جمال الطيب
تعددت المراحل الإبداعية في مسيرة الكاتب “محمد جاد”، حيث صدر له ديوان شعري بعنوان “من قلبي” عن دار “ميريت” في عام 2009، وفي عام 2010 صدرت روايته “الورشة” الصادرة عن دار “ميريت”، وبعدها رواية “الواحة” عن دار “ميريت” أيضًا في عام 2012، وبعدها اتجه إلى كتابة القصة القصيرة ليصدر مجموعته القصصية “لضم الإبر” عن دار “الأدهم للنشر والتوزيع” في عام 2014، وتلتها رواية “سفرجي الملوك” عن دار “تشكيل للنشر والتوزيع” في عام 2024، في عام 2026 صدرت روايته والتي تحمل عنوان “صمتٌ صاخب” عن دار “تشكيل للنشر والتوزيع”، والتي نحن بصددها.
الصمت والسكوت
الفرق بين الصمت والسكوت في اللغة: فالصمت هو الامتناع عن الكلام طواعية وبمحض الإرادة، أما السكوت فهو ترك الكلام مع القدرة عليه.
مفهوم “الصمت” كما ورد عند الصوفية والقرآن
“الصمت أو قلة الكلام عند الصوفية هو أحد أركان التصوف لدى المريد أو السالك في وسطية تقية من التفريط في السكوت ومن الإفراط في الثرثرة”. (ويكيبيديا). كما ذكر القرآن كلمة الصمت مرة واحدة بصيغة اسم الفاعل في قوله تعالى في سورة الأعراف: وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَىٰ لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ (193). وورد معنى الصمت أي عدم الكلام في العديد من الآيات في قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ). سورة آل عمران الآية (41). وفي سورة مريم: ( قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا). الآية (10). وفي سورة النبأ حيث يقول سبحانه: ( يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَقَالَ صَوَابًا). الآية (38).
أدب السجون
يُنظر إلى أدب السجون باعتباره نوعاً من الأدب الذي يوثق تجارب الكُتّاب داخل السجون أو الإقامة الجبرية. إنه ليس مجرد سرد للأحداث، بل هو انعكاس لمعاناة الإنسان، وصراع روحه من أجل الحرية والكرامة.
وقد تدور أدبيات السجون حول السجن، لأحداث إما رويت للأديب، أو شهدها أثناء وجوده في السجن. وقد تكون مذكرات، أو أعمال روائية، أو محض خيال. يسعى أدب السجون إلى تقديم صورة واقعية للحياة داخل السجون، بما في ذلك الظروف المعيشية القاسية، والتعذيب النفسي، والجسدي، والروتين اليومي للمساجين.
أهمية أدب السجون
يُشكّل أدب السجون مرآة تعكس معاناة الإنسان، وهو شهادة على قوة الروح البشرية، إنه أدب يثير التأمل، ويحمل في طياته رسالة أمل، ويدعو إلى بناء مجتمعات أكثر عدالة ومساواة.
أهم الأمثلة الواقعية على روايات أدب السجون الحديث والمعاصر
هناك روايات تجارب شخصية لصاحبها، يسرد من خلالها سنوات سجنه، ومنها على سبيل المثال:
أ- رواية “يا صاحبي السجن” للكاتب الأردني “أيمن العتوم”، والتي كتبها باللغة العربية ونشرتها المؤسسة العربية للدراسات والنشر عام 2012، وهي تتحدث عن تجربة شخصية للكاتب في السجن وتفاصيل تلك الرحلة.
ب- رواية “القوقعة: يوميات متلصص”، للكاتب السوري “مصطفى خليفة”، وصدرت الطبعة الأولى من الرواية عن دار الآداب في بيروت عام 2008، وهي رواية تسرد أحداث قصة شخصية بدأت باعتقال الكاتب بعد عودته إلى بلده، وفيها يروي تفاصيل معاناته في السجن. وتعتبر من أهم الروايات التي تناولت موضوع التعذيب. كما أنها تعتبر من أهم روايات أدب السجون العربية شهرة، حيث ترجمت إلى عشر لغات، وتشمل الفرنسية، والإنجليزية، والأسبانية، والإيطالية، والنرويجية، والتركية، والألبانية، والمجرية، والألمانية.
ج- رواية “من تدمر إلى هارفارد” للكاتب السوري الدكتور “البراء السراج”. صدرت باللغة العربية في عام 2011، والرواية سرد لتجربة شخصية حدثت مع الكاتب، الذي دخل السجن، وعانى من ويلاته لسنوات طوال.
د- رواية “تزممارت: الزنزانة رقم 10″، للكاتب المغربي “أحمد المرزوقي”. صدرت في عام 2001 باللغة الفرنسية وتُرجمت إلى العربية في دار طارق للنشر بالدار البيضاء، وتحكي الرواية قصة شخصية للكاتب أثناء اعتقاله بسجن تزممارت لسنواتٍ طوالٍ، وفيها يروي أحمد المرزوقي معاناته وعذاباته في السجن على مدار 18 عاما.
ه- رواية “خمس دقائق وحسب، تسع سنوات في سجون سورية” للكاتبة السورية “هبة الدباغ”. صدرت في عام 2005، وفيها تروي الكاتبة قصة معاناتها الشخصية في سجون بلادها، والتي قضت فيها تسع سنوات، وبعد خروجها من السجن وثَّقت ما حدث معها في داخل السجن.
والصنف الآخر من الكتب التي تدور حول السجن ومعاناة السجناء وصنوف التعذيب والتنكيل التي يواجهونها هناك، كتعريف للقارئ بما يدور خلف القضبان، ومن أمثلتها:
أ- “حيونة الإنسان” للكاتب السوري “ممدوح عدوان”، صدرت عن دار ممدوح عدوان في عام 2018، وفيه يكتب ممدوح عدوان عن تقييد الحرية الذي يعاني من الإنسان في هذا العصر، والتي لا تتوافق مع إنسانيته، بل ويدفع هذا القمع بالإنسان إلى الحيونة (أي تحوله إلى حيوان).
ب- رواية “شرف” للكاتب المصري “صنع الله إبراهيم”، والصادرة عن دار الهلال في عام 1997، ويسرد فيها الكاتب قصة الشاب شرف، الذي دخل السجن، وهناك بدأت معاناته، يتعرّضه للإساءة بكافة أشكالها، كما يعرج الكاتب على ذكر مختلف الشخصيات التي عايشها في سجنه، والتي تقتصر غالبًا على المساجين الثانويين في جرائم الفساد والمخدرات واستيراد الاغذية الفاسدة، والذين يكونون كبش الفداء للمجرمين الأساسيين الموجودين خارج السجن. وتعتبر هذه الرواية من أهم روايات أدب السجون في العالم العربي، حيث يفضح فيها الكاتب العالم المسكوت عنه خلف القضبان.
ج- رواية “شرق المتوسط” للكاتب السعودي “عبد الرحمن منيف”، صدرت في عام 2007، يسرد الكاتب قصة رجب، الذي خرج من السجن ولكنه لم يحتمل رؤية أحد ممّن حوله، لذلك يقرر الهجرة إلى أوروبا، وفي طريقه إلى وجهته، يبدأ رجب باستعراض ذكرياته في السجن، ومن خلال الرسائل التي يرسلها إلى أخته أنيسة، والتي يصف فيها العذاب والألم الذي عاناه في سجنه، وبعد وصول رجب إلى وجهته، وقضاء عدة سنين هناك، يعود إلى وطنه، ويُعتقل مرةً أخرى، ليخرج فاقدًا بصره، ويموت بعدها بفترة قصيرة، وتقرّر أخته أنيسة بعد ذلك نشر رسائله وكتاباته كما هي وفاءً له.
د- رواية “دروز بلغراد.. حكاية حنا يعقوب” للكاتب اللبناني “ربيع جابر”، صدرت في عام 2010 عن دار الآداب للنشر والتوزيع، وتدور أحداثها حول معاناة الشخصية الرئيسة من عذاب وقساوة السجن الذي كان فيه، إلى درجة أنّ بعض ممّن كانوا معه في ماتوا بسبب ظروف السجن الذي لا يمكن لأي بشري تحمّلها.
ه- رواية “تلك العتمة الباهرة” للكاتب المغربي “طاهر بن جلون”، صدرت عن دار الساقي في بيروت في عام 2002، تعدّ تجسيدًا لقصة حقيقية لأحد السجناء، وفيها يروي الكاتب قصة معاناة سجين قضى سنواتٍ طوالٍ في السجن، بعذابات نفسية وجسدية فوق مستوى تصوّر البشر، حازت الرواية على جائزة دبلن الأدبية الدولية في عام 2004، كما ترشّحت لجائزة الرواية الأجنبية المستقلة عن القائمة المختصرة عام 2006.
نعود إلى الرواية
تدور أحداث الرواية على لسان “الشيخ منصور”، يحكي فيها ذكرياته وأيامه التي قضاها خلف القضبان. ترتكز أحداث الرواية على ثلاثة أعمدة اعتمد عليها “جاد” في بناء روايته: مأمور السجن/ الجلَّاد/ الفاشي، السجين/ الشيخ منصورالذي بلغ الستين من عمره، ويعدّ أقدم السجناء وأكبرهم سنًا، والسجَّان/ الصول مسعود كبير السجناء).
الشخصيات الثانوية
وهناك شخصيات ثانوية ولكن لها دور مؤثر في الرواية “قادة ثورة الصمت”، كشخصية “حسين الشناوي” والملقَّب بــ “أبو شوق”، الذي ساقته تجارة المخدرات إلى السجن، الشاعر “أحمد رضوان”، المعتقل بسبب قصائده التي تشنّ حربًا على الفساد والقهر والظلم.
جدران السجن
باستعراض سرد الرواية يتبيّن أهتام “جاد” بتفاصيل السجن سواءً من البشر كالشخصيات التي استعرضناها، وأيضًا اهتمامه بالحجر، فنراه يتجول في جنبات السجن، ويحدثنا عن جدرانه، فيقول: “كانت ومازالت تلك الجدران شاهد عيان على انتحار الأشعار والخواطر والآراء والذكريات التي خطّها السجناء بدمائهم قبل أقلامهم، كانت شاهدًا جوهريًا على أن الساسة والكتّاب والشعراء الذين مرّوا من هنا ذاقوا مرارة الوحدة حتى آخر قطرة، ولا تزال صرخاتهم عالقة بين شقوقها الصغيرة كأرواح تائهة تبحث عن نافذة نجاة”. (ص21/22).
الصمت ثورة تطالب برحيل المأمور
أدى صمت السجناء إلى بث الرعب والفزع في قلب المأمور، وشعوره أن هذا الصمت بداية نهايته، مما أدى به إلى التنكيل بهم وضراوة التعذيب الذي يمارسه نحوهم، وهنا يتدخل الصول مسعود للشيخ منصور ناصحا، لمهادنته والتراجع عن ثورتهم “الصامتة ليخبره أن جميع المحاولات السابقة قد باءت الفشل.
دلالة الصمت ودوافعه كما جاء على لسان الراوي/ الشيخ منصور
“فصمتنا ما هو إلا رسالة خالصة للمأمور نفسه، رسالة لا تُكتب ولا تُقال، “ارحل ببأسك وشراستك وطغيانك”. (ص24).
المأمور
” يواصل جولاته بين الزنازين، سبًّا وتهديدًا وصراخًا، لعل صدى غضبه يوقظ أحدنا من صمته فيعطيه ما يريد، كلمة، نظرة، أي ردّ يطفئ نار الخوف المشتعلة في صدره”. (ص21).
المأمور ووسائل تعذيبه للسجناء
“فماذا عساه يفعل فوق ما فعل؟ وأي جرحٍ جديد يمكنه أن يبتكره بعدما أنهكنا بكل صنوف بطشه؟ فلقد أذاقنا صنوفًا لا تُحصى من العقاب؛ جفّف حلوقنا بمنع الماء عنّا لأيامٍ تتلوها أيام، وقطع عن معظم السجناء زيارات أهاليهم وأحبابهم، كأنّه ينتزع آخر خيط يربطهم بالحياة، وزّع علينا الحبس الانفرادي مئات المرات، لم يتورّع عن إهانة السياسيين والكتّاب والشعراء المعتقلين بأقذر ما في قاموسه من ألفاظ أمام السجناء والحراس على حدٍّ سواء، رغبةً منه في كسر ما تبقّى لهم من كبرياء.
قرية “كنز الجبل”
ينتقل بنا المؤلف خلال (الفصل الثامن) من الرواية وهروب خمسة من السجناء: الشيخ منصور، الشاعر أحمد رضوان، الكاتب سامي الدمياطي، أبو شوق، سجين جنائي خطير يُدعى “النمس”، والصول مسعود، من عربة الترحيلات أثناء توجههم إلى سجن آخر يُسمى “سجن النهاية”، بعد أن هاجمت العربة عصابة مسلحة لتهريب “النمس” زعيمهم المحبوس. جاء هذا الهروب ليخرج بنا “محمد جاد” من أسوار السجن وقتامتها إلى الفضاء الواسع، حيث تدور الأحداث في قرية تُسمى “كنز الجبل”، لنلتقي هناك بمأمور آخر، ولكنه هذه المرة في ملابس مدنية، ألا وهو عمدة هذه القرية الذي استولى على كنز مدفون بالجبل المجاور للقرية بعد أن عثر عليه، ليحرم أهل القرية من هذه الثروة بعد أن أمرهم بالبحث عنه، واقتسامه بالعدل التي اختصها لنفسه. فالطاغي والفاشي ليس محصورًا فقط داخل جدران السجون، بل وخارجه، فبيننا يعيش كثيرًا من الطغاة.
الختام
استطاع الروائي “محمد جاد” من خلال روايته خلق حالة من المعايشة مع أحداثها لِما توفر فيها من “ديناميكية”، سواء من خلال الحركة لشخصيات الرواية خاصة مأمور السجن، ومن خلال الحوار بين شخصيات الرواية، وكذلك من تدفق الأحداث، حتى وإن كانت تدور بين جدران السجن المحدد الأبعاد. اعتمد “جاد” على الراوي الأوحد/ الشيخ منصور تجنبًا لتشتت القارىء بين رواة متعددين. يسترعي الانتباه شخصية الصول مسعود/ السجان، فنراه لا يختلف أو يكاد يتطابق في حالته مع حال بقية السجناء، ولكنه سجين “راتبه ولقمة عيشه”. فشعور الحاجة إلى راتبه الذي يعينه على تحمل أعباء أسرته المكونة من زوجته وابنته الضريرة، تلك الحاجة التي تعوق بينه وبين الاحتجاج على التعذيب الذي يتم على السجناء على مرأى ومسمع منه على يد المأمور وكلابه من الحُرّاس. في الختام نقول أنه إذا توفرت للإنسان حياة كريمة تتوفر له فيها لقمة العيش التي تسدّ رمقه وتوفير الأمان له ولأسرته ولمن يعولهم، حياة تتوفر فيها العدالة ورفع الظلم عن المظلومين، ساعتها فقط ستخلو السجون من زبائنها.
















