ندّاهة المنيل: حين تصغي الكتابة لنداء المكان

تاميران محمود

أحمد رجب شلتوت

   يبدأ السرد في مجموعة قصص “ندّاهة المنيل” من نداء خفيّ، قد يكون هو صوت المكان نفسه، وربما يكون رجع الذاكرة وهي تستعيد ما تآكل، كاستجابة لرغبة دفينة في ترميم ما تصدّع في الداخل.

  بهذا المعنى، تبدو الكتابة عند تاميران محمود  كنوع من الإصغاء لما يتسرّب من التجربة، حيث تتداخل الذات بالمكان، والذاكرة بالراهن، والواقعي بالأسطوري.

   من هنا تبدو القصة التي منحت المجموعة عنوانها «ندّاهة المنيل» بمثابة عتبة دلالية تؤسس للمشروع السردي للمجموعة كلها. فهي تطرح سؤالًا مركزيًا: هل يمكن معرفة المكان من الخارج؟ أم أن لكل مكان سرّه الذي لا ينكشف إلا لمن عايشه؟ هذا السؤال يتحول إلى محور اشتغال جمالي تتفرع عنه بقية القصص.

المكان كائنًا حيًا

   أبرز ما يلفت في هذه المجموعة هو تحوّل المكان إلى كائن حيّ. فالمنيل يُقدَّم بوصفه ذاكرة تحتفظ بأسرارها، وترفض أن تُختزل في وصف خارجي. المكان هنا ليس ما يُرى، بل ما يُعاش. هو شبكة من العلاقات والتفاصيل الصغيرة التي لا تُدرك إلا من الداخل، تتجلى هذه الرؤية في رفض الساردة للمعرفة الجاهزة التي يمثلها الكتاب الفرنسي. فهو يظل عاجزًا عن النفاذ إلى جوهر المكان. ومن هنا تتشكل مفارقة أساسية، المعرفة من الخارج معرفة ناقصة، وقد تكون مضللة أحيانًا، لأنها تكتفي بالسطح، بينما الحقيقة تكمن في التجربة المعاشة.

   في المقابل، تنحاز الكتابة إلى المعرفة الحميمية، تلك التي تتكون من تفاصيل يومية بسيطة، وجبة طعمية على الكورنيش، صمت الصيادين، حكايات الأب، أو حتى حضور شخصيات هامشية مثل “سكينة”، هذه التفاصيل، التي قد تبدو عابرة، تتحول في النص إلى علامات دالة على روح المكان.

استعارة الذاكرة والحنين

    يحمل اختيار “الندّاهة” عنوانًا للمجموعة كثافة رمزية واضحة،  فالندّاهة عند العوام كائن مغوي يجذب الناس نحو المجهول، لكن هنا تتحول الندّاهة إلى استعارة عن صوت المكان ذاته؛ إنها قوة خفية تشدّ الذات إلى ما تظن أنها غادرته، بينما هو في الحقيقة لم يغادرها. الندّاهة هنا هي الذاكرة حين تستيقظ، وهي الحنين حين يتجسد، وهي العلاقة الأبدية بين الإنسان ومكانه. بهذا المعنى، يصبح المكان كأنه ينادي أبناءه، يستدعيهم، ويعيد تشكيلهم من الداخل.

   وهذا البعد الرمزي يمنح النصوص طابعها، فالقصص تتحرك على تخوم عالمين، عالم يومي ملموس، وعالم خفيّ تسكنه الظلال والنداءات الغامضة. هذا التوتر بين الواقعي والأسطوري يمنح المجموعة طاقة سردية خاصة.

السرد من الداخل

   من السمات البنيوية اللافتة في المجموعة هيمنة ضمير المتكلم في معظم القصص، فكأن السرد هنا لا يريد أن يراقب العالم من الخارج، بل أن يعيشه من الداخل، ضمير “الأنا” يجعل من الحكاية تجربة معيشة. وهنا تقترب الكتابة من اليوميات أو الاعترافات، حيث يصبح السرد مساحة للبوح، وربما أيضًا للتخفيف من وطأة القلق أو الخوف.

   لكن هذه “الأنا” ليست واحدة، فالمجموعة تقدم تعددًا في الأصوات، حيث تتكلم شخصيات مختلفة، نساء، رجال، شباب، موظفون، عابرون. كل منهم يقول “أنا”، وكل هذه “الأنوات” تتجاوز فرديتها لتصبح جزءًا من صوت جماعي. وكأن المدينة نفسها تتكلم عبر سكانها.

    وفي المقابل، تحتفظ بعض القصص بضمير الغائب، مما يخلق توازنًا سرديًا، إذ يسمح بمسافة ضرورية لالتقاط مشاهد أوسع، أو لتقديم رؤية اجتماعية أكثر شمولًا. وهكذا تتشكل بنية سردية تجمع بين الحميمية والموضوعية.

نموذج مصغر للعالم

   تنجح “تاميران محمود” في تحويل المنيل إلى ما يشبه “مدينة صغيرة” داخل القاهرة الكبرى. فيتحول عبر القصص إلى نموذج مصغر للعالم، حيث تتقاطع الحكايات الفردية مع التحولات الاجتماعية الأوسع، وكل القصص، ترتبط بخيط خفي، هو المكان. كل حكاية تضيف طبقة جديدة إلى صورة المدينة. ومع تراكم هذه الحكايات، تتشكل فسيفساء سردية، لا تسعى إلى تقديم صورة مكتملة أو نهائية، بل تظل مفتوحة، مثل المدينة نفسها. فالقاهرة هنا لا تُختزل في معالمها الكبرى، بل تُعاد كتابتها من خلال تفاصيلها اليومية الصغيرة.

اليومي والعابر

   تعتمد المجموعة على تحويل اليومي والعابر إلى مادة حكائية. الأحداث الكبرى نادرة، لكن التفاصيل الصغيرة كثيفة ودالة. حديث عابر، طقس يومي، موقف بيروقراطي، كلها تتحول إلى حكايات، بما يكشف عن وعي جمالي يرى أن الحياة الحقيقية لا تكمن في الاستثنائي، بل في العادي. الكتابة هنا لا تبحث عن الدهشة في الغريب، بل في المألوف نفسه، حين يُعاد النظر إليه، كما أن هذا التركيز على اليومي يمنح النصوص طابعًا حميميًا، ويقربها من القارئ، الذي يجد نفسه أمام عالم يشبه حياته، لكنه يعيد تقديمها برؤية أكثر عمقًا.

المرأة  محور الحكاية

  تحتل الشخصيات النسائية موقعًا محوريًا في المجموعة، فالمرأة في كثير من الأحيان محور الحكاية، والنصوص تكشف عن تجارب نسائية متنوعة، تتراوح بين الهشاشة والقوة، بين القهر والمقاومة، في بعض القصص تظهر المرأة ضحية لظروف اجتماعية قاسية، (سكينة، مثالا)  لكن السرد يمنح الشخصية صوتًا، ويجعلها جزءًا من الذاكرة السردية للمكان.

   وفي قصص أخرى، تظهر المرأة بوصفها كائنًا قادرًا على الحيلة والمراوغة، وعلى مواجهة الواقع بذكاء. هذا التنوع في تمثيل المرأة يعكس رؤية شاملة ترفض التنميط.

روح الحكواتي

    تحتفظ المجموعة بروح الحكواتي، حيث يظهر السرد أحيانًا بوصفه فعلًا اجتماعيًا، وليس  مجرد نص مكتوب. الحكاية هنا لها جذور في الثقافة الشعبية، حيث يجتمع الناس حول راوٍ ينقل إليهم السير والأخبار، هذا الامتداد للحكاية الشعبية يتجلى أيضًا في التداخل بين الواقعي والغرائبي، وفي حضور عناصر شبه أسطورية داخل النصوص. الكاتبة تمزج بين تقنيات القصة الحديثة وروح الحكي التقليدي، مما يمنح النصوص طابعًا هجينًا وثريا.

  كذلك تتميز لغة المجموعة بالبساطة الظاهرة والكثافة المضمرة، الجمل غالبًا قصيرة، لكنها محمّلة بإيحاءات حسية. اللغة لا تسعى نحو البلاغة التقليدية، لكنها قادرة على خلق صور حية، كما أن الحوار يمنح النصوص حيوية ويجعل الشخصيات تتكلم بأصواتها الخاصة،  نجحت الكاتبة من خلال التنوع اللغوي في أن تعكس تنوع الشخصيات والطبقات الاجتماعية داخل المدينة.

مفارقة الحداثة والحنين

   من الثيمات المتكررة في المجموعة التوتر بين الماضي والحاضر. الأماكن كما تتذكرها الشخصيات ليست هي نفسها التي تعيش فيها الآن،  التغيرات العمرانية والاجتماعية تفرض حضورها، لكن الذاكرة تظل مقاومة للنسيان، هذا التوتر يولد شعورًا بالحنين، بما يجسد وعيًا بفقدان تدريجي. المدينة تتغير، لكن شيئًا ما يظل عالقًا في الداخل، يقاوم الزوال. هذا “الشيء” هو ما يمكن تسميته بنداء الندّاهة.

كشف التناقضات

   تحضر السخرية في أكثر من قصة كأداة نقدية. لكنها ليست سخرية مباشرة، بل تنشأ من المفارقة بين ما تقوله الشخصيات وما تكشفه أفعالها، ومن خلال هذه السخرية، تكشف الكاتبة عن تناقضات الواقع الاجتماعي، سواء في البيروقراطية، أو في التحولات الثقافية، أو حتى في علاقات الناس اليومية.

   وفي عمق هذه المجموعة،  تبدو الحكاية كوسيلة للنجاة، الشخصيات تروي كي لا تنسى، وكي لا تُنسى، كل قصة هي محاولة للاحتفاظ بلحظة، أو بشخص، أو بتفصيل صغير من الحياة.

    وختاما، يمكن القول إن مجموعة “ندّاهة المنيل” تمثل مشروعا سرديا يسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين الإنسان ومكانه حيث يبدو المكان شريكا في تشكيل الهوية، وحيث تبدو الكتابة عند تاميران محمود استجابة لنداء خفيّ، نداء لا يسمعه إلا من عاش التجربة. ومن خلال هذه الاستجابة، تتحول الحكايات الصغيرة إلى مرآة لمدينة كاملة.

 

كاتب وروائي مصري. من أعماله: العائد إلى فرحانة 1996، «السعار والشذى» 1998، «دم العصفور» 2002، «ساعة قبل النوم» 2009، «رشفات…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع