د. شهيرة لاشين
قد تبدأ المأساة أحيانًا من فكرة صغيرة يزرعها المجتمع في رأس الإنسان، لتكبر ببطء حتى تتحول إلى هاجس، ثم إلى خوف دائم، قبل أن تستقر في النهاية إلى مصير كامل يوجه حياة صاحبه. من هذه البذرة النفسية تحديدًا ينطلق مسلسل «حكاية نرجس» 2026م، إذ يراهن العمل على عبقرية الحكي والصورة معًا ليقدم دراما نفسية تبدو هادئة في ظاهرها، بينما تحمل في أعماقها قدرًا واضحًا من القسوة.
تدور الحكاية حول نرجس، التي تجسدها الفنانة «ريهام عبد الغفور»، امرأة في الثلاثينيات تعيش تجربة العقم تحت وطأة ضغط اجتماعي وعائلي خانق. ينتهي زواجها منذ الحلقة الأولى حين يختار زوجها الزواج بأخرى بسبب عدم إنجابها، فتعود إلى بيت أبيها مطلقةً ومكسورةَ الخاطر. لا يطول بقاؤها في تلك الحالة؛ إذ تتزوج من رجل آخر، يدفعه تعلّقه الشديد بها إلى التواطؤ معها في خطف الأطفال وتربيتهم على أنهم أبناؤها.
مع تصاعد الأحداث، تتشكل ملامح شخصية شريرة ذات طبقات إنسانية متناقضة، شخصية تتشكل من حقد وضعف وخوف ورغبة في النجاة، وتضع المتلقي في حالة تردد؛ فلا يستطيع أن يكرهها كليًا، ولا ينجذب إلى التعاطف معها بالكامل، فتبتعد بذلك عن الصورة النمطية للشرير أحادي الملامح، ذلك النموذج الذي يثير كراهية الجمهور منذ البداية، ويظل المشاهد ينتظر مع نهاية العمل لحظة سقوطه أو الخلاص منه.

تبدأ جذور أزمة نرجس في الطفولة، حين توفي خالها وحيدًا دون أبناء، فلم ينتبه أحد لغيابه، إلى أن كشفت رائحة جسده عن موته. تركت هذه الحادثة أثرًا عميقًا في نفسها، فتكوّن داخلها خوف حاد من الوحدة، وتحوّلت في وعيها إلى حالة تقترن بعدم الإنجاب.
لاحقًا جاء طلاقها من زوجها الأول، محاطًا بنظرات لوم ومعايرة من عائلتها، التي واصلت وصفها بأنها معيوبة، وكأن الطلاق قدر يُلقى على امرأة مثقلة بنقص ما. تحت ضغط هذا الخطاب الاجتماعي، أخذ الصراع الداخلي يتسع، وراحت صورة النقص، كما تشكّلت في أعين الآخرين، تعيد صياغة نظرتها إلى نفسها، وتنسج وعيها بذاتها على نحو أكثر قسوة.
في هذا الوقت يظهر رجل أحب نرجس منذ الطفولة، وهو عوني الذي يجسد شخصيته الفنان «حمزة العيلي»، يقوده هذا الحب إلى الزواج بها رغم أنها مطلقة وأنه لم يدخل دنيا، ورغم رفض عائلته لهذا الارتباط بسبب الشائعات حول عقمها. من هنا يبدأ العمل في كشف شبكة معقدة من المخاوف والرغبات والضغوط الاجتماعية التي تحاصر الشخصية، وتشارك في رسم المسار الذي ستسلكه حياتها لاحقًا.
في ظل هذه النظرة المجتمعية الضاغطة يتفاقم الصراع النفسي داخل نرجس، فيدفعها إلى تزوير تحاليل عوني، وإيهامه بأنه عقيم لا ينجب، لتكسره بذلك أمام نفسه كما هي مكسورة أمام نفسها. عبر هذا الكسر، تتمكن من إحكام سيطرتها عليه، وتدفعه إلى الانخراط فيما تخطط له، أملًا في أن يصيرا، بوجود طفل، صورتين مكتملتين في أعين الآخرين، بعيدين عن وصمة النقص.
