محمد فيض خالد
ثقوب في ذاكرة صغيرة
امتلا الدرب بأصوات الزغاريد، وطفرت من الوجوه السعادة، وجرى الصغار في نشوة وتلهف يتقافزون من وراء حبات الحلوى، يرددون في نفس واحد:” لقد تعافت سنية”، ها هي تتنقل منتصبة من جدار لجدار، بعدما ذاقت أمها الأمرين يائسة كل اليأس من شفائها، احترقت مهدتها أعواما، يشتد نشيجها، تغيم عيناها بالحزن كلما رأتها كسيحة، تفترش الأرض في رثاثة، تتابع أندادها من أبناء الجيران في لوعة، مسكينة ظلت لستة أعوام في علتها، ولدت هكذا ملتصقة بالتراب، ما إن تهم، حتى تتهاوى في تضاؤل ساقطة في صراخ وألم، يتوجع لمرآها المارة تأخذهم رجفة عارمة، لكنها ومع تقادم الأيام أصبحت علتها معتادة، فأهملت مع ما يهمل في البيت والدرب، تخرج زاحفة مع انبلاج ضوء الصبح الفاتر، تنبش التراب أسفل الجدران كالدواجن، فإذا باغتها النعاس، استقلت له مستسلمة كأنها خرقة بالية، أوجثة ضئيلة، تعافها كلاب الطريق، حتى جاء اليوم الموعود، الذي حملته فيه أمها ” للست خديجة “، استجابت لنصيحة الشيخ ” جمعة “فراش المسجد الذي دأب على ترغيبها في الزيارة حتى قبلت، تكررت زياراتها أصابة الصغيرة هزة روحية شديدة، وفي كل مرة تتحسن فيها أحوالها، حتى كان صباحا اشتدت فيه برودته، اطلقت جارتها ” اعتدال ” زغرودة زاعقة، امتلأ على إثرها الدرب بالخلائق، قد تورد وجهها من فرط السرور، عقدت الدهشة ألسنة الجميع وهم يشهدون بأم أعينهم ” سنية ” تتحرر من كساحها، تتنقل ببطء، وأظافرها ناشبة في طلاسة الجدار، عاودت المرأة زياراتها أكثر من مرة يتفجر البشر من ملامحها، يرتج قلبها ارتجاجا عنيفا، وهي تدس قروشها الخمسة في طاقة صغيرة منزوية بجسد الضريح وسط بقايا الشمع المنصهر، تتمتم راضية بكلام غير مفهوم.
تروي امرأة عجوز من سكان الزقاق، أن ” الست خديجة ” صاحبة كرامة لا تخيب، وكيف يخيب الله ظن من قصدها وهي من بيت النبوة الطاهر، وجدها حضرة المصطفى عليه الصلاة و السلام، تدارك ” عطوة المسحراتي” الموقف كعادته ؛ فلكزها في جنبها بعصاة السنط الثقيلة، قائلا وقد عقد ما بين جنبيه في جدية:” ستنا خديجة زوجة نبينا الاكرم نفسه وليست حفيدته، بطلوا جهل بقا “، كبرت ” سنية ” وخرطها خراط البنات، وتزوجت من تاجر غرابيل من قرية بعيدة، لم يعد لحكايتها أثر، تماما كما ابتلع الغياب صاحبتها، لكن أمها لم تنقطع عن نذرها، فقروشها الخمسة لا تزيد ولا تنقص، تدس كأول مرة في طاقة المقام، تخرج في مطلع كل أسبوع ترافق نور الفجر، تقسم بتربة أبيها أنها تذهب هناك على لحم بطنها، لا يجرح صومها غير نفس للخان، تزور وتعود في عز القيلولة، تتنقل في ضعف تحت ظلال النخيل هربا من تراب الجسر المنصهر، راضية، داعية الله أن يقويها، ولا ينقطع روحتها
ظلت المرأة على عهدها حتى شاخت وتقوس ظهرها، اقعدها العجز بعدما تفككت مفاصلها وضعف بصرها، لكن قروشها الخمسة تنوب عنها في الطاقة إياها، ثام ” محفوظ ” ابن جارتها ط زبيدة ” بالمهمة نيابة عنها، في طريق عودته من المدرسة ينحرف ناحية المقام يؤدي ما علها، وفي كل مرة تأكل صدرها الأحزان، تطلب من الفتى أن يحكي لها ما شاهد، يتململ في وقفته، لكنه ينخرط في حكيه، يتهلل وجهها ويرتفع صوتها بالدعاء، تعاود تلك الصور القديمة خيالها الممزق، تنهمر دموعها في نشيخ منتظم، لعل هذا ما يخشاه الفتى، غنه يمل من تكرار مشهد البكاء، من بعدها تغلق عليها بابها ولا تفتحه إلا ثاني يوم، في صبيحة يوم حار، افترش نساء الدرب تحت جدار قديم، اتسعت عينا ” روحية ” في ألم مخيف، تشتكي ملتاعة معانة جاموستها، شدت أنفاسها وقد وضعت على وجهها قناع الحزن، قائلة:” منذ ثلاثة أيام وهي مهتاجة، ترفض ابنها، تهرك الجدار برأسها في ثورة “، نصحها ” عطوة ا ” أن تأخذ رسنها وتذهب في زيارة للمقام وعلى الله التساهيل، تأزم الجو بعد أيام مشتعلا بالحر والزهق، هرب الجيران بيوتهم، فافترشوا امامها، يظلوا في غطيطهم حتى يتنفس الفجر، جثثا انهزمت منها الحياة، ففي مثل هذه الأيام من كل صيف يطن البعوض، وتكثر البراغيث، وتنفث زرائب المواشي عفنها، وتنز الحيطان برطوبة كريهة، هيأت لنفسي مكانا، تعهدته نهارا بالنظافة، انضحه بالماء، وفي إحدى الأماسي شعرت بتوهج في عيني، انتفضت قائما في صراخ اجتمع له أهل الدرب، انتفخت عيني بعد دقائق مثل رغيف، كاد الوجع أن يفقدني صوابي، وفي الصباح اخذت الوالدة بمشورة الجيران، تناوب النسوة النظر لعيني من أسفل عصابة رقيقة، اشتعل رأسي بالخوف لوصفاتهن:” لابد وأن يقطر له من حليب امرأة مرضع “، لكن ” هانم ” كان لها رأيها، اقبلت تتحسس الجدار، عقدت المفاجأة الألسن وهي تصرخ:” مفيش غير الست خديجة، إلحقي ابنك قبل فوات الأوان “، بعد قليل كنا فوق الجسر، امسكت الوالدة بيدي تجرني من خلفها، وهي تسبح في بحر من الرجاء، على باب الضريح، يتزاحم الناس، يتعالى بكاء الصغار، شقت الوالدة لنا طريقا بين الأجساد الملتصقة بالجدار، امسكت بطرف قماش القبر الأخضر، مررته من فوق عيني في سكون، وهي تتضرع في خشوع، فضت عقدة منديلها الكبير بأسنانها، أخرجت عشرة قروش فردتها قبل أن تغيبها في بطن الصندوق، تنظر متوسلة ناحيتي، يتوزع بصرها بيني وبين القبر في لهاث مكتوم، بعد يومين برأت عيني وزال الوجع، يومها سرت الوالدة، زارتنا ” هانم ” عند الأصيل، يتقافز صوتها بنشوة عارمة، تمددت ليلتها فوق حصيري المندى، لأشعر بعد دقائق بسرب من النمل يتحرك فوق قدمي، قادتني الصدفة لجحر مهول يسيل منه جيش جرار، على ما يبدو أن واحدة منه تسللت خلسة ونهشت عيني.
ظللت معلق بالمقام إلى أن كبرت، قادني القدر إليه فتا يافعا، أمر عليه في طريقي للمدرسة الإعدادية، ألقي السلام في تأدب مبالغ، تغيظني حالة العبث، لا مبالاة الجيران، تعاملهم الجاف من الضريح وكأنه كومة من التراب، إنهم جفاة غلاظ، لا يستحقون مجاورة ” ستنا خديجة “، تمنيت مرارا في حرقة، إن لو سعفت الأقدار، فانتقل المقام لقريتنا، فنجن أولى بحبها ورعاية قبرها من أولئك العاقين، في كل صباح استقبل هواء الصبح باردا، يحمل بين طياته انفاس الليل الثقيل، أسير وقلبي يمزقه الخوف والرهبة، اقتلع قدمي من الأرض بصعوبة، إنه يومي الأول في امتحان نصف العام، على غير عادتهم يسبقني أبناء القرية مسلمين ومسيحيين وقد انتظموا في صف واحد، ووجوههم ملتصقة بالجدار يقرؤون الفاتحة، منذ أسبوع بالتمام، وفي إجازتي السنوية ذهبت لزيارة صديق قديم، طلبت منه زيارة الضريح، وما إن رأيته حتى تقلص وجهي في ذهول، اغرق الإهمال المكان، توحشت البيوت، دبت الرطوبة في الجدران فتركتها لينة هزيلة، ارتفعت الأرض من أمامه حتى دفنت مدخله في اختناق، تراكمت الاوساخ، فاحت الأرجاء برائحة لا تطاق، نظرت في فضل لداخل الضريح، بدى في اعتلال مخيف، اهترئ الغطاء الأخضر وتمزق، غمرت المياه الجوفية أرضه، تملكني الأسف، تزاحمت مخيلتي بصنوف الصور، اقتحمني صوت خادمة المقام في تضاؤل، بكاء الصغار، ضجيج النساء المختلط، الشمع المنصهر في زواياه، اعشاش اليمام صوتها وهي تزوم في نغم عذب، رائحة المسك الثقيلة، يد أمي تجرني من خلفها تدفعني للداخل، رددت على الفور ودون قصد:” سبحانه الضار النافع”.
