاته. إنه يقترب من ذلك الوعي الذي تصوره أسطورة سيزيف، حين لا يعود الإنسان في حاجة إلى تفسير العالم أو تبريره، وإنما يكتفي بمواجهته في عريه الكامل. لقد فقد الرجل كتاباته وصوته المؤجل وإمكانية أن يُفهم بعد موته، ولم يتبق له سوى هذه اللحظة الحاضرة التي يواجهها بالضحك، بوصفه قبولًا نهائيًا بعبثية الوجود.
يأتي الموت في النهاية هادئًا، مصحوبًا بابتسامة صافية، كنتيجة طبيعية لهذا الانكشاف. وهو أقرب إلى مصالحة أخيرة، أو استسلام هادئ بعد تلاشي الأوهام كلها؛ وهم الخلاص ووهم الأثر وحتى وهم الفهم. وفي الخلفية تستمر الحياة دون اكتراث، إذ لا يمنح العالم مآسي الأفراد أي امتياز خاص، وتمضي الحياة في بساطتها اليومية، ينضج اللحم ويتصاعد بخاره، ويبقى أصدقاؤه داخل إيقاعها العادي لا ينتبهون إلى موته، ولا يتوقفون عنده فيما بعد، وتستمر الحياة في حضوره وغيابه على السواء.
بهذا المعنى، تقدم القصة سؤالًا مفتوحًا حول ما إذا كان المعنى قابلًا للمحو، وحول ما إذا كان الموت ذاته يمنح خلاصًا واضحًا. فإذا غاب هذا اليقين فما الذي يتبقى؟ ربما يتبقى أثر اللحظات العابرة التي عاشها الرجل حين ركض، وحين ضحك، وحين نظر إلى السماء.

فراغٌ ثان:
مع الانتقال إلى «الفراغ الثاني» الذي يضم قصص: «رفيف أجنحة الحمام»، «نقطة ارتكاز»، «مقهى الحرية»، «الأسطى رجاء»، «جثمان مُمدد على الرصيف بارتياح»، يتخذ هذا الاضطراب هيئة أكثر رسوخًا، إذ تبدو الشخصيات وكأنها تقيم داخل حالة من الخواء الممتد، ويتحول القلق إلى خلفية ثابتة للتجربة، بينما يتراجع الدافع نحو الفعل، لتأخذ الرتابة والركود موقعًا مركزيًا في بنية الوجود.
الزمن في هذا المستوى يفقد حيويته، ويتحول إلى امتداد متشابه، تتكرر فيه الأفعال دون أن تترك أثرًا يُذكر. كما تقترب النصوص من تصوير حالة اكتئاب وجودي، حيث ينفصل الفرد عن العالم، ويعيش داخله بوصفه مساحة بلا معنى. يواكب السرد هذا التحول فيتباطأ إيقاعه وتتكرر بنياته، بما يعكس ثقل التجربة التي تعيشها الشخصيات، ويعيد إنتاج الإحساس بالامتداد الباهت للزمن داخل النص.
من بين قصص هذا القسم نتوقف عند قصة «الأسطى رجاء». تبدأ القصة بدخول الراوي إلى محلها لتفصيل ملابسه، حيث تتعامل معه بهدوء وثقة كأي ترزي رجل، دون ارتباك رغم قربها منه أثناء أخذ المقاسات. خلال ذلك، يسترجع الراوي ما يُروى عنها من حكايات مختلفة حول طفولتها، وأنها تُركت وهي صغيرة عند باب مسجد، وتكفل شيخ المسجد بتربيتها مع أطفاله الذكور، لا أحد يعرف الحقيقة، لكن المؤكد أنها عاشت وسط الرجال، وارتدت حياتهم، حتى بدت كأنها واحدة منهم. بعد إغلاق محلها، تحاول الاستمرار في العمل بشكل فردي، لكن نظرة المجتمع إليها تتغير، فتترك المهنة وتشتري “تروسيكل” وتعمل في نقل البضائع. مع مرور الوقت يتوقف الناس عن طرح الأسئلة حولها. وفي النهاية يراها الراوي صدفة، تجلس في أتوبيس الحجاج، ترتدي ملابس بيضاء، بملامح هادئة وابتسامة حزينة. تنظر إليه وتلوح، لتكشف له وجهًا لم يره من قبل.
القصة تتحرك من حدث بسيط؛ زبون يذهب إلى ترزية لأخذ المقاس، لكنه يُفتح تدريجيًا على مساحة أوسع من الأسئلة حول الهوية والجسد ونظرة المجتمع. القصة في جوهرها ليست عن رجاء كشخص، بقدر ما هي عن سؤال فلسفي عن ما الذي يحدد هوية الإنسان؟ هل هو الجسد أم الدور الاجتماعي أم اختيار الفرد؟
ومن هنا نرى أن أول زاوية يطرحها الكاتب هي زاوية الهوية. رجاء تعيش بهوية ذكورية مكتسبة، لا يهم إن كانت مجبرة أو مختارة، المهم أنها استطاعت أن تفرض هذه الهوية على المجتمع، حتى صار يتعامل معها وفقها. في المقابل، يظهر المجتمع كقوة تسعى دائمًا إلى تثبيت المعنى، عبر تعدد الحكايات عنها، في محاولة لإخضاعها لتفسيرٍ مألوف. كل رواية تُعيدها إلى قالب أما ضحية، أو مذنبة، أو شاذة، أو منتقمة.. إلخ، لكن رجاء تفلت من كل هذه القوالب، فتظل خارج التعريف.
الزاوية الثانية هي الجسد بوصفه موضع توتر، مشهد أخذ المقاسات يكشف هذا بوضوح، فالجسد حاضر بقوة، لكن التعامل معه مهني ومحايد من طرف رجاء، بينما يظل الراوي مشدودًا ومرتبكًا. هذا التفاوت يبرز الفجوة بين نظرة رجاء العملية إلى الجسد، ونظرة المجتمع المشحونة بالمعاني والحرج. رجاء ليست رجلًا بالكامل ولا امرأة بالكامل في نظر الآخرين، هي كيان عالق بين هذه المنطقة البينية، التي هي مساحة قلق وحرية معًا؛ قلق يرتبط بغياب تعريف ثابت، وحرية تنشأ من عدم التقيد به. تدفع رجاء ثمن هذا الوضع، وفي الوقت نفسه تنال استقلالًا لا يملكه الآخرون.
أما الزاوية الثالثة فهي نظرة المجتمع إلى الآخر المختلف. في البداية يظهر فضول وشائعات وتردد في التعامل معها، خاصة عندما تبدأ العمل بشكل مستقل. ومع الوقت يتحول هذا الرفض إلى نوع من التعايش الصامت؛ فالمجتمع لا يتقبلها بالكامل ولا يرفضها بالكامل، لكنه يضعها في منطقة وسطى. هذه المنطقة تكشف آلية اجتماعية شائعة تقوم على تحييد المختلف بدل فهمه.
أما الزاوية الأخيرة فتظهر في المشهد الختامي الذي يعيد ترتيب دلالات القصة. ظهور رجاء بملابس نسائية أثناء رحلة الحج لا يُقدَّم كتوبة أو عودة نهائية إلى الأنوثة، وإنما كاحتمال آخر ضمن احتمالات وجودها. وكأن النص يشير إلى أن الهوية ليست ثابتة، وأن الإنسان قد يحمل طبقات متعددة من الذات تظهر تبعًا للسياق، دون وجود جوهر نهائي يمكن تثبيته.