ومن هنا يمكن قراءة هذه العلاقة من خلال فكرة الإحساس بالنقص بوصفه دافعًا خفيًا وراء كثير من الأفعال المؤذية، فالشخصية هنا تعيد إنتاج نقصها داخل الآخر. وتبدأ هذه الديناميكية بخداع ناعم، حين توهمه بأنها مستعدة لارتكاب جريمة من أجله، كي تمنحه شعورًا زائفًا بالكمال، ثم تتحول تدريجيًا إلى أداة للسيطرة، فتعايره وتذكره ضمنيًا بنقصه كلما حاول التراجع.
في موازاة ذلك، تتسلل إلى منطقة أكثر هشاشة في تكوينه؛ وهو افتقاده للحنان من أمه وشعوره بأنها تحب أخاه أكثر منه. فتقدم نفسها كملاذ وحيد ومصدر أمان، بما يخلق علاقة قائمة على الاحتياج والاعتماد. يظهر ذلك في مشاهد كثيرة حيث يرتمي في حضنها أو ينام على حجرها مثل الطفل، فتطبطب عليه وتروضه بالحنية، ذلك الشعور الذي يشكل المفتاح الحقيقي لشخصيته وأعمق نقاط ضعفه.

هذه الازدواجية بين الإيذاء والرعاية تُحكم قبضتها عليه، فتجعله أسيرًا لها وممتنًا في آن، وهو ما يكشف عن أحد أخطر أشكال التلاعب النفسي، حيث يتحول الطرف المؤذي إلى ضرورة عاطفية في حياة ضحيته.
وبذلك مع الوقت تنشأ بينهما حياة تقوم على هذا الوهم؛ عالم مصنوع بعناية، تعيش فيه نرجس فترات حمل وهمي كما لو كانت واقعًا فعليًا. وعندما تأتي لحظة الولادة تضع إلى جوارها الطفل المخطوف، فتتعامل معه كما لو كان ابنها حقًا. ومع تصاعد الأحداث تنجرف الشخصية إلى سلسلة من الأكاذيب والجرائم، في محاولة يائسة للحفاظ على هذه الأسرة التي تمنحها شعور الأمومة والاستقرار الذي تسعى إليه طوال حياتها.
المسلسل هنا يطرح سؤالًا أعمق من مجرد حكاية فردية؛ فمأساة نرجس تنشأ من شبكة معقدة من الضغوط الاجتماعية والتوقعات القاسية التي تُفرض على المرأة. الأمومة هنا تتحول من تجربة إنسانية إلى معيار للحكم الاجتماعي، وهو ما يدفع الشخصية إلى محاولة التماهي مع الصورة التي ينتظرها المجتمع منها. ومن خلال هذا المسار يكشف العمل كيف يمكن للوصمة الاجتماعية أن تعيد تشكيل وعي الإنسان بذاته، حتى يصبح الوهم أحيانًا وسيلة دفاع نفسية في مواجهة الإقصاء والخوف من فقدان المكانة داخل الجماعة.

نرجس والثعلبة:
في الدراما كثيرًا ما تُبنى الشخصيات القاسية بملامح صلبة تخلو من الإشارة إلى الضعف، لكن مسلسل نرجس اختار أن يزرع في جسد بطلتِه نرجس علامة ضعف ظلت تخفيها منذ الحلقة الأولى وحتى الحلقة الثامنة تحت الإيشارب الذي تغطي به رأسها طوال الوقت، فقد اعتادت الظهور به في معظم المشاهد، داخل البيت وخارجه، وحتى في لحظات خاصة مثل نومها إلى جوار عوني، مع اهتمامها المستمر برسم حاجبين كثيفين، ما أثار استغراب المشاهدين وترك علامة استفهام حول سبب هذا الإصرار الدائم. إلى أن تكشف الحلقة الثامنة عن إصابتها بالثعلبة، وهو كشف متأخر نسبيًا من جانب كاتب العمل.
