القسّ عيد صلاح
في معهد المخطوطات العربية بالقاهرة حضرت له بعض المحاضرات في الدورات التدريبية لتحقيق المخطوطات التي يقيمها المعهد أعجبني أسلوبه وعلمه وتواضعه، وحين كنت الأسبوع الماضي في الهيئة العامة المصرية للكتاب وجدت السيرة الذاتية له، وبدون تردد أخذتها، وخلال هذا الأسبوع وأنا أقرأها، سيرة ذاتية تستحق القراءة فيها من الخبرات الحياتية والعملية الكثير.
تأتي السيرة الذاتية للأستاذ الدكتور عبد الستار الحلوجي بوصفها نصًا يتجاوز حدود التوثيق الشخصي، ليقدّم شهادة معرفيّة وإنسانيّة على مسار أكاديميّ تشكّل عبر سنوات طويلة من العمل العلميّ والمؤسّسيّ. وقد عرفه كثيرون من خلال محاضراته في معهد المخطوطات العربيّة بالقاهرة، حيث يبرز أسلوبه الهادئ، ورصانته العلميّة، وتواضعه الذي يمنح المعرفة بعدها الإنسانيّ ويجعل من التعليم فعل مشاركة لا استعلاء.
لا يكتفي الكتاب بسرد وقائع الحياة على نحو زمني تقليديّ، بل يفتح للقارئ نافذة على تجربة علمية مركّبة، تتقاطع فيها المعرفة بالواقع، والبحث بالمؤسسة، والطموح الفرديّ بشروط العمل الثقافي العام. ومن خلال لغة واضحة ورصينة، يقدّم المؤلف تأملات ضمنية في معنى العلم، وقيمة التراكم المعرفيّ، وأخلاقيات الباحث، بعيدًا عن النزعة التمجيديّة أو الاستعراضيّة.
ومن منظور نقد ثقافيّ، يمكن قراءة هذه السيرة باعتبارها نموذجًا لـ”السيرة المهنية الواعية”، التي تحوّل التجربة الفرديّة إلى خبرة عامة قابلة للتعلّم. فالنصّ لا ينشغل بتضخيم الذات، بقدر ما يكشف عن علاقة الإنسان بالمعرفة وبالمؤسّسة وبالزمن، وهو ما يمنحه صدقيته الثقافيّة ويجعل قراءته فعلًا تأمليًا بامتياز.
وتكتسب السيرة أهميتها أيضًا من كونها تعبيرًا عن جيل من الأكاديميّين العرب الذين تشكّلت رؤيتهم للعلم في سياق مؤسّسيّ متغيّر، بما يحمله من تحديات وفرص. وهنا تتحقّق إحدى أهم وظائف السيرة الذاتيّة: أن تضيف إلى حياة القارئ حياةً أخرى، وأن تفتح أمامه أفقًا أوسع لفهم معنى الاشتغال بالمعرفة في السياق العربيّ المعاصر.
الكتاب صادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 2018م، ويقع في 240 صفحة من القطع المتوسط، وجاء إخراجه الفني متناسقًا مع مضمونه، ليقدّم تجربة قراءة تجمع بين العمق والمتعة.