فراغٌ ثالث:
يصل مسار المجموعة القصصية في الفراغ الثالث إلى عمق نفسي متزايد، حيث لا يقتصر التآكل على العلاقة بالعالم الخارجي، وإنما يمتد إلى بنية الذات نفسها. يضم هذا القسم أربع قصص: «الهازم والمأزوم»، «القصير والبدين»، «صوت غليظ خشن، لامرأة بدينة سمراء، متغضنة الوجه»، و«مبنيان متلاصقان». تتلاشى ملامح الشخصيات هنا رغم حضورها الحاد، لتتحرك داخل العالم دون أن تمتلك مركزًا أو غاية. تعيش هذه الشخصيات حالة من التفكك النفسي، تراقب نفسها من الخارج دون قدرة على التفاعل الحقيقي، فيتراجع حضورها كذات قادرة على إنتاج المعنى، ويحل محله وجود هش ومبعثر.
وقد تم اختيار قصتين من هذا القسم لارتباطهما بمكان واحد هو القطار، وبوصفهما تمثيلًا لهذه الحالة، حيث يتجلى الفراغ في تفاصيل يومية تكشف اغتراب الشخصيات عن ذاتها وعن العالم.
تدور قصة «القصير والبدين» داخل عربة قطار مزدحمة. يظهر رجل بدين، يتحرك بين المقاعد بحثًا عن مكان، فيفسح له الركاب الطريق بسبب ضخامته ورائحته المنفرة. بينما يجلس في أحد المقاعد رجل قصير ونحيل، يشغل أكثر من مقعد بأغراضه، ويؤكد أن أصحابها سيعودون، ويكرر ذلك لكل من يسأله، بينما يواصل القطار سيره دون أن يظهر أحد. عند وصول الرجل البدين لمربع الرجل النحيل، يزيح الأكياس ويجلس رغم اعتراضه. مع جلوسه تنتشر رائحة قوية تدفع الجالسين إلى النفور. لا يحتمل الرجل القصير الوضع، فيجمع أغراضه ويغادر، تاركًا المكان كاملًا. يستغل البدين هذا الفراغ، فيتمدد على أكثر من مقعد، يدخن في راحة وكأنه مالك للقطار، وكل من يقترب من مربعه يتراجع فورًا بسبب رائحته.
تدور القصة في عربة قطار مزدحمة، وتكشف من داخل هذا المشهد البسيط بنية اجتماعية ونفسية معقدة، مقدمة نموذجين مختلفين للسيطرة. الرجل القصير يحاول الاستحواذ على المكان عبر الكذب؛ يحجز مقعدين بحجة غياب أصحابها، ويكرر الرواية نفسها دون أن يتيح فرصة لمناقشتها. هذا السلوك يعكس نمطًا اجتماعيًا قائمًا على التحايل، حين يمدد الفرد حدوده على حساب الآخرين، مستفيدًا من صمتهم أو ترددهم. في حين يأتي الرجل البدين بشكل مباشر، لا يبرر ولا يناقش ويزيح ما يعترضه ويجلس. هو لا يحتاج إلى حيلة، لأن حضوره المادي نفسه يصبح وسيلة للسيطرة.
الصدام بين الاثنين يكشف هشاشة السيطرة القائمة على الكذب. الرجل القصير يفقد موقعه بسرعة، لأنه يعتمد على قبول الآخرين لروايته، بينما البدين يفرض نفسه دون انتظار هذا القبول. هنا تطرح القصة فكرة أن كثيرًا من أشكال السلطة اليومية قائمة على اتفاق ضمني يمكن كسره بسهولة إذا ظهر من لا يعترف به.
اللافت أن الركاب لا يعترضون على سلوك البدين رغم تعديه الواضح، وينسحبون ببساطة. الرائحة الكريهة تلعب دورًا حاسمًا هنا؛ وتصبح أداة سيطرة ووسيلة ضغط تدفع الآخرين إلى الابتعاد. يختار الأفراد حماية أنفسهم بالانسحاب، حتى لو خسروا حقهم في المكان، ما يعني أن المجتمع الذي يرفض هذا الجسد، يمنحه في الوقت نفسه مساحة أوسع لأنه يتجنبه.
كما يظهر الراوي نموذجًا للوعي السلبي، هو يدرك ما يحدث ويتابع المشهد لكنه لا يتدخل، كل ما يفعله أنه يترك مكانه ويكتفي بالمراقبة. في النهاية تنتهي القصة بمشهد البدين يحتل أربعة مقاعد، والآخرون يقتربون ثم ينسحبون. هذا الفراغ هو نتيجة مباشرة لسلوك جماعي قائم على التراجع.
أما قصة «صوت غليظ خشن، لامرأة بدينة سمراء، متغضنة الوجه»، والتي تدور في عربة قطار أيضًا، تبدأ أحداثها بجلوس رجل يدخن بهدوء، وأمامه امرأة بدينة سمراء تراقبه بضيق. ما إن يهم بإشعال سيجارة جديدة حتى تهاجمه بصوت غليظ خشن، معترضة على تكرار التدخين، لكنه يتجاهلها تمامًا ويشعل سيجارته ببطء واستمتاع. يبدأ بينهما جدال، تنتقد فيه إسرافه على السجائر، فيرد عليها بالحديث عن ابنهما الذي ينفق أكثر منه بشراء سجائر مستوردة. فجأة يدخل في نوبة سعال حادة تكاد أن تخنقه، والمرأة تراقبه ببرود. وما إن يهدأ حتى ينهض متجهًا إلى الحمام على عجل. بعدها يأتي الكمساري ويطلب التذكرة من المرأة، فتخبره أن زوجها يحملها. يرفض الانتظار ويهددها بتسليمها للشرطة، فتبدأ في الانهيار. يرفض الكمساري مساعدة الركاب لها، ويجلس على المقعد قبالتها، يراجع دفتر التذاكر وينفث دخان سيجارته في وجهها. يعود الزوج ويتبادل التحية مع الكمساري بشكل يوحي بمعرفة سابقة بينهما، ثم يجلس ويقدم له سيجارة، في مشهد يكشف أن ما حدث هو اتفاق ضمني بينهما.
هذه القصة بسيطة في حكايتها، لكنها تفتح مساحات واسعة للقراءة من زوايا متعددة، لأن كل تفصيلة فيها محملة بدلالة. بدايةً من فكرة التواطؤ التي تتحرك حولها القصة. الجميع متواطئون على نحو ما؛ الرجل يفتعل المشكلات ويلوذ بالتدخين، المرأة تهاجمه وتبقى في مكانها، الكمساري يمارس سلطته بتلذذ، والركاب يتدخلون لنجدة المرأة ثم ينسحبون. حتى الراوي يكتفي بالمشاهدة. هنا عالم يتشكل في صورة فوضوية وعبثية، لا يتجه نحو إيجاد حل أو مخرج لما هو فيه.
نحن أمام علاقة زوجية قائمة على احتكاك دائم. يفضحها الحوار بينهما، إذ يكشف نمطًا من العيش المشترك فقد دفئه، وبقي فيه الاعتياد فقط. كل طرف يرى الآخر عبئًا؛ الرجل يسخر من المرأة، وهي تهاجمه بلا توقف. ومع ذلك يظلان معًا، لأن الرابط بينهما يتصل بضرورة اجتماعية أو اقتصادية.
نلاحظ أن الرجل يستخدم التدخين كفعل تعويض، فتتحول السيجارة إلى وسيلته للسيطرة على توتر داخلي واضح. رعشة أصابعه قبل إشعالها ثم هدوؤها بعدها، الضحك المبالغ فيه ثم نوبة السعال، يقدمان صورة جسد ينهار تدريجيًا، ومع ذلك يستمر في ما يؤذيه. يتشكل هنا عناد تجاه الذات، أو ميل إلى إهمالها. في مقابل ذلك تبدو المرأة قاسية ومباشرة، وفي العمق تتحرك من قلق عملي يتصل بالحاجة إلى المال، وبفكرة تجهيز شقة لابنهما.
ترسم القصة صورة لحياة يومية مضغوطة، حيث الأفعال الصغيرة تحمل أثقالًا كبيرة، وحيث تتداخل مناطق الضعف والمصلحة والاعتياد دون حدود فاصلة واضحة. يمثل القطار هنا مساحة مكثفة لطبقة معينة في المجتمع، طبقة فيها فقر ظاهر وأجساد متعبة، وانشغال بتكاليف السجائر والشقة والزواج. الحديث عن الابن يفتح مستوى آخر يتصل بفكرة أوسع عن طريقة العيش، الرجل يميل إلى حساب الكلفة، والمرأة تدافع عن حق الابن في الاستمتاع بالحياة.
مع دخول الكمساري يتغير مسار المشهد، إذ يستخدم سلطته للضغط على المرأة وإذلالها. إصراره على تحصيل التذكرة، ثم نفث الدخان في وجهها، يحملان دلالة على استمتاع ضمني بالهيمنة. في هذه اللحظة تفقد المرأة قدرتها على المواجهة، ويخفت صوتها الذي كان غليظًا وقويًا في بداية القصة. ينتهي المشهد دون حسم واضح، الكمساري يواصل عمله، الزوج يستقر في مكانه، والمرأة تظل صامتة. ما حدث ليس استثناءً، هو نمط من أنماط الحياة المتكررة؛ نمط يومي تتحرك فيه العلاقات بين سلطة حاضرة، وأفراد يتكيفون معها، ومساحات تفاهم تتشكل خارج القواعد المعلنة.
عند وضع القصتين جنبًا إلى جنب، يظهر خيط مشترك يتجاوز اختلاف التفاصيل. المكان العام يتحول في الحالتين إلى ساحة لإعادة توزيع السيطرة. في الأولى تظهر السيطرة عبر الجسد والرائحة والحيلة، وفي الثانية تتوزع بين الجسد والقانون والعلاقة الزوجية والسلطة المؤسسية. تنتهي الحالتان إلى نتيجة واحدة، انسحاب تدريجي للآخرين وتكيفهم مع الواقع المفروض.
يمكن قراءة القصتين معًا باعتبارهما تأملًا في هشاشة النظام الاجتماعي اليومي. تظهر السلطة في صورة شبكة من السلوكيات الاجتماعية، مثل كذبة الرجل النحيل عن المقعد المحجوز، ورائحة الرجل البدين التي تدفع الآخرين إلى الابتعاد عنه، وسيجارة الرجل التي يشعلها في وجه زوجته المعترضة عليه، وموظف يمارس سلطته بتجبر واستعلاء. في هذا المستوى الدقيق، يصبح اليومي نفسه حقلًا لصناعة القوة وإعادة إنتاجها.

فراغٌ لا نهائي:
أما «الفراغ اللانهائي» فيضم قصتين هما «الصورة للذكرى» و«ناظر محطة العريش»، وهو يمثل الأفق النهائي لهذا المسار، حيث يتبدد الإحساس بالوجود إلى درجة يغيب معها حتى الشعور بالفقد. لا تعود هناك ذات تعاني أو تتساءل، ولا زمن يمكن تتبعه، ويأخذ النص شكل تدفق مفتوح على الصمت. في هذا القسم يصبح الماضي حاضرًا بشكل قوي، لتتحول الذكرى إلى مسار مفتوح بلا حدود، ويصبح الفراغ إطارًا شاملًا يحتضن كل شيء بما في ذلك الإنسان ويمنحه حياة وبعدًا بلا نهاية.
في قصة «ناظر محطة العريش» يذهب الراوي مع صديقه إلى شاطئ العريش، مدفوعًا بنداء البحر رغم اقتراب المطر. يصلان إلى مكان مهجور، ليس فيه سوى غرفة قديمة وسيمافور، يخبره صديقه أن هذا كان موقع محطة قطار العريش قديمًا. ومع نزول المطر تجذب انتباه الراوي لوحة فوق باب الغرفة، يمحوها المطر تدريجيًا حتى تظهر كلماتها: “ناظر محطة العريش”. عندها ينكشف قضبان قطار مدفونة تحت الرمال بفعل المطر، ويسمع صوت قطار من بعيد يقترب من المكان. يندفع نحو السيمافور، يتسلقه ومن ثمَّ يرفع إشارة التوقف. يتوقف القطار بالفعل وينزل منه أناس قادمون من الدلتا، ويصعد إليه آخرون من الصحراء.
القصة تتحرك حول لحظة تماس بين حاضر فارغ وماضٍ لم يختفِ تمامًا. المكان المهجور يحمل وظيفة أساسية، وهي أنه يمثل بقايا نظام كان ينظم الحركة بين أطراف مختلفة من المجتمع. وجود الغرفة والسيمافور ولوحة “ناظر محطة العريش” يشير إلى بنية كانت تضبط العبور وتمنحه معنى. اختفاء هذه البنية ترك فراغًا ماديًا ونفسيًا، والراوي يدخل هذا الفراغ دون خطة مسبقة، فقط بدافع انجذاب غامض نحو البحر.
يتصرف الراوي كما لو أنه يستجيب لنداء داخلي مرتبط بالمكان، ابتعاد الصديق لحظة سقوط المطر يعزله ويضعه في مواجهة مباشرة مع هذا النداء. ما يفعله بعد ذلك لا يبدو قرارًا واعيًا بقدر ما هو انجذاب تدريجي؛ يقرأ اللوحة، يلاحظ القضبان، ثم يبدأ في كشفها. الفعل هنا يتصاعد من الانتباه إلى التورط الكامل. استعادة القضبان يمكن قراءتها كحاجة لإعادة ترتيب العالم، أو لإعادة وصل ما انقطع داخله هو نفسه.
القصة تطرح سؤالًا عن الزمن. الماضي لا يظهر كذكرى فقط، لكنه يظهر كإمكانية قابلة للاستدعاء. حين تُكشف القضبان ويُسمع صوت القطار، يصبح الماضي حاضرًا فعليًا. لا يوجد تفسير سببي واضح لهذه العودة، ما يجعل الحدث أقرب إلى تحقق رغبة كامنة في إعادة النظام والمعنى. الراوي يتبنى دور ناظر المحطة فيقوم برفع شارة التوقف، ويملأ الفراغ الذي تركه غيابه.
القطار الحاضر هنا أيضًا في هذه القصة إلى جانب القصتين اللتين جرى تحليلهما، يتخذ صورة حركة أوسع تكشف تبادلًا بين عالمين، الدلتا والصحراء. غياب المحطة يوقف هذه الدورة، وعودة القطار تعيد استئنافها. ما يقوم به الراوي هو إعادة تشغيل آلية كانت تربط بين فئات وأماكن مختلفة، فتضعه القصة بذلك في موقع من يستعيد نظامًا غائبًا، من دون انشغال بسؤال مباشر عن حدود هذا الفعل.
عند النظر إلى المجموعة في كليتها، يتضح أنها لا تقدم نصوصًا منفصلة بقدر ما تبني مسارًا وجوديًا متصاعدًا، يبدأ بخلخلة الإدراك، ويمر بترسخ الخواء، وينتهي بتلاشي الذات والعالم معًا. هذا التدرج يمنح العمل تماسكًا داخليًا، ويجعل من كل قسم مرحلة ضرورية في بناء التجربة. القيمة الجمالية للنصوص تنبع من قدرتها على تحويل المفهوم الفلسفي إلى بنية حسية، وتجسيد الأفكار في اللغة والإيقاع والشخصيات، لتصبح الكتابة نفسها أداة لاختبار الفراغ. بذلك لا تكتفي المجموعة بطرح سؤال المعنى، وإنما تدفع القارئ إلى معايشة غيابه، في تجربة تأملية عميقة تكشف هشاشة الوجود الإنساني، وتعيد النظر في حدود الذات وعلاقتها بالعالم.