هذا التأخير يمنح الشخصية مساحة من الغموض في البداية، ثم يضيف لاحقًا طبقة تفسيرية تساعد على فهم سلوكها. من زاوية نفسية، يمكن النظر إلى المرض كجزء من تكوين الشخصية؛ فطريقة تعامل نرجس معه توحي بأنها لا تسعى إلى علاجه بالمرة، وربما ترى في بقائه ما يعزز صورتها كامرأة مجروحة أو مقهورة، وهو ما يكسبها مزيدًا من تعاطف عوني. حين سألها عن سبب ربط رأسها بالإيشارب، أخبرته أن شعرها يتساقط بطريقة تحرجها وتجعلها تخفيه عنه، فتقبل الأمر بهدوء، وربما بتعاطف أيضًا، خصوصًا أنها تقبلت علته وعرج قدمه. تنشأ هنا علاقة تتكئ جزئيًا على تبادل الشعور بالنقص الإنساني؛ كل منهما يحمل جرحًا جسديًا يعرفه الآخر ويعايشه معه.
يُعد مرض الثعلبة من الأمراض المناعية التي يهاجم فيها الجهاز المناعي بصيلات الشعر، فيؤدي ذلك إلى تساقطه في بقع واضحة من فروة الرأس أو من مناطق أخرى في الجسد. ورغم أن أسبابه الطبية ترتبط أساسًا بخلل في الجهاز المناعي، تشير كثير من الدراسات إلى دور العوامل النفسية في تحفيز ظهوره أو زيادة حدته، مثل التوتر الشديد، والصدمات العاطفية، والضغوط الممتدة. لذلك يُنظر إلى الثعلبة أحيانًا كمرض يكشف العلاقة المعقدة بين النفس والجسد، إذ يمكن للاضطراب الداخلي أن يجد طريقه إلى الظهور في صورة أعراض جسدية مفاجئة. ولهذا يوصي الأطباء عادةً بأن يجمع العلاج بين الجانب الطبي والعناية بالحالة النفسية، لأن تخفيف الضغوط والقلق قد يساعد في الحد من تفاقم المرض.
من هذا المنظور تكتسب إصابة نرجس بهذا المرض دلالة أعمق داخل البناء النفسي للشخصية. الشخصية منذ البداية تُقدَّم على أنها غير جميلة أو امرأة عادية محدودة الامتيازات، ومع عجزها عن الإنجاب يتشكل داخلها شعور بفقدان جزء مهم من صورتها كأنثى في مجتمع يربط الأنوثة بالجمال والأمومة. مع ظهور الثعلبة يتعرض هذا الشعور لضربة إضافية؛ فالشعر بما يحمله من دلالة رمزية على الجمال والأنوثة، يبدأ في التلاشي فتزداد صورة الذات قتامة في نظرها.
يمكن تخيل الطريقة التي ترى بها نرجس نفسها من جسد يخونها مرة بعد أخرى، مرة حين يحرمها من الإنجاب، ومرة حين يفقدها أحد أبرز رموز الجمال الأنثوي. مع تراكم هذه الأمور تتشكل نظرة قاسية للذات تميل إلى الشعور بالنقص أو المرارة، وربما الغضب المكتوم من العالم والآخرين. في مثل هذه الحالة قد يتحول الجرح الداخلي إلى طاقة تدفع الشخصية إلى التصلب أو القسوة، كأنها تبني حول نفسها درعًا نفسيًا يحميها من الشعور الدائم بأنها أقل حظًا أو أقل اكتمالًا من غيرها.
هكذا يصبح المرض جزءًا من الصورة التي ترى بها نرجس نفسها، كما يتحول داخل البناء الدرامي إلى مفتاح لفهم الشخصية. فالثعلبة تترك أثرها على المظهر الخارجي وتمس مناطق أعمق تتعلق بالثقة بالنفس ونظرة الآخرين. ومع تقدم الأحداث تتضح علاقة هذا الجرح الخفي ببعض ملامح القسوة والتصلب في سلوك نرجس؛ كأن الشخصية ترتدي قناع الصلابة لحماية هشاشة داخلية تخشى انكشافها. في النهاية ينجح المسلسل في تقديم شخصية متعددة الطبقات تتحرك داخل منطقة إنسانية شديدة التعقيد.

كيف صنع الأداء والإخراج تجربة درامية آسرة:
يعتمد المسلسل على أداء تمثيلي رصين ودقيق، يمنح كل شخصية عمقًا نفسيًا ويخلق إحساسًا حيًا بالواقع الداخلي للشخصيات. يتجلى ذلك بوضوح في تجسيد «ريهام عبد الغفور» لشخصية نرجس، حيث يتطلب هذا التعقيد النفسي حضورًا تمثيليًا قادرًا على التقاط أدق التحولات الداخلية، وهو ما تحققه بخبرة واضحة وحساسية أدائية عالية. تنسج الشخصية عبر تفاصيل صغيرة، وتمنح نظراتها كثافة كافية لبث القلق في نفس المشاهد، مع إبقاء مساحة للفهم والتأمل، حيث تنكشف دوافع نرجس تدريجيًا دون اندفاع نحو استدرار تعاطف مباشر، فيظل التلقي معلقًا بين الفهم والارتباك، وهي مساحة بالغة الثراء دراميًا.
وفي امتداد لهذا المستوى من الأداء، تقف «سماح أنور» بنفس البراعة، لتجسد شخصية الأم القاسية المتحكمة، حيث تنعكس السلطة والسيطرة في كل حركة وإيماءة دون إفراط، وكأن جسدها نفسه يخضع لنظام الحكم الذي تمارسه.
ومع تقدم الأحداث، يتخذ هذا الانهيار بعدًا أكثر دلالة، إذ تُصاب في نهاية العمل بمرض يضعف ذاكرتها، في إشارة رمزية إلى تلاشي السيطرة التي كانت تمثلها. تبدو هذه النهاية متجاورة على نحو لافت مع مصير نرجس، التي تعيد إنتاج دائرة الأذى ذاتها، فتؤثر في حياة الطفل يوسف وتترك أثرًا عميقًا في مساره، دون إدراك كامل لما ترتكبه. هنا تتقاطع التجربتان؛ أمّ أفسدت ابنتها، وابنة تعيد إنتاج أثر مشابه في جيل آخر، قبل أن تنمحي ذاكرة الأولى تدريجيًا، وكأن الوعي نفسه يتراجع، تاركًا خلفه سلسلة ممتدة من التأثيرات التي تنتقل من جيل إلى جيل، في دورة تتكرر بصور مختلفة، لكنها تحمل الجوهر ذاته من المعاناة.
في المقابل، يعكس «حمزة العيلي» التوتر الكامن في شخصية عوني ومشاكله النفسية من خلال حركته العرجاء وهيئة جسده وطريقة كلامه، إضافة إلى حبه وضعفه الشديد أمام نرجس. غير أن هذا الضعف لا يبقى على حاله؛ إذ تتبدل ملامح شخصيته تدريجيًا بعد انكشاف كذبتها بشأن عقمه، فيتحول الحب إلى صدمة تعقبها قطيعة داخلية حادة، يطغى عليها الشعور بالخداع وفقدان الثقة.

مع هذا التحول، يسترجع عوني إحساسه بذاته، لكن في هيئة مشوشة ممزوجة بالغضب والندم، فينقلب موقفه منها بشكل كامل، ويصل إلى حد اتخاذ قرار بالانفصال عنها وهي داخل السجن، ثم يتصاعد هذا الانفعال إلى رغبة في الانتقام حين يكتشف نيتها بيع المنزل لتأمين مستقبل يوسف، فيندفع نحو محاولة إنهاء حياتها. بهذا التحول الحاد، تنكشف شخصية عوني بوصفها كيانًا هشًا في أساسه، قابلًا للانهيار أو الانقلاب تحت ضغط الصدمة، بما يعكس كيف يمكن للحب حين يُبنى على وهم أن يتحول إلى نقيضه عند أول اختبار حقيقي.
