د. عيد صالح
ينطلق أشرف الصباغ في هذه الرواية من لغته الخاصة، وهي لغة تشكّل سمة أساسية في مجمل كتاباته السردية والنقدية والنثرية. كتابة مفتوحة تتحرك في فضاءات الذات المشغولة بالواقع وقضاياه الاجتماعية والفكرية والفلسفية، وتمتد تدريجيًا نحو أسئلة الوجود، وماهية الكون، ومعنى الحياة وجدواها. في هذا الامتداد تتجلى أزمة الإنسان المعاصر، ضياعه وغربته، وتحوّل الذوات إلى كيانات هشة تتصارع من أجل التحقق داخل متاهة الوجود والعدم.
إنه المثقف الذي يحمل عبء السعي إلى تغيير العالم، أو على الأقل فهمه، خلال رحلة حياة عبثية يسودها البحث عن الجوهر والمعنى. ويأتي مفهوم «مراكب الغياب» جزءًا من هذا السعي، لا بوصفه مجرد عتبة لغوية قابلة للتأويل، وإنما كفكرة تتكشف داخل النص نفسه عبر تقنيات الميتاسرد والميتانقد. فالمعنى يتضح تدريجيًا من خلال السياق وتعدد الأصوات، كما يرد على لسان رجب الصافوري في قوله: «كلنا مراكب لبعضنا، وكل منا مركب للآخر، العبرة بالنهايات، وبغدر البحر، وتواطؤ الرياح».
ويتعمق هذا التصور في موضع آخر حين تتحدد طبيعة تلك المراكب؛ فهي ليست مراكب القوة والاستعمار ولا حاملة أدوات الهيمنة والمعرفة المعلبة، وإنما مراكب بسيطة، هامشية، تحمل جرعات صغيرة من الويسكي أو الفودكا، وأحيانًا عبوات من الكحول المحلي الرخيص أو قطعة حشيش. مراكب توزع لحظات من البهجة، وتستدعي روائح الطفولة والصبا، وتساعد أصحابها على احتمال تفاصيل الحياة اليومية والتعامل معها بوصفها واقعًا ثقيلًا لا مهرب منه.
تلك هي مراكب الصباغ والغياب، تحيلنا هنا إلى معان كثيرة غير معناها اللغوي، مثل الغياب بالموت، بالسفر، بالتخلف عن الركب، بالفشل في تحقيق الذات، ستأتي كلها خلال النص في ميعادها وتوقيتها، عبر شخصيات الرواية وأحداثها، وفي سردية البحث عن المعنى وجدوى الوجود، في التحقق والغياب، في الانتهازية والبراجماتية، في المراهقات الثورية والأحزاب تحت الأرض وفوقها، في الموت العشوائي والمصائر التراجيدية.
ويمتد هذا الغياب ليشمل التشيؤ، والضياع، والإحساس العميق باللا معنى، كما يتجلى في الإغراق في المتع الحسية بوصفها محاولة للهروب، لا تزيد إلا من تعميق الغربة والتشتت. كل ذلك يُطرح داخل إطار سردي خاص، تتشابك فيه الأحداث مع الشخصيات، ويتداخل المكان بالزمان، ويتقاطع الانسحاق مع محاولات التحقق الفردي.
لا يتوقف النص عند التجربة الشخصية، لكنه ينفتح على سياق تاريخي وفكري أوسع؛ من الإشارات إلى الشكلانية الروسية وسقوط الاتحاد السوفيتي، مرورًا بالصراع الأمريكي- الصيني، وارتفاع أسعار الكهرباء، وصولًا إلى التحولات الاجتماعية العنيفة في عصر اهتز فيه كل شيء بعد انتصار الليبرالية الرأسمالية المتوحشة، ذهابًا إلى العولمة التي تفكك المجتمعات لحساب الشركات عابرة القارات، وحيث يحاول الفرد- الشخص- الذات الساردة، الأصدقاء- أن يثوروا ويتمردوا ويتمسكوا بشعارات ثورية مهزومة في موطنها الأصلي، لا هربًا من مواجهة الواقع، وإنما بحثًا عن معادل موضوعي بديل، يظهر في التنظيمات الصغيرة تحت الأرض أو في أحزاب ناشئة هشة، صُنعت على مقاس التفكك الاجتماعي، وبعضها لا يتجاوز عدد أعضائه العشرة. وفي ظل هذا الانسداد، لا يجد هؤلاء غضاضة في تفريغ ثوريتهم وغضبهم في «مراكبهم» الخاصة: الجنس، والحب، والمخدرات، والحوارات الأيديولوجية والثقافية، ما بين فوكو وموكو وسعيد.

وعلى الجانب الآخر، تقف أم حافظ، بوصفها الأم البديلة، أو الوطن البديل، أو «مصر الأخرى» الشعبية، التي ترى الواقع كما هو، وتحكي عن ممارسات الناس في الشوارع، وعن حملات القبض الليلية باسم الإرهاب، وعن الأولاد الذين يُؤخذون فجأة من بيوتهم، وعن نفسها التي كثيرًا ما قُبِض عليها في آخر الليل، واضطر أحد أفراد أسرة سامح علوان للتدخل لإخراجها. ومن خلال هذا الصوت الشعبي، تتجسد الفجوة بين الخطاب النظري والحياة اليومية، بين الأفكار الكبرى والواقع المعاش.
السرديات كثيرة والشخصيات متنوعة بأدوارها الحية من لحم ودم ومشاعر وأحاسيس في صراع البحث والتحقق، في سردية المرأة، مُمَثَّلة في نورا خطاب، وسردية الاستغناء وتجارب الحب المتعددة من شخص لآخر، كما لو كانت تغير فستانًا أو حذاءً في ثقة وقوة وتوحش أنثوي يفرض نفسه على الرجال، وكأنها تريد أن تنتقم للمرأة في مظلوميتها بالمبادرة بالرفض والقبول بالإقبال والإدبار.. في قصص صعود وانحدار وصلت إلى كسر قلوب الرجال وموتهم، نورا خطاب الأسطورة/ الأنثى/ المرأة الدور/الثورة /الشعر/ الثقافة/ والاستنارة/ النصف الآخر لمجتمع الصفوة المثقفة التي تعلقت بمراكبها الخاصة حتى لا تغرق في المتغيرات الاجتماعية العميقة التي أعقبت انتصار أكتوبر وأفرزتها عوالم الانفتاح السداح مداح، على حد قول أحمد بهاء الدين، وأفرزت مينا أندراوس ابن عابدين، المثقف الثوري “الانتهازي” الذي أقنع رشاد ببيع ميراثه في القرية ومشاركته في صالون تجميل للسيدات، والذي تحول إلى أكثر من صالون ومحلات وشركات مواد التجميل، استثمرها مينا أندراوس لنفسه بثمن أرض رشاد ليدخلا معًا في منازعات، وتنفض الشركة بعد أن تحول مينا إلي قط سمين من خلال رفع شعارات الحزب وتمويله- كغطاء سياسي أيضا. ولا مانع بالإتجار بالدين في صالون مينا وأخته: من تشغيل شرائط القرآن الكريم إلى صوت الشيخ محمد رفعت، ومن تجميل المحجبات إلى خلط السياسة بالدين والمال، ومن النصب والاحتيال واستغلال الشعارات الثورية إلى النذالة والخسة والانحطاط في عصر الضجيج والصخب والتغييب، ومن الصفقات والمواءمات إلى بيع الذمم بانتهازية رخيصة مع صراع أزلي بين سذاجة ابن القرية ونذالة ابن المدينة كما أشرنا في سردية مينا/ رشاد وفى سردية مصطفى محمود وخلط الدين بالسياسة.
إنها مراكب المجتمع، تلك التي تضربها عواصف التغيير وخلخلة الجذور، في ظل المعونة الأمريكية وتحولات الواقع الاقتصادي والسياسي. في هذا السياق يظهر المكان الذي يقيم فيه أحمد التايه بالدقي، خلف شارع التحرير، حيث اندمج مع الموظفين، واستخرج مفاتيح الجمعية، ليأخذ احتياجات الرفاق من خبز وطعام ومعلبات، بوصفها فعلًا رمزيًا للانتقام من نظام عالمي مارس القهر على فقراء العالم، وما فعله تاريخيًا بالسكان الأصليين.
وهنا تتجلى سردية المكان بوصفها أحد أعمدة الرواية. فمن الدقي، حيث يقيم أحمد التايه، إلى مقاهي وسط البلد، إلى المقابر، إلى غرزة أم مديحة في الحسين، إلى شقة نبيل ميخائيل في باب الشعرية، إلى شقق مصر الجديدة، ثم الفيوم، وقصر البروفيسور منصور الفيل في قرية بالوادي الجديد، أو في البدرشين عند أحد أصدقاء رجب الصافوري. حيثما تحط المراكب، لا تأتي بالحشيش والخمرة والعشاء الفاخر فقط، بل تأتي أيضًا بالفن والكتابة والصحافة؛ يكتب رشاد عن القرى والنجوع، ويجري تحقيقات عن أحوال الناس، ويلتقي شعراء وكتابًا، بينما يصور رجب الموالد والمداحين وأضرحة أولياء الله الصالحين.
المراكب هنا هي كل شيء: تفاصيل الحياة اليومية، وأحلام تلك النخبة المثقفة الضائعة والمُضيِّعة في آن. نخبة تحمل هم الوطن بأفكار مثالية طوباوية عن التغيير، وتحاول مقاومة السقوط العام الذي صاحب هزيمة الاشتراكية الثورية وانتصار الرأسمالية الليبرالية العالمية. لكن هذه المحاولة تنتهي، في كثير من الأحيان، إلى الغرق في الجنس والمخدرات، لتقود شخصياتها التراجيدية إلى مصائر فاجعة وموت عبثي.
يموت أحمد التايه في ذروة تحققّه، حين يندفع نحوه أوتوبيس طائش فوق الرصيف، ليختاره وحده دون غيره، ويُلقى نبيل ميخائيل بنفسه في النيل تحت وطأة نوبات نفسية متكررة، بينما يلقى يونس القاضي حتفه في غيبوبة حشيش داخل مستشفى الحسين الجامعي، ويُصاب رضا الجمال بسكتة قلبية عقب انفصاله عن نورا خطاب. نورا، التي أحبها الجميع، ربما لأنها كانت المعادل الموضوعي للتغيير الذي حلموا به، بأفكارها وجمالها الحاد، وقدرتها على ضبط عواطفها وبوصلتها. ويمكن قراءتها رمزًا لمصر، لا كزهرة رومانسية على طريقة «ميرامار» لنجيب محفوظ، وإنما كمصر أشرف الصباغ: فتاة معاصرة ثائرة، ذات أنياب ومخالب، أو امرأة قوية تنتصر لذاتها ولبنات جنسها في صراعها مع البنية الأبوية الذكورية.
نورا هي المتمردة على حياتها وأسرتها، الثائرة من أجل المهمشين والفقراء، المثقفة العضوية في حواراتها مع الجميع، وفي حوارها الأخير مع سامح علوان، الراوي/الذات/الأنا. ومن خلالها تكتمل سيرة جيل المراكب، ذلك الجيل الذي تأتيه الحياة وتذهب عنه بالموت المجاني، في عواصف التغيير الحادة، وغليان المجتمع، وتحولاته القاسية.
إشارات
البنية السردية المفتوحة وتعدد الرؤى:
نحن أمام خلطة سردية ما بعد حداثية لا تحدها أطر رغم اعتماده على عناصر الرواية المعروفة من أحداث وزمان ومكان وشخصيات وبناء حكائي متماسك. لكن أشرف الصباغ ليس من يكتب الكلاسيكي التقليدي إنه الكاتب العولمي الذي عركته كل التجارب والمدن والثقافات المرتحل دائمًا، الباحث عن كل جديد، والثائر دائمًا، لا من أجل الثورة ولا من أجل لفت الانتباه، ولكنه يحمل الهم الإنساني الذي يعصف بحياة البشر.
دعنا نقول إن النص يعتمد على بنية سردية متفردة تمزج بين الذاتي وغير الذاتي، وتوظّف المونولوج الداخلي، والميتاسرد، والتأمل النقدي داخل المتن السردي نفسه، عبر الرواية كاملة، حيث تتداخل الحكاية مع التفكير في الحكاية، وتتجاور الرؤية الفنية مع التحليل الفكري. ومن خلال هذا الامتداد السردي تتكشّف رؤى وأفكار قابلة للنقاش والاختلاف، ضمن مشروع سردي يستوعب الفلسفة والسياسة واليومي والإنساني معًا.
نحن أمام قص ما بعد بعد الحداثة الذي يستوعب كل شيء، وتتجسد هذه الرؤية عبر شخصيات تراجيدية ذات طابع كافكاوي، تعاني القلق الوجودي وأزمة المصير في مجتمع عصفت به تحولات فكرية ومادية عميقة، من فوكو وموكو وسعيد والطفلة التي تريد أن (تَشُخ)، إلى أم حافظ، المرأة المصرية القوية التي تمثل ذاكرة طبقة كاملة. يأتي موتها العبثي بسقوطها من الشرفة التي عاشت فيها عقودًا رمزًا لانتهاء تلك الطبقة، ودلالة على التحولات القاسية التي فرضها عصر الانفتاح السداح مداح وما صاحبه من تفكك اجتماعي وقيمي.
المشهدية:
المشهدية، قلنا إنها الواقعية الاجتماعية النقدية وتجلياتها المابعد بعد حداثية بعد أن تداخلت الأنواع وتلاقحت بكل الفنون البصرية، من مسرح وسينما وفن تشكيلي، بحيث تجد لوحات تشكيلية ومشهدية سينمائية لعين مدهشة تسقط على المكان بتفاصيله ومنمنماته- تنفخ فيه الحياة لتجد قصر منصور الفيل، القبو الأعجوبة، والشوارع المفتوحة وحدائقه المزعومة، وحمام السباحة العجيب، ثم حجرة أحمد التايه في قلب العاصمة، ثم مكتبة (غرزة) أم مديحة في حي الحسين بالأزهر العريق- تنتقل بك الكاميرا إلى عواصم العالم وتتحرك عبر السارد خلال الزمان والمكان في دائرية روائية غير نمطية- دون تسلسل درامي كلاسيكي. ومع ذلك لا تفقد الخيط السردي الذي يمسك بك عبر الفكرة والمعني والرمز.
الشخصيات:
تتسم الشخصيات في الرواية بدقة لافتة في التشكيل وعمق إنساني واضح؛ فهي، رغم تداخل السيري الذاتي مع الغيري، تبدو شخصيات حقيقية من لحم ودم، نابضة بالمشاعر والتناقضات. نراها في همومها اليومية، وفي أوجاعها وأحلامها وجنوحها وتلقائيتها، كما نراها في صخبها وصمتها، وحتى في موتها العبثي ونهاياتها التراجيدية، التي تأتي امتدادًا طبيعيًا لمساراتها لا افتعالًا سرديًا.
يبرز رجب الصافوري بوصفه شخصية محورية جامعة؛ صاحب مقولة «المراكب جاية»، ابن بورسعيد الذي عاصر الحروب الثلاث: رضيعًا في العدوان الثلاثي، صبيًا في النكسة، وفتًى في حرب أكتوبر التي أعادت له بعض كرامته كمهاجر، لكنه اختار رغم ذلك عدم العودة إلى مدينته. كان حلقة الوصل بين الجميع ونقطة التقاء المسارات المختلفة، ومع ثوريته ظل الأكثر انفتاحًا وقبولًا للآخر، لا بدافع الانتهازية، بل بوصفه نموذجًا للشخصية الواقعية المتصالحة مع التعدد. عنده تتلاقى المراكب، وتتصارع، ثم تتناغم، ومن عنده تبدأ شخصيات المجموعة في التساقط.
أما رشاد، ابن الشرقية، فيجسد مأساة الثوري الساذج؛ باع أرضه ودخل شراكة انتهت بصراع غير متكافئ، انتصر فيه الثوري الانتهازي ابن المدينة، مينا أندراوس، على ابن القرية الذي دفع ثمن بساطته السياسية والإنسانية.
ويأتي أحمد التايه بوصفه نموذجًا للموت الثوري النقي؛ شخصية محبة، متقلبة، صادقة في تجربتها الأولى، وكان حضوره فاتحة خير لكل من اقترب منه أو أحبّه أو أحبّوه. انتهى حلمه بالاستقرار وتكوين أسرة بتدخل عبثي قاسٍ، حين دهسه الأوتوبيس في موت عشوائي، يوازي موت شخصيات أخرى مثل نبيل ميخائيل، ورضا الجمال، ويونس القاضي، في تأكيد على عبثية المصير.
أما سامح علوان فهو الراوي/الذات/الأنا، وهو في الوقت نفسه المؤلف داخل النص. من خلال الميتاسرد، يشتبك مع التاريخ والسياسة والمقالة والنقد، على نحو يذكّر بتقنيات ميلان كونديرا، حيث يتداخل القص مع التفكير في القص، وتُفتح حوارات مباشرة مع الأفكار لتعميق المعنى، متجاوزًا الفنيات السردية التقليدية التي لم تعد كافية في قص ما بعد ما بعد الحداثة.
ولا يمكن إغفال ثلاث شخصيات محورية تدور حولها شبكة الأحداث والأفكار: مديحة، وأم مديحة، وعم شفيق. يمثل عم شفيق، الناضورجي، حارس المنظومة الصارمة المستقرة، وقد كاد يقتل سامح علوان بسبب حبه لمديحة، لولا تعهدها بالحفاظ على توازن هش بين أسرتها وحبيبها، في قصة حب ذات طابع أسطوري خففت من حدة التراجيديا العامة.
مديحة نفسها شخصية استثنائية، أقرب إلى رمز للحياة المتدفقة: لا تسكن ولا تهدأ، لا تكبر ولا تشيخ، بوجهها الأسمر وذراعيها البرونزيتين وعينيها السوداوين، وملامحها الهادئة التي تخفي توترًا ووحشًا كامنًا على وشك الانفلات. نشأت علاقتها بسامح في فضاء غرزة بيت أمها، في تجربة عاطفية عنيفة ومفاجئة، محكومة بصراع الرغبة والسلطة والجمال، لكنها لم تستسلم إلا بشروطها. امتدت هذه التجربة أربع سنوات من نعيم الحب وجنونه ولهيبه، لتغدو معادلًا إنسانيًا عميقًا يتجاوز كل العلاقات السابقة، ويختصر في مديحة كائنًا مركبًا «لا يموت»، خليطًا من التناقضات؛ الفسق والجلال، النزق والمحبة، الجسد والحلم.
لغة أشرف الصباغ:
سوف يقف النقاد طويلًا عند لغة أشرف الصباغ، تلك التي تغترف من لحم التجربة الحياتية بما تحمله من رقة وقسوة، وبساطة وجبروت. هي لغة تعرف كيف تجمع بين اليومي والعميق، وتستخدم السخرية بوصفها أداة كشف لا تهكمًا مجانيًا. هذه السخرية اللاذعة تتسلل إلى الميتاسرديات المتناثرة داخل النص، وتظهر في رؤى الرفاق وحواراتهم وتصرفاتهم، كاشفة هشاشة الإنسان وضعفه وانكساره، ومؤكدة عبثية موته رغم كل الصراعات والاندفاعات التي خاضها سعيًا وراء انتصارات سرعان ما تنقلب إلى هزائم.
لتأتي هذه الهزائم بوصفها امتدادًا لتجربة جيل كامل، جيل أكتوبر ومظاهرات الخبز، الذي توحد في لحظات الاحتجاج والانكسار داخل المقاهي والأقبية والمقابر والشقق المفروشة ومقرات الأحزاب. ومع تتابع الأحداث، يموت من يموت، ويسافر من يسافر، بينما يصعد عادل محجوب، المؤمن بالدولة والنظام، ليصبح شريكًا لرشاد عامر في برنامج تليفزيوني، في دلالة واضحة على تحولات القيم ومسارات الصعود الاجتماعي والسياسي. وفي الفصلين الأخيرين، يقدم سامح علوان مونولوجًا طويلًا وتيار وعي بالغ الشاعرية، يمتزج فيه الصفاء بالعذوبة والسخرية المريرة، ليبدو النص وكأنه مرثية لجيل كامل، وبكائية للحياة والوجود، بما تحمله من عبث وحزن نبيل لا يخلو من إنسانية عميقة.











