أشرف الصباغ
سأحكي لك عن مدينتي القاسية، العجوز، البشعة، الشحيحة، الباردة، المزعجة بضجيجها وعشوائيتها، الجافة في مشاعرها وطقسها، المفخخة في كل منعطف بأزقتها وحواريها وميادينها، الملوثة في مياهها وهوائها وخبزها، المقفرة في كل أرصفتها وحدائقها ورياض أطفالها الافتراضية، الخالية من إشارات المرور وأماكن عبور المشاة، المزدحمة بالعابرين والمتسكعين والمترجلين والعاطلين، المليئة بالصور الجارحة لأطفال الشوارع والكلاب الضالة والقطط الجائعة والمتسولين والمساطيل واللصوص والنصابين، الرازحة فوق جثث الأحلام والآمال والكوابيس، المُرَاقَبة بالعيون المتلصصة، المُسَممة بالنظرات الجائعة التائهة.
لا تصدق أولئك الناس الذين يحاولون مَنْطَقة العلاقة بين الإنسان والمكان، ويعيشون طوال حياتهم لجمع كل الأسباب والمسوغات والقرائن الممكنة وغير الممكنة من أجل توضيح علاقتهم- حبًا أو كراهية- بالمكان.
الغرباء والعابرون، والمقيمون ليوم أو شهر أو مئة عام، يحبونها أحيانًا، بقدر ما تمنحهم، وبقدر ما يأخذون منها، بقدر ما يرون فيها من صور تروق لهم، وبقدر ما يكوِّنون فيها وعنها من ذكريات حميمة ودافئة، ويقدر ما تُلبي لهم من مطالب ورغبات، وبقدر ضعفها وهشاشتها وغنجها وقلة حيلتها. وينفرون منها في أحيان أخرى، بقدر حماقتها وعشوائيتها وقلة عقلها، وبقدر قسوتها وصلفها وغطرستها، بقدر استغنائها وترفعها، وبقدر استغلاقها وإخفاء مفاتيحها، وبقدر ما تضن به عليهم من أسرارها.
الغرباء ينقسمون إلى عدة أقسام، فتجد الغرباء الأشرار يشبهون اللصوص الأثراء لدينا، أولئك الوجهاء الذين يسرقون في حدود القانون، الذين يحتقروننا ويتاجرون بنا، ويبعثون بأولادنا إلى الحروب والأعمال الشاقة، والأحكام الشاقة، بدلًا منهم. أما الغرباء الأخيار، ينظرون إلينا بعطف وشفقة ويحافظون على مسافة تحميهم من قاذوراتنا ومفاجآتنا، وقلة عقلنا غير محمودة العواقب. بينما الغرباء الذين يبحثون- مثلنا- عن “وطن”، يشبهوننا، ويشبهون لصوصنا: حرامية الغسيل والفراخ وغطيان البكابورتات، وأبواب البيوت ونوافذها، فنحن أيضًا محض لصوص، نسرق أسرار بعضنا، ونتلصص على بعضنا، ونستولي على بعض النقود والثياب وأرغفة الخبز والدجاج خلسة من بعضنا البعض، على سبيل الاستعارة ليس إلا، وإلا متنا من الجوع والفقر وضيق ذات اليد.
هل تريد حكايات أخرى عن مدينتي التي تعاملني مثل حشرة؟ عن تلك المدينة القاهرة التي تضيق على البعض وتتسع للبعض، تَحْرِم بعض أبنائها وتُغدق على البعض الآخر، تُخصص أماكن للفقراء وأماكن للأغنياء، وأماكن للكلاب والمتسولين وأطفال الشوارع؟
تلك المدينة القاسية ذات اليد الثقيلة التي لا ترحم أبناءها ولا تمنحهم كسرة خبز أو حتى قبلة وداع، تخنق أحلامهم وأنفاسهم، ترهق أرواح الصبايا، وتضرب حصارًا على قلوبهن، وتُقَيِّد أجنحتهن، توجع قلوب الأولاد وتعصف بأرواحهم، وتشتت عقولهم!
هذه هي مدينتي.
– هل رأيت مدينة أسوأ منها؟
– …….
– لكنها مدينتي!
مدينتي التي لم أخترها، ولم تخترني. إنها ببساطة طبائع الأمور: مثل التنفس، وانقباض عضلة القلب وانبساطها، وسريان الدم في الشرايين والأوردة، ودوران الكواكب والمجرات، وحركة الإلكترونات حول النواة. هذا كل ما في الأمر. بالضبط مثل التسكع في شوارعها وحواريها وأزقتها، والمشاجرات في مواصلاتها العامة والخاصة، والجلوس على مقاهيها، والتجول في أسواقها وحوانيتها، والمساومات مع البائعين وسائقي سيارات الأجرة، والكلام في الدين والسياسة والجنس وكرة القدم، واحتساء البيرة وتدخين الحشيش، وارتياد الجوامع والكنائس، والخشوع في حضرة القديسين وأولياء الله الصالحين، ومغازلة الفتيات، وتبادل النكات مع فراشات شارع جامعة الدول العربية.
هل تعرف كيف أمارس الحب مع صاحبتي في هذه المدينة؟!
في البداية، أجلس على المقهى ممددًا قدميَّ تحت أشعة الشمس الصباحية. أدخن كثيرًا وبشراهة، أشرب عدة أكواب من قهوة لا طعم لها، ربما صنعوها خصيصًا من بن مغشوش. أرسم عينيَّ حبيبتي على جدار البناية المقابلة، وأحفظ تفاصيلهما، ثم أغلقهما على ابتسامة. أتسكع قليلًا في شوارع أنسى أسماءها متعمِّدًا، تسلمني حارة لأخرى، وزقاق لآخر. أرسم شعرَها، شعرة شعرة، فتمتد خيوطه من رأسها الصغير وتنتهي عند مدخل كل شارع وزقاق وحارة، ويطول واحد حدو السماء، وينطلق آخر إلى كوكب الزهرة، وثالث يتراقص عند ذلك التمثال الذي يقف أمام حديقة الحيوانات، وخامس يسافر عند البحر المالح، وتاسع يخرق عين الحسود، وعاشر ينبت في قلبي، فلا نعرف أين الجِذْر وأين الفرع.
أظَلُ طوال النهار أوزع ملامحها على النوافذ والأبواب، وأزين بها الكباري وأسطح البيوت وواجهات المحلات التجارية والمسارح ودور السينما، وأدسها سرًا في أكف أطفال الشوارع وبائعات الصحف والمتسولين وموظفي الحكومة والعساكر على الحدود، وربما أهدي بعض الغرباء الذين يشبهوننا قبسًا من نورها، على سبيل الاستعارة ليس إلا.
وفي المساء، تلتئم ملامحها، تتجسد لحمًا ودمًا وعسلًا. نتسكع قليلا عند حدود البشر. وعندما ينتصف الليل، نُحَلِّقُ نحو النجوم. نفترشُ العرش قليلًا، ننظرُ من أعلى إلى مدينتنا، نكتشفُ أننا لم نغادرها، فنفرحُ ونكافئ أنفسنا ببعضنا البعض ونظل نمارس الحب ليلة كاملة، كل ساعة فيها بألف عام، وكل دقيقة بألف ألف عام، وكل ثانية بأزل وأبد كاملين.
وعندما تشرق الشمس، يوقظنا البحر، فنلملمُ ما فاض عن حاجة اللصوص من ملابسنا وصورنا وأسرارنا، نخطُها في طلاسم، ونضعُ الطلاسمَ في أحجبة، ونخفي الأحجبةَ- بعيدًا- في شقوق الأرض والجدران وتحت أبواب المعابد والكنائس والجوامع، ونخبئ ما تبقى في قلوب الصبايا وعيون الأولاد، ونوصيهم خيرًا بالغرباء، فالغريب أعمى حتى لو كان بصيرًا.
الغرباء العقلاء يصمتون خشوعًا في حضرتها، فلربما مَنَّت عليهم بسر من أسرارها، أو أغدقت عليهم بأحد مفاتيحها. أما الغرباء الحمقى، فهم دائما متعجلون، يمرون سريعا أمام الشقوق دون قراءة ما بداخلها، يركضون للحاق بقطارات الرغبة السريعة دون النظر لوجهتها، يتمطَّقون ويُزرِّطون لتخفيف الغازات الضاغطة على كروشهم وعقولهم، تخدعهم أكوام القمامة فيهرعون للفرجة عليها وتكديس ذكريات تشبه مؤخراتهم والدهون المتراكمة على بطونهم وأقفيتهم، يلتهمون الوقت سريعا ليفوزوا بالحكي عن أسوأ مدينة في العالم يأكل أبناؤها القطط والكلاب: مدينة تبيع نساءها، أو في أحسن الأحوال تؤجرهن للغرباء والعابرين.
الانتماء ليس قرارًا. لا رفض هنا ولا قبول. إنها طبيعة الأمور. والانتماء للمكان ليس اختيارًا ولا رفاهية، وليس جبرًا أو قسرًا. وليس أيضَا بمحض إرادتنا. إنها طبيعة الأشياء.
أنا أيضًا أستطيع أن ألعنها في كل لحظة، لكنها مدينة مخاتلة تجيد المناورة. لدىَّ قدرة خارقة على رفضها ومقاطعتها والعزوف حتى عن النظر إلى وجهها، لكنها ملعونة تجيد الابتسام، ولبسمتها بريق يذيب الروح. يمكنني مغادرتها في أي وقت، لكنها وقحة ترفض أن تغادرني. أمتلك إرادة صلبة في طردها تمامًا، وإلى الأبد من عقلي، لكنها ابنة كلب عنيدة لا تخمد أبدا في دمي.
إنها أنا، وأنا ابنها ولعنتها ومدينتها الواسعة، وفضاؤها الرحيب، وبشارتها، وقارئ تعاويذها وما بين شقوق جدرانها.