بينما تمنح «عارفة عبد الرسول» حضورًا نفسيًا متكاملاً، يظهر في ارتعاش يديها ونظراتها وحركاتها البطيئة، مع تدرج نبرة صوتها وتوقف أنفاسها، فتشعر المشاهدين بالخوف والارتباك كما لو كانوا يعيشون المواقف معها. ويضيف «أحمد عزمي» ثقلاً ووضوحًا للحضور الدرامي، حيث تتحدث لغة جسده وتفاعله مع الأحداث عن شخصية تحتفظ بقدر من التماسك، حتى وهي تمر عبر تحولات وضغوط متلاحقة، فينعكس هذا التوازن على إيقاع المشاهد التي يظهر فيها.

أما «دنيا ماهر»، فتقدم شخصية منال، أخت نرجس، بملامح أقرب إلى الاتزان النسبي داخل هذا التكوين الأسري المضطرب. تتحرك الشخصية في مساحة أقل توترًا مقارنة بأختيها؛ فلا تحمل التعقيد النفسي الذي يثقل نرجس، ولا تنجرف نحو الدلال الذي يطبع هدى، وهو ما يمنحها موقعًا وسيطًا يساهم في كشف التباينات الدقيقة بين الشخصيات، ويضيف بعدًا إنسانيًا هادئًا إلى مسار الأحداث.
كما تكشف شخصية هدى التي تجسدها «بسنت أبو باشا» عن شخصية عملية وبراغماتية، تدرك ما تفعله وتتحرك بوعي كامل، تدرك ما تفعله ولا تتحرك بدافع عاطفي مثل نرجس. هدفها الأساسي هو الاستقرار، لذلك شاركت في الجريمة وسهّلتها، مع حرصها في الوقت نفسه على حماية نفسها من أي عواقب. ويتضح ذلك حين خرجت نرجس من السجن لتجدها قد تزوجت عوني واستقرت مكانها في منزلها، وكأنها ببساطة واصلت حياتها من النقطة التي توقفت عندها نرجس.
في هذا السياق، تبرز شخصية سعد، التي يؤديها «تامر نبيل»، بوصفها تجسيدًا فجًّا لنموذج رجولي متآكل من الداخل، حيث يتكثف الإهمال في تفاصيله اليومية، من مظهره إلى سلوكه، فينعكس ذلك على حضوره العام بوصفه شخصية مثقلة بالكسل والتسيّب. ويبدو هذا الإهمال ممتدًا إلى بنية أعمق، تكشف عن غياب أي إحساس بالمسؤولية، واعتياد الاتكالية كآلية للعيش.

في علاقته بزوجته هدى، تتجلى ملامح الاستغلال بوضوح؛ إذ تقوم العلاقة على اختلال في التوازن، حيث تتحمل هي عبء الدعم والمساندة منذ البدايات، بينما يرسّخ هو موقعه كشخص يعتمد دون أن يقدّم مقابلًا حقيقيًا. تمتد هذه الديناميكية إلى ما بعد الزواج، فتتحول إلى شكل من الابتزاز العاطفي والمادي، يظهر في محاولاته الدائمة لاستنزاف مواردها، أو الدفع بها إلى تلبية نزواته تحت غطاء الشراكة.
ومع تصاعد الأحداث، تنكشف حدود هذه الشخصية بشكل أكثر خطورة، حين يستثمر معرفته بسر نرجس في خطف الأطفال، ويحول هذا السر إلى أداة ضغط وسيطرة، مستخدمًا الموقف لصالحه، فيدفعها إلى توسيع دائرة الخطف، بهدف الحصول على طفل كل مدة وبيعه. بهذا، تتحول العلاقة إلى مساحة ابتزاز تُدفع فيها نرجس إلى مزيد من التورط، تحت وطأة الخوف من الانكشاف. بهذا التشكيل، يؤدي سعد دور الشخصية المنفّرة التي تساهم في إعادة توزيع التعاطف داخل العمل؛ إذ يدفع المتلقي، على نحو غير مباشر، إلى إعادة النظر في نرجس، ورؤية جانب من دوافعها في مواجهة هذا النموذج القاسي من الاستغلال، بما يعقد شبكة العلاقات، ويجعل الحكم الأخلاقي أكثر التباسًا.
وتأتي المفاجأة في الحلقات الأخيرة من خلال شخصية يوسف، التي يؤديها «يوسف رأفت» بمنتهى البراعة والإتقان، بوصفها الامتداد الإنساني الأعمق لآثار الجريمة، وحصيلة زمن طويل من الانقطاع والبحث عن الذات.
