ليس حادثًا بسيطًا

بسمة حسن

لم أستغرب موقف المخرج الإيرانى جعفر بناهي (Jafar Panahi) 1960م، ولكنى دومًا كنت أستغرب موقف السلطة من المعارضين الذين تتم شيطنتهم على الفور، ويُتهمون دومًا بالخيانة والعمالة والانتماء لفرق وجماعات عابثة ومخرِّبة، وكان يزيد استغرابي إذا كانت هذه المعارضة هي معارضة ناعمة تأتي عن طريق الفن والكلمة، ولكي يكون الكلام معقولًا ومنطقيًّا، فالطريق ليس كله مفروشًا بالنوايا الطيبة، والأمر لا يخلو من الأيادي الخبيثة بالطبع، كما أنه على الجانب الآخر أيضًا لا يجب أن نجعل من جميع المعارضين متآمرين.

أطلَّ علينا الأيام القليلة الماضية خبر عن عودة بناهي إلى بلاده وأعادت الحديث عن فيلمه الأخير “حادث بسيط” It Was Just an Accident))، بالتزامن مع احتدام الحرب الأمريكية- الإيرانية الجارية التي تشتعل تارة وتخفت نيرانها تارة أخرى ولا يزال صراعها مفتوحًا، والذي أكد بصدق وبلا أدنى مواربة أنه يقف في صف بلده، بل إنه يحب وطنه ومستعد للتضحية بحياته والموت على أرضه في تجاوز وتحطيم للنظرة العدائية السطحية بين السلطة والمعارضة.

 والمتابع للسينما الإيرانية التي أصبحت تنافس الآن بجدارة الأفلام الأمريكية والأوروبية يعرف جيدًا ما يعانيه صنَّاعها رغم النشاط والتطور الملحوظين في شكلها وموضوعاتها، والتي استطاعت أن تبعث طاقة إنسانية حقيقية مليئة بالدفء والألفة والحميمية النابعة من القدرة على التعبير عن الواقع الإيراني ومشكلاته وعادات أبنائه وتراثهم، لذا فقد لامست المتفرج فاستحقت أن تكمل رحلة الصعود التي بدأتها وتسير فيها بروِّية وتترك فيها بصمتها الواثقة، رغم جرأتها في عرض سلبيات المجتمع الإيراني ونظام الحكم وقبضته الحديدية وقضايا الحريات والمرأة، وذلك على يد العديد من المخرجين الإيرانيين المتميزين أمثال أصغر فرهادي (Asghar Farhadi) وسعيد روستاي (Saeed Roustayi) وغيرهما، وبالطبع جعفر بناهي الذي كان ملاحَقًا دومًا من السلطات الإيرانية بسبب مواقفه السياسية، وصدرت ضده عدة أحكام بالسجن بتهمة القيام بأنشطة دعائية ضد إيران، وقد اُعتقل وسُجن بالفعل أكثر من مرة على مدار أعوام متفرقة، وواجه قيودًا صارمة في عمله ومنعًا من السفر، ولكنه رغم ذلك لم يجحد بلده، ليرينا كيف يمكن للفنان أن يكون معارضًا دون أن يكره وطنه أو يتمنى سقوطه، لأن سقوط الوطن ليس حادثًا بسيطًا.

هنا يظهر الفرق الجوهري بين منطق الحاكم ومنطق الفنان المعارض، فنقد سلبيات الحكم لا يمكن أن يكون نقيضًا للانتماء للوطن، ولكنه تعبير عن هذا الحب بشكل أعمق من مجرد الإذعان والطاعة، لقد كسر جعفر بموقفه تلك الثنائية السلطوية المتصلبة التي تفرض قاعدتها الشهيرة إذا لم تكن معنا فأنت ضدنا، فالسلطة ذات الأفق الضيق لا تستطيع أن تفهم أن الفنان لا يمكن إسكاته، وأنه يتخذ دائمًا من فنه سبيلًا للمقاومة الرمزية وتعزيز الوعي وإحداث تغيير إيجابي يفيد ولا يضر، يُعمِّر ولا يخرب، فحب الوطن لا يعني الصمت والنقد لا يعني الخيانة.

في فيلم “حادث بسيط” الذي أُنتج العام الماضي (2025م) وفاز بجائزة السعفة الذهبية في الدورة الثامنة والسبعين من مهرجان كان السينمائي بفرنسا، انتقد جعفر النظام الإيراني وممارساته الديكتاتورية الاستبدادية تجاه مواطنيه خاصة التعذيب في السجون وهي الفكرة التي استوحاها من تجربته الخاصة في السجن، وربما يكون هذا جزئيًّا سببًا لهذا الاحتفاء الخارجي بالفيلم الذي لا ينفي إطلاقًا جودته وتميزه، جال الفيلم العديد من الدول الأوروبية ونال إشادة كبيرة وحصد الجوائز، ومثل هذه الأمور قد تُغري مخرجًا صغيرًا يرى في هذه اللحظة مجدًا شخصيًّا يزيغ عينيه عن الواجب والحقيقة، لكن بناهي لم يفعل ذلك مع ما تعنيه له قيم الوطنية والانتماء.