*****
القابضة على جمر الفراق
قبيل سفري بعشرةِ أيامٍ، يتوجَّب عليّ الذهاب للمدينة ؛ لحجز تذكرة الطائرة، هناك ابتسم الموظف في وجهي ابتسامة رمادية، بحلق في جوازِ السفري مليا، أعاد ابتسامته وهو يفر أوراقه، اهتزت شفتاه قليلا ثم سكنتا، قبل أن يزمهما في ضيق:” احجز لك تذكرة شبابية، فعمرك لم يتجاوز الخامسة والعشرين”، على الفور ناولته الفلوس وانتهى كل شيء، في الطريق شاغبني حلم وردي، طاف من حولي في إلحاح، حتى أربكني، ساعات معدودات واتحرر من قيودي، انفك من أسر الفقر والبطالة، استحضرت على الفور مشاهد لمن سبقني من أبناء القرية، مثلت هيئتهم القديمة بشحمها ولحمها، أجساد بالية أكلها الفقر، يجرون أسمالهم في تذلل، فقراء يسألون الناس إلحافا، ثم رأيتني وأنا اشاهدهم في هيئة جديدة، خلت من مظاهر الاحتياج، طفرت النعمة من الوجوه الصلدة، اكتست العظام اليابسة بعزٍّ مُقيم، تبدّلت الجدران الطينية المعتلة بالرطوبة بأخرى إسمنتية، لانت المضاجع، أصبح للمهمل أملاك يتفاخر بها وعزوة وصيت، كتبت شهادة ميلاد جديدة بين الكبار، فجأة انتبهت على جعيرِ متسول، يمد يده بخشونةٍ من شباك العربة، تتمزّق أنفاسه على شفتيه، يردد بنغم مشروخ:” سبحان العاطي “، ناولته ما تيسر، وأنا اجذب من صدري نفسا طويلا، وابتسامة تداعب فمي، ماتت قبل أن تولد.
في البيت صادفتني الوالدة بهيئة هزيلة، اصطدمت عيني بعينيها، صمتت قليلا وقد تعلقت بي، بدت وكأنها تغوصُ في بحرٍ الحيرة، شعرت بدقات قلبي تتعالى كنقرات ضعيفة واهنة على دفٍّ قديم، لاحت مني ابتسامة صبيانية بريئة قبل أن اقطع السكون:” حجزت تذكرة سفر، عشرة أيام نسافر على بركة الله “، تحاملت على نفسها في جهد جهيد، أظهرت بسمة قلقة تكاد لا تبين من أسنانها، وهي تقول:” مقدر ومكتوب، فتح الله لك أبواب الرزق وكفاك شر خلقه “، لتعود لثباتها ثانية تمضغ الأسى، جلست إلى جانبها فوق المصطبة، وكلانا يُطالع شبح الفضاء المشتعل بشمسِ الأصيل، وهبات النسيم تعزف طرية، تداعب جريد النخيل عن يعد، مسكينة يا أمي، اشعر بك، بهذا اللهب المتدفق من صدرك كمدا وقهرا، أراك وقد رضيت بهذه الخطوط التي خطها القدر فوق روحك، استمع لوجيب قلبك، أنات نفسك وصرخاتها، وهي تنفطر حزنا وقطعة منك تغادر حجرك، ما أقسى لعناتك تصبينها فوق رأس الغربة والفقر، رفقا بنفسك يا أميخ!.
أثناء تلك المدة عاش البيت من خلف غلالة قاتمة من الحزن، احتفت مظاهر الفرحة أو كادت، حتى مشاكسات أخوتي الصغار لم يعد لهم حضور، مضت بهم الأيام في عذاب، اكتفوا بنظرةٍ جامدة مُحمَّلة بالإرهاق، يرمونها ثم يبتلعهم الصمت والشكوى، أمضيت وقتي مُكرها وسط دوائرِ الحكومة أنهي بعض الإجراءات، أخرج عند الصباح، اتعلّق بخيوطِ الأمل، أمدّها أمامي كما العنكبوت، صبيحة يوم السفر استيقظت مقرح الجفنين من السهر، اقسم على أن أمي لم تذق طعم النوم منذ أسبوع مضى، ألقيت إليها بتحية الصباح في تودّدٍ، اكتفت بنظراتها المُشتعلة بالوجع، نكست رأسها، ويدها المرتجفة تنكت الأرض بعصاةٍ، حاولت أكثر من مرة جرها بعيدا عن تيار الحسرة، لكنني فشلت!، يبدو أنها اطمأنت إليه، لم تغرها أماني الأهل ولا الجيران التي ينثرونها بين يديها:” غدا يرجع بالسلام، ليتزوج ويملأ البيت بالذرية، غدا يتغير الحال غير الحال “، لا اظن تلك الأماني إلا ذاهبة مع الريح، عندما يهجر الطير الصغير عشه، سينطفئ القنديل، سيحل الظلام، ويعم الصمت، سيمتلئ الفم بالعلقم، سيبتلعه التيه، سنوات تمر علمها عند ربي، تتعب من عدها، تنتظر عودته مع طيور الصباح، من يعيد الرضيع لصدر أمه، لحقني ألم حين رأيتها على تلك الحالة، لم أبرح البيت، حاولت أكثر من مرة مضاحكتها، قصصت عليها من ذكريات الأمس المبهجة حكايات مضحكة، عليّ استدر حتى ابتسامتها، هزّت رأسها ببطء، خبَّأت وجهها المُغّضن في حِرامها القطني، بدت عينيها مثل جَمرتين، مبللة الأهداب، حاولت ترضيتي، نزعت عن وجهها القلق بصعوبةٍّ، لتقول في تلطفٍ:” سأعد لك طبختك المفضلة، سأصنع لك الملوخية بالأرانب “، ثم تنهدت تنهيدة عميقة، اعتمدت على يديها وقامت مُتداعية، اجتمعنا من حَولِ الطبلية في بشاشٍة، شعرت وقتئذ برجفٍة تَسري بجسدي، طالعت الوجوه الغارقة في ضحكٍ متواصل، ضحك عفوي مجلجل لم أره من قبل، أطرقت قليلا أفكر:” هل هي ضحكات الوداع، هل يمنحني القدر في سخاء آخر أمنياتي، ما أرحم الجلاد، يهب ضحيته أملا، يريحها قبل أن تمزقها السياط “.
جمعت أخي الصغير إلى صدري، طوّق رقبتي بذراعيه، أمطرته بوابلٍ من قبلاتي، طالعني باستعطافٍ وكأنَّه يعلم ما يدور بصدري، انتهينا من طعامنا، ازدحم البيت بالمودعين، لم أغب عن عينِ أمي دقيقة، ظلَّت مُعلقّة ناشبة في وجهي، تشاغلت عنها في صعوبة، إلى أن جاءت ساعة الوداع، اشتعلت رأسي لحظتها بالوجع، لأول مرة يعصر قلبي الخوف، اطالع من حولي بلوعة، عاجلني صديق مُقرَّب مشاغبا:” عجّل فالطائرة لن تقلع بدونك، لقد هاتفت الكابتن شخصيا “، غابَ الرِّفاقُ في ضحكة مواساة، إلا أمي ظلَّت على جهامتها، وجدتني وقد التصقت بصدرها ابكي، أنهنه كطفلٍ صغير، وألسنة النار تلفحني، تدمي روحي، قلت لها في توجع:” كيف لي أن اتحمل فراقك يا أمي، الموت أهون علي” نزعتني عنها والدمع يتدفق من عينيها كحبات اللؤلؤ، قالت في حرقة:” الله معك يا صغيري، ولكن كن رجلا، اتق الله في نفسك وفينا، ابتعد عن الحرام وأهله “، انسلخت بجسدي عنها، لكنّ قلبي مُلتصقٌ بها، تعلّق الصّغار بي ووجوههم طافرة بالبكاء، ابتلعت حيرتي في تَماسكٍ مزيف، ألقيت بنفسي خارج البيت أزفر أنفاسي بصعوبة، بدت الأرض من تحتي كشفراتٍ حامية تُمّزقني، ارتميت داخل السيارة في تَهالكٍ، اهدهد دموعي، لكنّها لا تكف عن التَّفجر كعين ماء، بدت الوجوه من حولي مُشبعة برغوةٍ ثقيلة، خليط مُنفّر، من الحسدِ والتَّشهي، لكن ظلّ وجه أمي الوحيد الصَّادق فيهم، هي الوحيدة القابضة على جمر الفراق..
***
عزيز قوم
شيء غريب لم أكن لأتصوره، ما إن رأيت خياله حتى انجذبت عيني نحوه، اهتز جسدي بالضحك، جعلت أردد من فوري حكمتنا السائلة على الشفاه منذ أزل:” يا عيني على الحلو لما تبهدله الأيام “، يسير ببطء شديد، لا يخل من بقايا عنجهية، يتمسح بصندوق القمامة الكريه الملقى إلى جانب مدخل البيت الرئيس، بداية لم أكن لأعبا لمنظره، ولا لهيئته التي اختلفت عن هيئة مخلوقات المكان في بؤسها، أنا الآن في عجلة، لقد داهمني الوقت ؛تأخرت بالفعل عن موعد العمل، لقد برزت شمس النهار، يملأ الوجود المثقل بغيمة ثقيلة من الغبار لجتها البرتقالية، ما إن أغلقت الباب حتى اقترب مني في تلطف، هز ذيله الطويل في سكينة، تسمرت في مكاني للحظات قلائل ألاطف الوافد الجديد، جعل يرفع عينيه ويخفضهما من داخل بلورتين رماديتين في غاية النقاء، اقسم على أني لم أرى مثيلهما، لكني انكرت عليه خيلاءه الذي لا يتناسب وقذارة المكان، دار من حولي في مواء ضعيف، علقت الحقيبة في كتفي وشرعت اتفحص صاحبنا، جسد ممتلئ، ركبت فيه رقبة غليظة منتهية برأس مستديرة، حشيت فيه عينين كبلورتين رماديتين كبيرتين، تسحر الناظرين، مع هيكل ضخم كساه وبر رمادي طويل أشهب، اتسخت حوافه قليلا، برزت أمامه مخالب طويلة يدب بها على الأرض، نشبت في كف عريضة، أغلقت الباب في عجالة، اندفعت سريعا، لكن ابتسامة ملحة ظلت تطوف بثغري، خارج البيت تراصت مستسلمة لبرودة الصباح مجموعة القطط، تفاوتت أعمارها، لا اجهل هذه المخلوقات الكئيبة مذ سكنت المكان، يعج بأنينها ليل نهار، وهي تتضور جوعا وإهمالا تحت سياط الحياة، لا تتوقف عن نبش القمامة، يتصاعد عراكها في همجية، تتقاتل مستبسلة على فضلات الموائد، ناهيك عن تبجحها وهي تحاول اقتحام الغرف على أصحابها، بعدما اعتادت غلظة الهنود، الذين واظبوا على ركلها بلا رحمة.
تعودت سيره في كبرياء فارغة يذرع البيت، واستخفافه الذي يبديه لأقرانه، تمشيه بهدوء بين جنبات الممر المعتم، ونظره المعلق بمن حوله في فضول بارد، يتأفف من رفاقه وذراريهم ممن فاضت بهم الساحة، بل ومن حياته الجديدة التي ألقت به لوخم مستنقعه الكريه، لم يغب عن عيني لشهر كامل، كان أكثر جرأة مما تصورت ؛يحاول في جد تقصير المسافات بيننا، ها هو وقد انبطح على بطنه أمام باب الغرفة، يرمي بعينيه للداخل، تدل هيئته التعسة أنه قد اطمأن لما يلقى إليه من بقايا، مؤخرا كشفت نظرته الحائرة عن ضعف يخالجه، دارت عيناه في محجريهما مضطربة، انزوى بنفسه بعيدا لا يحرك ساكنا، اكتفى بمشاهدة معارك الرفاق من حول صندوق القمامة، يحرك ذيله في تخاذل، على فترات يفتح عينيه الزجاجيتين في ضجر، لتبرق منهما الحيرة، سريعا يغمضهما، يتثاءب في تكاسل، قبل أن يتمدد في خمول ليغيب عن وعيه، ما إن يفيق حتى يخرج لسانه الأحمر من فمه المنمنم، يلعق أنفه الصغير، يشمشم في فضول، يعود لاستخفافه القديم، اغراني ثباته، حاولت أكثر من مرة ملاطفته وكسب وده، ألقيت إليه بجناح دجاجة ورقبتها، وفي يومي الثاني نفتحته بهيكل سمكة ضخم، زام فجأة، بعدما تشنج جسده، زمجر غاضبا واطلق ساقيه للريح، استقر على جانب السور الخارجي في تيه، اشعر بروحه تتبخر جراء ثورة تعتمل بدخله، اقسم لو كان له لسانٌ ناطق، لسمعت له ولولة، كولولة العجائز، لأشبع من حوله شتما ولعنا وأنا أولهم، لم أرجع ثانية لملاطفته، اشعر به وقد تجاوز حدود اللياقة والأدب، وبلغ من التهور ما قد يودي لهلكته، هنا يا ابن الأكابر لا مكان للكبرياء والعظمة، لا تفاضل بين أصناف المأكول والمشروب والمركوب، لا تنس نفسك مطلقا، أنت أسير هنا، أنت رهن ما يلقى إليك، عبد أقدارك، تتصرف فيك حسب ما ترتئيه، على الفور تبادر لذهني منظر ” بوبي” ذلك الكلب المسكين رَبيب النعمة، الذي سبق ” مشمش” لهذا الجحيم بشهور، رأيته كصاحبه لأول مرة عند العتبة يقف مرتعدا يهتز في خضوع، قد أخرج لسانه في إعياءٍ مُزري، يتسارع لهاثه يهصر القلب ويفتت الكبد، استوقفني حاله، كلب ضخم البنيان، ذو ذيل قصير أملس، له أذنان قصيرتان منتصبتان، يعجبني أنفه الغليظ في تكور لافت، كل ما فيه مبالغ جدا، الرأس الكبير، الأرجل الطوال الممتلئة لحما، أما شعره الذهبي المتكاثف في لمعانٍ خَاطف، يضفي على جسده الممشوق رونقا عجيبا، خلاف نظراته المريضة المشبعة برغوةِ القلق، حين تجوله داخل الممر وفي رقاده تحت الشجرة، يظل على ثباته لساعات قبل أن يعاود الدخول للبيت، يقف بمحازاة صندوق القمامة حيران أسفا، يطالعه بعين دامعة، يطرق قليلا ثم يعاود سيره في تثاقل، يتلفت يمينا وشمالا، يهز رأسه هزات عنيفة كمن تحتله عواطف تحاول سلبه إرادته، بعد يومين بالتمام رأيته يُعافر في استماتةٍ، كسر عظمة سميكة، مرر أسنانه في يأسٍ عدة مرات، قبل أن يبرك متجافيا عنها في زهق، تدل هيئته البائسة على أن الجوع قد بلغ منه مبلغا، كلما أوغلت الأيام تشوش فكره، بدت روحه مقهورة بالغصات، لم يعد على تلك الحالة من الرونق، ألجأته الحاجة لأن يطلب قوته، تخلى تدريجيا عن كبريائه المزعومة، في المرة الأخيرة قبل اختفائه زاحم في استبسال، ألقى “كومار” الهندي لفافة تقطر بسوائل صفراء، أسرع مع بقية الزبائن، غمس أنفه فيها، اخذ ينبش في اهتياج، يلتقم في جشع، تراجع للوراء في ذهول، في البداية لم أعرفه، انطفأت لمعة فروته بعدما احتلتها الأوساخ، تبدل سلوكه، بدى أكثر غلطة، حتى نظراته الوقحة لا تختلف عن رفاقه الذين سبقوه للضلال، يطلق عقيرته في تثاؤب بغيض، ينطلق نباحه المزعج.
في صباح سبت هادئ، اقترب خيال من البيت، غيَّب وجهه داخل تلفيحة رمادية، اندس في سترة برتقالية فاقعة، ألقى شبكته، لم يصدق الكلب نفسه، استوعب الموقف بعد ثوان، نازع طويلا في عنف للخلاص من ورطته، لكن محاولاته باءت بالفشل، قبل أن أساله، قال الرجل في ثقة:” نحن تنبع هيئة الثروة السمكية، مهمتنا اصطياد الكلاب الضالة من الشوارع”، جمع الرجل أطراف شبكته بعد إحكامها، مشى بتثاقل تحت حمله، قبل أن يبتلعه الفضاء المغبر.
في أمسية حارة تغيّر كل شيء تقريبا، تخفَّف ” مشمش” من حذرهِ، تلبَّس في هيئةٍ مُغايرة، يتفجَّر انفعالا لأتفه الأسباب، يخمش رفاقه في قسوة، يقتحم عليهم مكانهم، ينتزع الأكل من أيديهم، يزمجر كصعلوكٍ وقح، تلعو همهمته وهو ينهش، وبعد الأكل يتمدَّد أسفل حوض الغسيل، يَتلذَّذ برطوبةٍ البَلاط.، على فترات يخرج “كومار” عن وقارهِ يتعالى صراخه يلعن ويسبَّ، يتهور في أحيانٍ فيمسك بهراوة يوسعه ضربا، حاولت أكثر من مرة التدخل وملاينة الموقف لكني فشلت، لا تريحني نظرات الهندي، ففي عينيه بريق غدر حاد، يُطالع أغلب وقته الفراغ في صمت، لكن ” مشمش” لم يغب عن نطره، تنبت من فمه الكريه ابتسامة نائمة تعلو سحنته، أطلق على الفور لحنه الهندي السَّخيف، تكسَّرت الكلمات فوق شفتيَّ، سألته عن “مشمش”، أجابني ورنَّة الفرح تُخالطه:” أنا ما يعرف وين يروح؟”، عاد الهندي للممر، منهمكا أمام موقد الطبخ، انتبه في خُبثٍ، جعل يمرر يده من فوق شاربه الكث يمرسه، تغافل عني للحظات، جعل حدق في الوافد الجديد، قط اشتعلت فروته الناصعة بحمرةٍ شقراء، بعد أسبوع جلس في هدوء، تعبث يده فوق ظهر القط، يَتغنَّى بلحنِه النَشاز.
****
مسافر نحو الضباب
لا يزال يحمل هشاشة الماضي بكل تفاصيلها، يذكرها جيدا، وكأنها طقس يومي يمارسه، أو واجب فرض عليه ليؤديه، حتى بعد هجرته لسنوات، وتغير حياته غير الحياة، في تلكم البلاد الباردة، التي تتشابه ليلها ونهارها صيفا وشتاها، ما إن يخلع عنه ملابسه، ويرتمي فوق الأريكة ن حتى تتسلل لرأسه خيوط الذكرى، الرفاق، شمس الظهيرة، تراب الجسور الملتهب، النساء حفاة يحملن الجرار، الصبيان يمتطين ظهور الدواب، يسقن في عصبية الماشية، أنداده يلقون بأنفسهم في قلب الماء باستسلام، هربا من القيظ، تتساقط ابتسامته مع حبات الماء الفاتر، يسند ذراعيه على الحائط، يرفع رأسه سعيدا يرفع رأسه، يطالع الماء ساكنا، يتبادر لذهنه المشوش خبال رقيق يرف، طيور في أحجام مختلفة تتوزع، تضرب بأجنحتها العريضة، تمزق بياض السماء تظلله، اعتاد صغيرا الاستلقاء فوق العشب، يتمعن هذه اللوحة البديعة، يتلذذ ببرودة المساء الزاحف يلتهم الحقول في تراخي
صغيرا يجهل متاعب الحياة وشقائها، لكنه يعرف شيئا واحدا هو كل ما يعنيه، يعرف بفطرته أسرار الكون يغوص فيها كل يوم، مناجاة الطير، يشعر بملاطفة الشمس لقطرات الندى، دغدغتها أوراق الشجر في جرأة المحب أوان الشروق، يثيره ذلك الكتاب المفتوح، المسبح بحمد الفتاح العليم، ولما كبر واشتد عوده وبلغ رشده، وحرى عليه ما يجري على الرجال، تعلق قلبه بحواء كدأب آدم في كل زمان، عرف كيف يمنحها ابتسامة جذابة، كيف يحوي الحية حتى تصبح وليفة، طيعة، تنجر ورائه في هيام، تطمئن إليه فيطلع على خفاياها ويقف على سرها القديم، كيف تجذب قلوب الرجال من تحت لمعة موشاة من عينيها، ذلك الشبق المدفون بين الأهداب، لكن هنا في هذه البلاد الباردة، النساء مختلفات، باردات كألواح الثلج وكتل الجليد، العيون الزجاجية الجاحظ في رمادية باهتة، كعيون الموتى، لا حياة فيها ولا نبض، حتى المفاتن التي سمع بها قبل قدومه، ها هي رخيصة مبتذلة، مطروحة في الطرقات كتراب الجسور، بلا قيمة يدوسها الشريف والوضيع، المشاعر والأحاسيس والحب تحكمه المادة، توجهه المصلحة التي لا تصون للود مكانا، أما هناك وسط الحقول، فنيران الحب مشتعلة في قدسية، دائمة لا تنطفئ شعلتها مع مرور الأيام، لا يمل المصطلي بها ” راوية” جارتهم، لماذا ترف صورتها على ذهنه بهذا الإلحاح في هذه الدقائق، تهف بشكل ملح لم يسبق أن شعر به، حاول أكثر من مرة أم يجذبها إليه وسط حقل القطن، تعلقا ببعضهما في حب خاطف لسنوات، قبل أن تبتلعه مشاغل الدرس وهموم السفر، لكنه رغم هذا، يعي جيدا ما خفي من صورتها المفعمة بالأنوثة، تفاصيل جسدها اللدن كشجرة الصفصاف، شعرها الأسود المتموج في جدائل طوال تغرق ظهرها الأملس وتلامس عجيزتها الكبيرة، عيناها الوديعتان في اتساع لافت، نظراتها التي تفتح أمامه أبواب الأمل، صوتها الناعس، المنطق في غناء يلهب مشاعر الصبايا، ويجري الدماء في عروق الفتيان كالسحر، فتشعل حماستهم وهم يلتقطون لوزات القطن.
كلمة أحبك أعز ما تملك القروية، هي حياتها، رأس مالها، مدخرها، فإذا أعطتك إياها فاعلم بأنها قد اسلمتك الروح والجسد، منحته ” راوية ” تلك الأحرف اليتيمة بعد حولين كاملين، نطقتها في اجهاد في إعياء، تكاد تلفظ من بعدها أنفاسها، قالتها وحمرة تغيم على قسماتها الحلوة، تصبغ وجنتيها في حياء قروي عفيف، لا يغيب عن خياله نظرها التائه، صدرها المنتفخ وهو ينخفض ويرتفع في فوران أخاذ، من بعدها هبت ريح باردة، اهتزت على إثرها كشجرة التوت، التقط ثمرتها من الأرض، دسها بين شفتيها الطازجتين، تمنى في نفسه ساعتها، أن لو ألقهما شفتيه بدلا منها، إنها لا تشبه ” كارولين ” محبوبته الجديدة في شيء البتة، الأخيرة لم تكن صعبة عليه، لم تتمنع عليه طويلا، بعد أسبوع من تعارفهما، منحته نفسها بسهولة، اعتلى جسدها، هي من بادرت، قالت عنه ضاحكة:” إنك تبدو أمامي كفتاة بكر، أنتم أبناء الشرق مساكين، لا تأخذون الحياة ببساطة، تعشقون التعقيد، تالفون الخوارزميات “، يومها همست في أذنه في تغنج:” ضمني إليك أكثر، احرقني بنار فحولتك أيها الفرعون “، لكنه غاب قليلا عن وعيه، لعن في صمت تساهلها، اشمئز من هذا الرخص المبتذل، شتان ما بينها وبين محبوبته القديمة ” راوية “، تلك القروية العفيفة، قطرة الندى النقية، التي أقامت الدنيا ولم تقعدها ؛ لمجرد أن طالبها بقبلة، قاطعته شهرا، حرمت عليه أن يزاول خيالها عينيه، استغفر من بعدها ألف مرة، غسل لسانه من خطيئته سبع مرات، لوم قلبه على استخفافه، أقسم ألفا على ألا يعود سيرته الأولى، حتى كلمة ” أحبك ” بات يخشاها كالموت أو أشد رهبة، إنه يخاف الحرمان، الفراق، القطيعة، اغرق طويلا في ليالي العتاب حتة انهك، وفي إحدى الأماسي ببصره في عيني ” كارولين”، تفحص بحذر ولأول مرة جلدها المصفر، ملمسه الشمعي، أطرافها الباردة كدمية بلا روح، العينان الزرقاوان، وقاحتها، قلة حياؤها، توددها لجميع الشبان، نظرات الشبق التي تطرحها تشاغب بها الجميع، نظراتها الرخيصة، فجأة بدا الجد مرسوما على وجهه، نفث في ضيق دخان سيجارته غاضبا، تسلل بهدوء للخارج، حاول التقاط أنفاسه، لاح الوجود أمامه أشد قتامة، افترشت أعمدة الضباب الشارع، انهى ما تبقى من سيجارته وعاد ثانية للداخل، شحب المكان في عينيه، مد يده في ثورة إليها، امسك يدها، جذبها بقوة إليه، حاول اقتيادها للخارج، لحظتها اختل توازنها، ترنحت تحت تأثير السُّكر، كاد أن تسقط، انفجرت في وجهه تهزي بكلام قبيح، توبخه، تلعن جموده، تنعته ببذيء الصفات:” يا لك من شرقي متوحش فظّ؟!”، دارت الدنيا به الدنيا، رآها أمامه وقد نبتت لها ألف رأس، وألف لسان، حامت سحب الغضب من حوله، في عز ثورتها رمته بنظرة شهوانية هامسة إليه في عتاب، ظل في صمته لدقائق، قبل أن يطلق ضحكة هستيرية انخرك فيها دون توقف، غادر المكان تصحبه ضحكاته الساخرة، في منتصف الطريق أصابته ارتجافة، اهتزت روحه، زاد وجيبه، تكاثف الضباب من حوله في مشهد لم يألفه، أصبح ثقيلا على غير المعتاد، جعل يصيح ويلعن الضباب، يلعن مجيئه إليه، يلعن ” كارولين ” يلعن ضعف الإنسان وغواية حواء، رماه المارة بعين الريبة، وحدها من يستطيع امتلاك المقود، السيطرة عليه وامتلاكه، توردت وجنتيه وهو ينفث من فمه في لهاث البخار، فرك جبهته في ارتباك، عادت إليه ذكراها، تمثل أمامه وجه “راوية ” الخمري في ابتسامة مشرقة، جسدها الطازج المتفجر بالحيوية، عينها المتسعة في طغيان جارف، ردد بصوت مسموع ” أحبك..لحبك “، الأحرف اليتيمة الني انتزعها منها بعد عامين من لهيب الحب.
لا تزال الحسرة تنهش قلبه منذ أيام، يخايله باستمرار وجه أمه في تحنان، تلك السذاجة التي تغلف وجه القرويات، اسند رأسه بين كفيه منصتا، وكأن صوتها يشاغب أذنيه، توددها لجاراتها، كل ما فيها مميز وصادق، رائحة طبخها تهب تعبق الحجرة، أطباق البصارة اللذيذة، البرغل، الملوخية، شعر بالجوع، تتلوى معدته في انقباض موجع، إنه مذ أتى إلى مدن الضباب لم يشبع، مذ هاجر قريته لم يهنأ كأيامه الخوالي، فقط طبيخ أمه القادر على أن يملأ بطنه، يسد جوعه ويسكن نهش ثعابينها، تماما كلبنها الذي سواه رجلا، تمددت دون ترتيب ابتسامة فوق وجهه الشاحب، يغازله منظر والده يوم أضاءت الكهرباء بيوت القرية، كان شابا فتيا، ليلتها أشرق وجه الفلاح الطيب بالفرح، وهو يتكلم في عجالة منتشيا بأنفاس قصيرة متقطعة:” انظروا لجريد النخلة كيف سطع مخضرا بعد هزال، وهذه عراجين البلح زاهية في اصفرار كحبات المرجان “، طلعت شمس اليوم التالي في عز بهائها، لم تنم القرية ليلتها، سهر الناس للصباح يتغنون بهذا النور، يذرعون الطرقات جيئة وذهابا فرحين، بعد أيام اقبلت اخته الصغرى تلهث، يتصبب وجهها عرقا، لقد باضت الدجاجة العجوز، عمت البيت الفرحة، لم يغب عن باله ذلك المصباح الكبير المتدلي من سقف الجريد في صدر الدار، تلف من حوله حوم الفراش كثيفة، حتى هذه المخلوقات الدقيقة رقصت طربا لمقدم النور، حاول ترطيب عواطفه بعد توهجها، لكنه فشل، إنه الآن يتهيب الحياة، الاندفاع في طريقها، ربما باغته هذا الشعور متأخرا، ألم يهرب بنفسه من الفقر، باحثا عن العيشة الرغيدة، عندما قدم طاوع هواه، انغمس في كل شيء حتى شحمة أذنه، العمل، المال، الحب والنساء، تناسى الضباب، بعدما تخطَّفته الأضواء، ترى لماذا يرجع ثانية لماضيه، يئن تحت هذا الضوء المنبعث عن بعد؟، لماذا يمل حياته المطمئنة، يترك نفسه يتوزعه القلق، لماذا هذا التقريع الشديد، أكان يتخفى آمنا وراء قناع مزيف؟، ها هي الأحزان تلهبه بسياطها الحامية، وتسلمه للمجهول، انقطع كلية عن العمل الذي افنى زهرة شبابه لأجله، إياها كلية الطب التي أوسعت لابن الفلاح المعدم مكانا ن حنت على اجتهاده، أوصلته لأن يهاجر، يتعقب الضوء القادم من الغرب أسوة بغيره.
داخل غرفته، رعش ضوء الفضاء، فأغرقه في لجة رمادية مشوشة، فبدت فيها الموجودات كأشباح، حاول تشمم هواء المكان في انزعاج، امتدت يده سهوا نحو الهاتف، لحظتها تألق وجهه، انفكت تجاعيده، جاءه الرد من الطرف المقابل:” إزيك يا محمود، وحشتني يا ابني “، سرت رعشة في شفتيه، شعر أن صوت أمه يمسح على قلبه، يزيل عنه أكلاف الحياة وعنتها، كتلك اليد الحانية التي تمسح على وجه الحقول عند البكور، فتزيد من خضرتها، وتضاعف من رقرقة حبات الندى فوق تيجان أعواد الذرة، رد في حسم:” غدا اصل عندكم يا أمي”.