في أحد أبرز المشاهد، تأتي مواجهته مع عوني، الذي لم يتعرف عليه في البداية بعد أن صار شابًا، فهو لم يكلف نفسه طوال تلك السنوات عناء السؤال عنه أو تتبع أخباره. تتحول المواجهة هنا إلى مساحة فضفضة إنسانية صادقة، تنكشف فيها طبقات الألم المكبوتة داخل يوسف، إذ يتعامل مع الموقف كتفريغ متراكم لسنوات من الغياب والارتباك، لينتهي المشهد بانهيار وجداني في حضن عوني، في أداء يكشف قدرة واضحة على التحكم في الانفعال وتوصيل الإحساس دون افتعال أو مبالغة، بما يجعل التجربة أقرب إلى اعتراف متأخر منها إلى مواجهة تقليدية.
أما في مشهده الثاني مع نرجس، والتي تتعرف عليه فور رؤيته بحدسها وأمومتها تجاهه، فتتسع المساحة النفسية لتشمل طيفًا مركبًا من المشاعر المتداخلة؛ حيث يتجاور الغضب مع الحنين، وتتشابك الشفقة مع إدراك حجم الألم الذي عاشته هي أيضًا. ومع اكتشافه لمرضها، يتخذ المشهد منحى أكثر هدوءًا وعمقًا، إذ يتراجع التوتر الظاهري لصالح لحظة إنسانية خالصة، ينجح خلالها يوسف في التعبير عن حالة معقدة دون تفكك، محافظًا على توازن داخلي بين ما يشعر به وما يستطيع احتماله. وينتهي هذا التراكم الانفعالي بلحظة بكاء بين ذراعيها، لا تُقرأ بوصفها تنازلًا أو غفرانًا كاملًا، بقدر ما تعكس تصالحًا مؤقتًا مع طبقات متشابكة من الألم، حيث تلتقي الضحية بجذر مأساتها. وفي مشهد النهاية، يواجه يوسف نرجس بعد أن ترفض رفضًا قاطعًا الإفصاح عن مكان أهله الحقيقيين، متمسكةً بفكرة أنه ابنها هي. يغادرها في النهاية وقد تركها خلفه في لحظة انكسار تام، جثةً على الأرض بعد انتحارها، ثم يمضي في طريقه.
تكامل هذا الأداء مع ذلك الإحكام الهادئ والرصين والمنطقي في كتابة السيناريو لدى «عمار صبري»، وموسيقى تصويرية دقيقة لـ«تامر كروان»، لتتشكل تجربة درامية تغمر المشاهد في صراع نرجس، في المساحة الرمادية التي تتحرك فيها بين الضعف والخطأ. هنا، يصبح القلق والخوف جزءًا من تجربة المشاهدة، ويعيش المتلقي أعماق الشخصيات بكل تفاصيلها الدقيقة، حتى مع أفعالها الصادمة، فتتولد حالة من التعاطف النفسي العميق، تجعل المشاهدين أسرى الصراع الداخلي للشخصيات.
وبالطبع، يتولى المخرج «سامح علاء» تنظيم هذا البناء وهندسته، عبر إيقاع إخراجي متزن، ووعي دقيق بقيمة التفاصيل الصغيرة بوصفها حوامل للمعنى. يظهر ذلك بوضوح في مشهد اختناق والدة عوني بسبب أزمتها الصدرية، حيث تقف نرجس مترددة أمام بخاخة التنفس القادرة على إنقاذ حياتها. وفي الوقت نفسه تبدو هذه اللحظة فرصة للتخلص منها بعدما عرفت سرها وأدركت أن الطفل لا يمكن أن يكون ابنها. في تلك اللحظة تنتقل الكاميرا إلى حوض سمك قريب، وتظهر سمكة تفتح فمها في الماء محاولة التنفس. القطع بين اللقطتين، حركة فم السمكة وأنفاس المرأة المتقطعة، يصنع رابطًا بصريًا قويًا يجعل المشاهد يشعر وكأن الضحية تغرق داخل الهواء نفسه.
ومع كل حلقة جديدة من المسلسل، وعند سماع التتر الذي يمهد للحكاية ويغمر المشاهد في تفاصيلها، تأتي كلمات الشاعر «نادر عبدالله» بصوت «رحمة رياض» كجزء أساسي من تجربة العمل، حيث تعكس ملامح شخصية البطلة:
«أنا مش بريئة وعارفة إن أنا مذنبة، بس أنتوا برضو كمان ما كنتوش أسوياء، موتوا فيا زمان الحتة الطيبة، ومن البجاحة كمان بتعملوا أبرياء، تستنوا إيه من حد عشتوا طول حياتكم بتوجعوه؟ من حد كل ما يلقى نفسه تضيعوه، وبتجبروه ويغلط وبعدين تلعنوه؟».
هذه الكلمات تعكس بعمق الصراع النفسي لشخصية نرجس، وتغمر المشاهد في أبعادها العاطفية، فتصبح التتر جزءًا من الحكاية نفسها، يرافق تطور الأحداث ويرسم حالة البطلة النفسية منذ البداية.
بين الواقع والدراما:
المسلسل مستوحى من أحداث حقيقية وقعت في مصر خلال ثمانينيات القرن الماضي، لامرأة عُرفت بلقب «عزيزة بنت إبليس» حيث عاشت تجربة قاسية من التنمر الاجتماعي بسبب العقم، قبل أن تنزلق إلى جرائم خطف أطفال في محاولة لتعويض حرمانها من الأمومة. وقد أعاد العمل تقديم هذه الحكاية في معالجة درامية حديثة تركز على أبعادها النفسية والاجتماعية، وتكشف كيف يمكن للضغط المجتمعي أن يدفع الإنسان إلى مسارات مأساوية.
وقد اكتسب المسلسل بعدًا إضافيًا حين ربط كثير من المشاهدين أحداثه بتلك القصة الحقيقية. ومع عرض المسلسل، انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع قديمة تظهر فيها هذه المرأة وهي تؤكد أن إسلام، الطفل الأول الذي خطفته، هو ابنها الذي أنجبته بالفعل، رغم نتائج تحليل الحمض النووي التي أثبتت العكس.
الغريب أن ملامح إسلام تشبهها بالفعل، حتى يظن من يراه أنها أنجبته فعلًا، ربما لأنه كان طفلها الأول الذي استغلت أمومتها فيه، أو لأنها تقمصت معه دور الأمومة بكل تفاصيله، فكأنها من فرط صدقها في الدور قد طبعت ملامحها عليه. ومشاهدتها وهي تتحدث بيقين تثير الدهشة، ثباتها الفظيع وتمسكها بروايتها حتى لحظة انتحارها، ورفضها إرشاد الشاب إلى عائلته الحقيقية يثير التعجب والشفقة تجاه إسلام، الذي سيظل مجهول النسب، وتجاهها أيضًا، رغم محاولة البعض منا عدم التعاطف معها لأنها في النهاية مجرمة.
أخيرًا، يقدم مسلسل «حكاية نرجس» قراءة دقيقة للصراع النفسي والاجتماعي الذي تواجهه الشخصية النسائية في بيئة ضاغطة ومليئة بالقيود، مع استكشاف أثر الصدمات المبكرة والضغوط المجتمعية على تكوين الهوية وسلوك الفرد. يبرز العمل أن الشر أو التصرفات المضللة قد تنشأ من الألم والخوف والحاجة للقبول، وأن الأبعاد الإنسانية للشخصية لا تُختزل في تصنيف تقليدي بين الخير والشر. من خلال هذا العمق النفسي، والصراع بين الرغبة والواجب، وبين الأمومة وسلطة المجتمع، يترك المسلسل رسالة واضحة تتمثل في أن فهم الإنسان يتطلب النظر إلى دوافعه وظروفه، وليس الاكتفاء بالحكم على أفعاله فقط، فالرحمة والتعاطف والفهم العميق يمكن أن يكشفوا خلف كل تصرف غامض أو مؤلم قصة حياة كاملة.
















