شاي وشطرنج

بولص آدم

أشعة الصباح تتسلل عبر نافذة المطبخ كشرائط من عسل سائل، تعانق حواف الكراسي والطاولة، وتضيء بخفة البخار المتصاعد من إبريق الشاي. المقدمة، مقدمة برنامج حواري تلفزيوني، بابتسامة حيوية ونصفها لعب، تمسك إبريق الشاي كأنها تحمل سرًّا صغيرًا، وتفرغ أوراقه في الكوب الذي يبدأ بلون الخشب المحروق ويتحول تدريجيًا إلى لون شاي دافئ. الضيفة، ممثلة وكاتبة درامية، تجلس على كرسي خشبي، عينان كنافذتين تطلان على المطبخ، تتأرجح بين الفضول الذي يريد اقتحام التفاصيل، والرهبة التي تعرف أن الصمت هنا يحمل حكايات لا يسمعها إلا من يجرؤ على الانتباه.

– “تحبين الشاي بالنعناع؟” تقول المقدمة، وكأنها تلقي تعويذة صباحية على الكوب.

– “نعم… وفي الصباح فقط، ليصبح العالم أقل صخبًا” ترد الضيفة بابتسامة تكاد تكون سرية، وهي تتظاهر بأنها تمسك بالكوب كأنه كتاب مهم.

وفق اقتراح المخرج، تتحركان بعد ذلك نحو الطاولة الخشبية الكبيرة، وفي وسطها رقعة شطرنج، القطع مصطفة كأنها تنتظر بدء حوارها الصامت. البخار يتماوج مع الضوء، يرسم ظلالًا خفيفة على الرقعة، ويحوّل المكان إلى مسرح صغير من الحركة والتوتر البريء.

– “لنلعب شطرنجًا أثناء الحديث” تقول المقدمة بعينين تلمعان بالمكر، وابتسامة توحي بالمفارقة.

– “شطرنج؟!” تضحك الضيفة. “لكنها لعبة صامتة!”

– “بالضبط!” تقول المقدمة. “لذلك سنقوم بكل الكلام الذي لا يسمح به الجنود!”

تبدأ الحركة الأولى: الحصان يقفز خطوة إلى الأمام. الضيفة تلتقط القطعة وكأنها تمسك بدجاجة صغيرة هاربة، وتقول:

– “أشعر أن هذا الحصان مستعد للتمرد!”

ترد المقدمة وهي تحرك جنديها خطوة للأمام:

– “لا تقلقي، الجنود فقط يتظاهرون بالقوة… وهم الأكثر خوفًا من الملك!”

بين حركات القطع، يهب الصمت فجأة كنسمة تخطف طرفًا من الحوار، فتتصاعد الضحكات كفقاعات في كوب شاي ساخن، بينما القطع الصامتة تراقب كل شيء بعينين خافتين من الطرافة، وكأنها تقول: “إننا نتحدث أكثر مما تسمح به قوانين اللعبة!”

– “هل تعلمين؟ أحيانًا أشعر أن الوزير يحب الدراما أكثر من الملك.”

– “وماذا عن الفيل؟” تضحك المقدمة. “يبدو لي أنه يخطط لمغامرة جانبية، ربما سرقة الشاي!”

الحصان يقفز، الضيفة تقول: “يا له من فارس مغامر!”

الوزير يتحرك، المقدمة تهز رأسها: “أوه، الملك سيحزن لو عرف!”

مع انتهاء اللعبة، لم يعد هناك فائز ولا خاسر، فقط رقعة تشع بالحكايات غير المنطوقة، وابتسامة صغيرة ترتسم على شفاههما.

بولص آدم

65 مقال
أديب وفنان سينمائي عراقي، من أعماله: ـ كتاب: «ضراوة الحياة الآمتوقعة»، (القاهرة 2010). ـ «اللون يؤدي إليه»، (بغداد 2013). ـ…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع