عادل محمود
في زمن تتسارع فيه التحولات البصرية والثقافية، يخرج إلينا فيلمان يحملان الاسم نفسه في توقيت متقارب، ليكشفا عن تناقضات اللحظة الراهنة. الأول مصري، يحكي قصة إيمان، الفتاة قصيرة القامة التي تبحث عن الحب في زحام القاهرة. والثاني أمريكي ضخم، كلف ديزني 270 مليون دولار، وتحول إلى ساحة معركة ثقافية قبل أن يعرض.
ما يثير الانتباه ليس الاختلاف في الميزانية أو الجنسية، بل التناقض الجوهري في كيفية تعامل العملين مع فكرة “التمثيل” ذاتها. هل يمكن لفيلم أن يكون تقدميا لمجرد أنه يضع فئات مهمشة في بطولته؟ أم أن التقدمية الحقيقية تكمن في تفكيك الأدوات التي تنتج التهميش أصلا؟
هذا المقال يحاول أن يقرأ العملين معا، ليس للمقارنة الفنية بقدر ما للكشف عن تحول أعمق في وظيفة السينما نفسها: من حكاية أخلاقية بسيطة إلى ساحة صراع أيديولوجي شامل، ومن مساحة للهروب الجميل إلى ميدان تختبر فيه انقسامات العالم الحقيقي.
الفيلم المصري: “سنو وايت” دراما إنسانية للمخرجة تغريد عبد المقصود وهو التجربة الروائية الطويلة الأولى لها، بعد مسيرة طويلة كمساعدة إخراج منذ بداية الألفية. الفيلم من بطولة مريم شريف التي حصدت عنه جائزة أفضل ممثلة من مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي.
تدور القصة حول “إيمان”، فتاة قصيرة القامة تعيش مع أختها الصغرى في منطقة شبرا بالقاهرة، وتعمل في وظيفة حكومية بسيطة. تكافح إيمان لتجهيز أختها للزواج، وفي الوقت نفسه تخوض علاقة عاطفية عبر الإنترنت مع شاب مغترب لا تعرف له شكلا، ولا يعرف هو حقيقتها، بعدما استخدمت “فلتر” لتظهر بوجه مختلف تماما.
الفيلم يرصد تفاصيل الحياة اليومية لشخص مهمش، بسبب جسده: معاناتها مع السلالم غير المصممة لقامتها، اضطرارها لاستخدام سلم صغير للوصول إلى الملفات في مكتبها، ونظرات المجتمع التي تتراوح بين الشفقة والرفض. الأكثر قسوة، مشهد وصول خاطب لشقيقتها ذات القامة الطبيعية، لتتدخل والدته وتطلب شراء ثلاجة باهظة الثمن، في محاولة غير مباشرة لإفشال الزيجة خوفا من “وراثة القامة القصيرة”.
الفيلم الأمريكي: ملحمة ديزني في عاصفة الجدل
على الجانب الآخر، فيلم ديزني هو إعادة إنتاج حي “Live Action” للفيلم الكلاسيكي الصادر عام 1937، وهو الأول في تاريخ الاستوديو. تولت بطولته الممثلة اللاتينية راشيل زيجلر في دور الأميرة، والممثلة الإسرائيلية جال جادوت في دور الملكة الشريرة.
منذ الإعلان عن المشروع عام 2021، والفيلم محاط بموجات متلاحقة من الجدل. بدأ الأمر بهجمات عنصرية على زيجلر بسبب أصولها اللاتينية، حيث اعتبر مغردون أن بشرة بطلة “بياض الثلج” يجب أن تكون فاتحة. ثم تفاقم الجدل بتصريحات زيجلر التي وصفت قصة الحب في النسخة الأصلية بأنها “غريبة” والأمير بأنه “مطارد”، مؤكدة أن النسخة الجديدة ستركز على “تكوين صداقات” لا على “الحلم بحب حقيقي”.
في عام 2022، أضاف الممثل القزم بيتر دينكلاج “بطل مسلسل Game of Thrones” وقودا جديدا، حين وصف قصة الأقزام السبعة بأنها “رجعية” في فيلم يدعي التقدمية. استجابت ديزني بإعلان أنها ستستبدل الأقزام السبعة بشخصيات سحرية بتقنية CGI. القرار أثار غضب ممثلين من قصار القامة اعتبروه تمييزيا لأنه يحرمهم من فرص عمل حقيقية. المفارقة تكاد تكون هزلية: الفيلم الذي أراد حماية فئة مهمشة، انتهى بمحو تلك الفئة من الشاشة كليا.
الجدل الأكبر كان سياسيا. انقسم نجما الفيلم على خطوط الصراع الدولي الأكثر حساسية: زيجلر تعلن دعمها لفلسطين وتضيف هشتاج #فلسطين_حرة في منشور ترويجي للفيلم، وجادوت “التي خدمت في الجيش الإسرائيلي” تدعم بلدها علنا وتنتقد حركة حماس. وصل التوتر لدرجة أن العرض الأول في هوليوود أُقيم بحضور محدود، ومنع الصحفيين من التغطية الكاملة، في محاولة يائسة لاحتواء الانفجار.
النتيجة: وصف النقاد الفيلم بأنه “قنبلة نقدية وشباك تذاكر”، ولم يحقق الإيرادات المتوقعة رغم تصدره شباك التذاكر في أمريكا. كما حظر عرضه في لبنان بسبب مشاركة جال جادوت، بسبب قانون مقاطعة إسرائيل.
السؤال المركزي الذي يطرح نفسه: لماذا نجح الفيلم المصري في تقديم قضية قصار القامة في هدوئها الإنساني، بينما فشل الفيلم الأمريكي في تقديم أي شيء سوى فوضى الجدل؟
في الفيلم المصري: الآخر ليس قضية، بل شخص
الفيلم المصري يقدم “إيمان” باعتبارها شخص له أحلامه البسيطة: تريد تزويج أختها، وتريد أن تحب وتُحب. هي تحتاج إلى مصعد يعمل في مجمع التحرير، وسلم صغير في مكتبها، وقلبا لا يرى قامتها أولا.
المخرجة تغريد عبد المقصود لا تسقط على شخصيتها أعباء “تمثيل” فئة كاملة. إيمان ليست المتحدثة الرسمية باسم كل قصار القامة في مصر. إنها فرد له خصوصيته، ونكاته، وخجله، وحتى خداعه الصغير. هذه التفصيلة الأخيرة بالغة الأهمية: إيمان تستخدم “الفلتر” مع حبيبها الافتراضي لأنها تخاف الرفض. وهذا يجعلها إنسانية أكثر مما لو كانت نموذجا للقوة والتحدي. الشخصية التي تكذب كذبة صغيرة خوفا من الرفض أقرب إلينا من الشخصية التي تواجه العالم ببطولة خطابية.
حتى عندما يواجه الفيلم مشاكل تنفيذية كالحوار المباشر أحيانا، أو افتعال بعض المشاهد، فإن النواة الإنسانية تبقى سليمة. لأن المخرجة تتعامل مع شخصيتها كغاية، وليس كوسيلة لتوصيل رسالة.
في الفيلم الأمريكي: الآخر فكرة مجردة
على النقيض، الفيلم الأمريكي لا يتعامل مع شخصياته كبشر، بل كفئات يجب تمثيلها تمثيلا صحيحا. “سنو وايت” لم تعد فتاة، بل ممثلة لاتينية يجب أن تثبت أن البشرة السمراء يمكنها أن تلعب دور البطلة. الأقزام السبعة لم يعودوا أفرادا، بل مجموعة مهمشة يجب التعامل مع وجودهم بحذر سياسي، لدرجة أن هذا الحذر انتهى بحذفهم رقميا.
هذا المنطق هو ما يسميه الفيلسوف الكندي تشارلز تايلور “سياسة الاعتراف”، التي تتحول هنا إلى “سياسة تمثيل” جامدة. الفيلم لا يسأل: “من هي هذه الفتاة؟”، بل يسأل: “كيف يجب أن تمثل هذه الفتاة فئتها؟”. والنتيجة كاريكاتيرية: بطلة لاتينية تؤكد أنها قوية ولا تحتاج أميرا ردا على انتقادات النسخة القديمة، وملكة شريرة تؤدي دورها بشكل أقرب إلى التحفظ وفق النقاد، وأقزام مستبدلون بمخلوقات CGI حتى لا يغضب أحد.
المفارقة الساخرة أن محاولات “التمثيل الصحيح” انتهت إلى تجريد الجميع من إنسانيتهم. “سنو وايت” لم تعد شخصا، بل تصريحا سياسيا. والأقزام السبعة لم يعودوا شخصيات، بل غيابا رقميا تحاشيا للنقد.
هنا يصل بنا التحليل إلى سؤال بنيوي أعمق: هل مجرد وجود فئة مهمشة على الشاشة كاف لإنتاج خطاب تقدمي؟ أم أن الأدوات الإنتاجية والاقتصادية للفيلم نفسه تعيد إنتاج الهيمنة التي يدعي مقاومتها؟
لننظر إلى الحالة الأمريكية. الفيلم من إنتاج ديزني، العملاقة التي تمتلك إمبراطورية إعلامية واسعة، بميزانية 270 مليون دولار. شركة ضخمة تعيد إنتاج حكاية تقليدية بأحدث التقنيات وأكبر النجوم. ثم نجد راشيل زيجلر، الممثلة الشابة اللاتينية، تتعرض لحملة عنصرية شرسة، والاستوديو لا يقدم لها حماية حقيقية تذكر.
السؤال المشروع: هل وجود زيجلر في هذا السياق هو انتصار للتمثيل؟ أم هو استغلال لوجهها في إطار استراتيجية تسويقية تسمى “التنوع”؟ ديزني تريد بيع التذاكر في أسواق جديدة كأمريكا اللاتينية، وفي الوقت نفسه الحفاظ على علاقات جيدة مع أسواق أخرى. ولذلك تضع في فيلم واحد نجمة لاتينية تؤيد فلسطين، وأخرى إسرائيلية تدعم جيشها، ثم تتراجع هي إلى الخلف بينما يتصارعان إعلاميا. هذا التناقض ليس خطأ في التخطيط، بل هو آلية عمل النظام الرأسمالي الثقافي بحد ذاتها: توظيف الخلاف لصنع الضجة، والضجة لصنع الوعي بالمنتج، والوعي لبيع التذاكر.
عندما هاجم جونا بلات، نجل أحد المنتجين، زيجلر واتهمها بتدمير شباك التذاكر، فإنه كشف عن حقيقة بسيطة: “التمثيل” مرحب به طالما أنه لا يكلف شيئا. أما حين يتحول إلى موقف سياسي حقيقي يربك السوق، فإن صاحب الامتياز يسحب البساط بسرعة.
على النقيض، الفيلم المصري، بميزانية متواضعة، ومخرجة في أولى تجاربها الطويلة. هنا، تمثيل شخصية قصيرة القامة ليس إضافة تسويقية، بل هو جوهر المشروع الذي كتبته المخرجة منذ سنوات. مريم شريف ليست نجمة تتعرض لهجوم عالمي، لكنها ممثلة شابة تؤدي دورا فازت به بجدارة، وتقف خلفها مخرجة تؤمن فعلا بالقصة التي تحكيها.
هذا لا يعني أن الفيلم خال من المشاكل. بعض النقاد أشاروا إلى مباشرة الحوار في مشاهد بعينها، وإلى تكرار في الإيقاع. لكن هذه مشاكل فنية قابلة للنقاش، ليست تناقضات بنيوية. الفيلم لا يدعي شيئا ثم ينقضه في الممارسة. لا يرفع شعار “التمثيل” ثم يستخدم تقنيات رقمية ليمحو وجود فئة كاملة. بين الدعوى والفعل، الفيلم المصري متسق مع نفسه.
ما كشفته حالة “سنو وايت” الأمريكية هو تحول الفيلم من عمل فني إلى ما يمكن تسميته “نصا مفتوحا” للصراعات. الجمهور لم يعد يذهب لمشاهدة الفيلم، بل لتأكيد موقفه منه. المؤيدون لفلسطين يدعمون الفيلم لأن زيجلر معهم. المؤيدون لإسرائيل يقاطعونه للسبب نفسه. اليمين الأمريكي يهاجمه لأنه “يساري” ومفرط في الوعي. واليسار يهاجمه لأنه لم يذهب بعيدا كفاية في تفكيك الموروث.
في هذا السياق، يختفي الفيلم نفسه. لا أحد يتحدث عن جماليات الصورة، أو أداء الممثلين، أو جودة الموسيقى. الجميع يتحدث عن التصريحات الصحفية، والمنشورات على منصة X. الفيلم لم يعد يرى، بل يقرأ كوثيقة في حرب ثقافية أوسع.
هذه الظاهرة ليست جديدة في تاريخ السينما، لكنها هنا تبلغ ذروتها: أن يكون الفيلم الواحد نتاجا لصراع، وموضوعا لصراع، وساحة لصراع، في آن واحد. حتى قرار لبنان بحظر الفيلم هو جزء لا يتجزأ من هذه اللعبة: الفيلم يعاقب لأنه يحمل في طياته، في جسد جال جادوت تحديدا، ما يكفي من معاني سياسية لتبرير العقاب الجماعي. الجسد هنا وثيقة.
أما الفيلم المصري، فإن غيابه عن هذا الصخب ليس ضعفا. “إيمان” لا تمثل دولة ولا تيار سياسي ولا حربا ثقافية. هي تمثل نفسها فقط، وهذا بالضبط ما يجعلها تمثلنا جميعا. الحياد الأيديولوجي للفيلم المصري ليس لامبالاة، بل هو تركيز متعمد على الإنساني الخالص قبل السياسي.
في المشاهد الأخيرة من الفيلم المصري، تعود “إيمان” إلى المنزل على ظهر سيارة نقل، بعد أن انتصرت بطريقتها المتعبة على ظروفها. الثلاجة التي كانت كابوسا، تتحقق أخيرا. إنه انتصار صغير، متواضع، لا يغير العالم، لكنه يغير يوم “إيمان”. هذا النوع من الانتصارات هو ما يتذكره المشاهد حين يخرج من القاعة.
في المقابل، الفيلم الأمريكي يخرج إلينا بضجة عالمية، ثم يختفي في صخب الجدل، تاركا خلفه سؤالا واحدا : ماذا بقي من الحكاية؟ الأقزام محتهم تقنية الكمبيوتر. الأمير اختفى. الحب تحول إلى “صداقة”. الملكة الشريرة أصبحت مثار جدل سياسي. وبقيت زيجلر وحدها، ممثلة شابة في الثالثة والعشرين، تتحمل وزر معركة أكبر منها بكثير، من دون أن يقدم لها الاستوديو ما يكفي من الدعم.
الدرس الذي يقدمه العملان معا بسيط وصادم في وقت واحد: يمكنك أن تصنع فيلما عن “الآخر” بميزانية صغيرة، بصدق إنساني وتفاصيل الحياة اليومية، فتلمس قلوب الناس وتمنح المهمش كرامته. ويمكنك أن تصنع فيلما عن “الآخر” بمئات الملايين، وخطاب تمثيل دقيق، ونجوم عالميين، فلا تلمس أحدا، وتغرق في مستنقع الحروب الثقافية التي لا منتصر فيها.
الفرق ليس في الميزانية، لكن في النظرة إلى الإنسان. “إيمان” في الفيلم المصري هي غاية نتعرف عليها ونرافقها. “سنو وايت” الأمريكية هي وسيلة نتناقش من خلالها. الأولى تذكرنا بأن السينما في أصلها، حكاية عن بشر يريدون أشياء بسيطة. والثانية تؤكد أن الحكاية، في عصر الأيديولوجيا الصاخب، لم تعد تكفي وحدها.
ربما لهذا السبب، حين نبحث عن كلمة أخيرة، نجدها في سؤال طرحته “إيمان” على نفسها في الفيلم المصري: هل أنا أستحق الحب على الرغم من وضعي الجسدي؟ سؤال شخصي، حميم، لا يحتاج إلى لجان سياسية ولا حملات مقاطعة. سؤال يمس كل إنسان، بغض النظر عن قامته أو لونه أو هويته. وهذا بالضبط ما ضاع في زحام 270 مليون دولار، وموجات الجدل، وخطابات التمثيل الصحيح. في نهاية اليوم، الفيلم الذي يسأل “من أنت؟” أقوى من الفيلم الذي يسأل “ماذا تمثل؟”.