والمشاهد لقصة الفيلم سيدرك تلك الفجوة الكبيرة التي قد تصل إلى حد العداء بين جعفر والنظام الإيراني، فقد دار حول مجموعة من السجناء السياسيين الذين يتم تعذيبهم على يد مسؤول كبير ذي ساق صناعية (أعرج) في رمزية للفساد واختلال ميزان العدالة، حيث يلتقي “وحيد” الذي يمتلك ورشة لتصليح السيارات مصادفة بمعذِّبه في السجن (إقبال) الذي تسبب له في عقدة هي صوت خطوات قدمه العرجاء التي كلما سمعها شعر بالرعب والذعر حينما كان يُعذَّب معصوب العينين، لأن كل ما اقترفه الاشتراك في مظاهرة سلمية طلبًا لتحسين الدخل.

 يبدأ الحادث باصطدام سيارة “إقبال” بكلب وتعطلها بينما يصطحب زوجته الحامل وابنته، يشك “وحيد” في أنه الرجل الذي عذبه في السجن، فيقرر اختطافه وتقييده واقتياده للصحراء حتى يتأكد من الأمر، ومن أجل ذلك يبحث عن ضحايا آخرين لهذا الرجل ويتأكدون أنه المقصود، ويظلون في حيرة من أمرهم يقتلونه أم يتركونه، حتى يرق قلبهم لاتصال ابنته التي كانت تستنجد بعد سقوط أمها التي كانت على وشك الولادة، تضع الزوجة وليدها، ويقررون فقط تلقين هذا الرجل درسًا في الإنسانية والعدالة حتى يبدي لهم الندم كذبًا، إلا أنه بعدما تركوه عاد بخطى قدمه العرجاء لـ”وحيد” للانتقام منه جزاء على فعلته.

وهنا تكمن المفارقة، فبرغم ما تعرض له بناهي من منع وتضييق وإطلاقه صرخة شخصية من خلال هذا الفيلم تتساءل عن مصير السجناء الذين قابلهم وشعر بمعاناتهم، فإنه لم يختر القطيعة مع وطنه، بل عاد في لحظة حاسمة تُختبر فيها الوطنية بحق، متخذًا موقفًا فكريًّا وأخلاقيًّا يثبت أنه يمكن أن يكون المرء ضد سياسات السلطة لكنه ليس ضد وطنه، وهو الموقف الذي يؤكد على جانب آخر موقفه كفنان واعٍ لا يهرب من الواقع بل يكشفه ويفضحه ويصطدم به بهدف تحسينه وإصلاحه، وخلق مساحة من التحاور والتفكير في كيفية التصحيح.

قام ببطولة الفيلم وحيد مبصری (Vahid Mobasseri) وإبراهيم عزيزي (Ebrahim Azizi) وماجد بناهي (Majid Panahi) وحديث باكباتن (Hadis Pakbaten) ومحمد علي الياسمهر (Mohamad Ali Elyasmehr) ومريم أفشاري (Mariam Afshari)، وهو تأليف وإخراج جعفر بناهي (Jafar Panahi).

ورغم القضية الثقيلة للفيلم التي عرضها بناهي في ثوبٍ ساخر، فلم يخلُ الفيلم من التحديات الإنسانية التي شغلته دائمًا، فانتقلنا بعد مرحلة الانتقام لاختبار إنسانية الظالم والضحية على حد سواء، ورغم إعطاء فرصة ثانية للجلاد ليكون إنسانًا خاصة بعد إنقاذ “وحيد” لزوجته والاطمئنان عليها حتى ولادتها، فإن هذا ما لم يتحقق في نهاية الفيلم التي تركها المخرج مفتوحة للمشاهد وتفسيره، والتي ارتأيت أقربها أن الإيرانيين سيظلون في انتظار إصلاحات وحرية لا تأتي كما انتظر بطلا صمويل بيكيت “جودو” الذي لا يأتي، فمع ملاحقة “إقبال” لضحيته “وحيد” مرة أخرى الذي اعتقد أنه أصبح حرًّا وقادرًا على أن يحيا حياة طبيعية بكرامة بعد أن نال من “إقبال” ولقَّنه درسًا حتى يفهم المعاناة النفسية والجسدية التي تسبب له فيها، نستطيع أن نكتشف وجهة نظر المخرج المضمرة التي لا تستشف نية مستقبلية طيبة ولا ترى أملًا في إصلاح ما أفسده النظام.

ولكن، لأن ما يحدث في إيران ليس حادثًا بسيطًا، فكل هذه الخلافات الجانبية تنمحي تمامًا، ويبقى نظر الجميع في النهاية موحدًا وموجهًا لشيء واحد فقط هو الوطن والمؤمرات التي تُحاك ضده، والتهديدات الخارجية التي تنذر بتدميره وسقوطه وفقدانه، ما ينحِّي أي خلاف داخلي جانبي عن المركز ويجعله هامشيًّا تافهًا مقارنة بقيمة عظمى هي الدفاع عن أرض الوطن، ويجعل كلمة العدو أكثر تحديدًا ووضوحًا وصدقًا، وحينها فقط تزول جميع المساحات الرمادية الداخلية، ومن الممكن أن تُفتح صفحات جديدة تذيب كرات الثلج الضخمة التي تقف عائقًا في طريق الحوار، ناهيك عن الإجماع العالمي على خطورة المعتدين على كثير من البلدان الأخرى وخططهم الدموية والاستعمارية الهدَّامة.

ففي ظل الحروب والأحداث المصيرية الكبرى، يكتسب الموقف الوطني الصادق معنى كبيرًا، يُجهض أي مساعٍ خارجية للاستفادة من أي تصدعات داخلية تُضعف الدولة في معركة تهدد وجودها ومصير أبنائها.

 

 

 

 

 

 

بسمة حسن

7 مقال
كاتبة مصرية صدر لها: ـ فولكلور الأسفلت.. ألف حكمة من الطريق.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع