“مسارات باتجاه الروح”.. بين الألم والضوء

somaya abd al moneam

مروة عبد الفتاح

كوثيقة روحية استثنائية، تتجاوز كونها ديوان شعر لتصبح رحلة أدبية في ممالك العزلة، تمتد من مخاض الوجع إلى فضاء التعافي، حين نقرر التحليق فوق حطام الذاكرة، يأتي ديوان “مسارات باتجاه الروح” للكاتبة والشاعرة سمية عبد المنعم، والصادر مؤخرا عن دار أفلاك بالقاهرة.

في هذا العمل، نحن أمام “رحلة تيهٍ”، حيث الكلمة تسكن الوجع، والغلاف يحرس الجرح، والأبيات كُتبت بمدادٍ من حبر الألم الخام المُقطر تحت شمس الخيبة.

تقدم الشاعرة هنا “وجها مختلفا للحقيقة”، ومسارات تغير في قارئها شيئاً لا يعود بعدها كما كان، ويمثل كل مسار إقليماً شاسعاً من الشعور.

المسار الأول:

(أنا)

في هذا المسار، نلتقي بتلك الغربة الموجعة في ملكوت الوحدة الشاسع .. “الأنا” التي تسكن وحدتها وتجسدها الشاعرة في صورة ملكوت مهجور : “لي وحدي قرية بأكملها.. أسكن غيطانها وأدوس روث بهائمها دون تأفف.. لي وحدي أشجار من نخيل وعسل مصفى.. لكنني.. وحدي”.

لقد نجحت في تحويل “المكان” من حضنٍ دافئ إلى شاهدٍ صامت على الفقد، أبرزت (البحر ) كمراوغ، و”مخزن للهوية الضائعة” ؛ تارة يبتلع الحقيقة، وتارة يسرق الجسد، وتارة يكون قبراً لا يبحث فيه أحد عن جثة..

وحين صوّرت الشاعرة البحر كشاهدٍ خائن للأسرار، قدمت صورة قاسية وجميلة في آن واحد، وكأنها تعلن أن “الذات لا تكتمل إلا بالغرق في التجربة أولاً”.

المسار الثاني:

(هو)

وشهرزاد الجديدة

ينتقل بنا الكتاب إلى “الآخر” الحاضر بالغياب، الممتلئ بالصمت. هنا تبرز قدرة مدهشة على تحويل الصرخة إلى ضحكة، عبر فكرة “الابتسامة البروتوكولية” في مواجهة “اللهفة الطفولية”؛ حيث تصف الشاعرة المسافة بين وجهين، وبين الجسد البارد واحتراق الروح المشتعلة بالداخل.

في هذا المحراب، يتحول الانتظار إلى فعل، وتُستدعى (شهرزاد) لإعادة صياغة حكايات “ألف ليلة وليلة” بقلب امرأة كاتبة لمصيرها، تمسك الحكاية بيديها.. حكاية أقوى من الموت ولا تخاف الذبح.

المسار الثالث:

( ليس هو )

هذا هو مسار انكسار الوهم والخيبة العظمى، زلزال النص وصدمة التحول، تلمس الشاعرة هنا “المنطقة المحرمة من الوجع” وتصل القسوة الشعرية إلى ذروتها حين تصف الشاعرة “الألفة مع الرحيل” بجملة مرعبة في عمقها : ( أصبح السكون يشعرني بالدهشة)، فالروح التي اعتادت الزلازل صار الهدوء يمثل لها خطراً.

وعلى وقع موسيقى جنائزية هادئة، يغادر “الوجه” الزمان والمكان في هذا النص الشعري :

“بين دفاتر الذكرى.. يقبع وجهك في زاوية معتمة.. كلما أضأتُ له أحد أضلعي.. أطفأه النسيان”.

إنها قمة المأساة حين تُحرق أقدس الأضلع لتضئ وجهاً اختار العتمة زاويةً له.

وتكتمل القسوة في مشهد “الفتاة الحافية” التي لم يكسرها الموت بقدر ما كسرتها الخيانة؛ فصار الغياب صدمة تخرس اللسان حتى في لحظة الوداع الأخيرة.

لا ينتهي الكتاب عند حدود الانكسار، إنما يفتح أبواب الاحتمالات على اتساع السماء؛ من أمل العودة في ( الأنا ) والتساؤل ( لعلي أبلغ الأسباب ) إلى رحابة ( ربما بعد خمسين جرحاً يستريح القلب ) نجد إصراراً مذهلاً على الحياة.

إنها رحلة تعرٍ ويقين ” قمة التسامي والحرية ” تعلمنا أن القلب لا يكف عن كونه وطناً للانتظار، وبوصلة تدلنا على طرقنا المهجورة، وتمنحنا تذكرة رحيل آمنة.

الغلاف:

لا تكتمل الرؤية دون الوقوف أمام غلاف الكتاب؛ إنه “مرآة” تسبق النص، تهيئ القارئ للدخول إلى محراب الحقيقة العارية .. كالكائن الحي الذي يتنفس ويرتسم ملامح مع كل حرف؛ ثمة تناغم مذهل بين الألوان والكلمات – ألوان “الخريف” وأثر الزمن والجفاف – يختصر الحكاية في قصيدة صامتة.

العنوان مكتوب “بلحم التجربة” يعكس التعدد والتشظي، والجسد المتلاشي يمثل المسار المتعرج للوصول إلى الروح.

أما ظهر الكتاب، فهو “مرآة أخرى” تكشف سر تلك الانحناءة؛ وقفة الشجرة التي تعرت لتواجه موجات الحياة بظهرٍ عارٍ إلا من الكبرياء.

هذا الديوان فريد للمدى في كونه لا يسعى لإرضاء القارئ بجمل بلاغية فارغة، حالة إبداعية مكتملة الأركان، يذوب فيها الغلاف بالقصيدة، والقصيدة بالوجع، والوجع بالتعافي.

جسدت الأبيات صراع الإرادة والارتهان، وتبرع الكاتبة في الخاتمة التي أعادتنا إلى البداية وعودة الذات بعد رحلة مضيئة، واكتشاف وثيقة إدانة لكل ما هو زائف، وترنيمة حزينة لكل روح قررت أن ترحل قبل أن تفقد ما تبقى منها.

تكتب الكاتبة أيضاً شعرية التفاصيل بروائح، ومذاقات، ولمسات جعلت الكلمة مرئية، وتحويل المشاعر المجردة إلى صور حسية ملموسة بسيولة في التعبير وحرارة في الشعور، تميزت بالانتقال السلس من الشخصيات الأسطورية إلى الواقع المرير، وتوظيف الرموز مما يمنحها صبغة إنسانية خارج أوجاع الإطار الشخصي، وترميم فجوات الروح التي أحدثها الآخرون.

عندما تغلق الكتاب، لن تخرج منه بسهولة؛ ستظل عالقاً هناك، تحت تلك الشجرة الجافة، تنتظر السحابة مع الكاتبة، مدركاً أن للنص وجهاً آخر يحدق في جرحك أنت، ويمنحك الشجاعة لتقول ما لم تستطع يوماً قوله.

فثمة كتب نسكنها، وأشعار تقع في أرواحنا كحجرٍ ثقيل في بحيرة راكدة، محركةً دوائر من الأسئلة التي ظلت مخبأة لسنوات، وتضعنا أمام مرآتنا لنسأل أنفسنا:

هل نحن فعلاً نسير باتجاه أرواحنا، أم نهرب منها؟ وهل استراح القلب؟

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع