محمد أسامة
حين نتنقل بين دفتي هذه الرواية: رواية “انخدعنا” للكاتبة “دينا شحاتة”-والصادرة عن دار الشروق بالعام الحالي-نلتمس في تطور مأساة البطل وبالتوازي معها تفكيك تلك المأساة عبر مستويات عدة بتطور الأحداث، ما أرادت الكاتبة إرسائه في عموم الرواية وبثه في ذهن المتلقي. والمتمثل في سؤال مركب: هل يقدر المرء أن يرى مقامه من الواقع ومدى تأثير الحياة على هيئته بصورة صافية وسط زحامها؟ وإن كان ذلك، بأي معيار يراها، ليستطيع تحليلها ومجادلتها؟
“ليس لأن الحقيقة تحتاج شهودًا؛ بل لأن كل خدعة، لتنكشف، تحتاج إلى ثلاث لغات على الأقل”.
وفي سبيل ذلك، قدمت “دينا شحاتة” رؤية مختلفة لسردية البطل فيها، عبر جولات متوالية من لعبة شعبية ك”الدومينو”، يتبارى فيها مظهرا ما حازه من نصيب، -والقريب شبها ببلاطاتها ونقاطها- أمام صوت الواقع الناظر لمعاناته من بعيد-والمتفاوت في إظهار المعاناة من درجة الإيلام، إلى التسفيه في بعض الأحيان بحسب كل جولة- وكذلك المدينة التي طبعته ببقايا ذكرياتها وآثارها المحكية. صانعين بهذه اللعبة وقواعدها مبدأ يفكك أطلال حياة البطل، ومن ثم ينتقي مشاعره وتطور انفعالاته مع ما يهوى-سواء كان مع حبيبته أو ناديه المفضل أو مع أبيه”-. حتى يتسنى لنا فهم موقعه في مسرح الدنيا عبر معرفة موقفه من كل خدعة اتفق عليها الزمن بتغيره والحاضر بمبادئه الجافة كما يفعل مع الدوام.
“صدقت المسرحية، أديت دوري فيها بمهارة أحسد عليها، لأول مرة رأيت الستار الأحمر وخشبة المسرح، خفت، أردت الهرب، لأجد ذراعي اليسرى متأبطة ذراع ميرفت، والجمهور يشتمني؛ لأنه يريد استكمال المشاهدة، وستار المسرح لن يغلق على نهاية لا يحبها الجمهور، والأمر يتطور، مع كل مشهد، يزيد طفل، يناديني بابا .. بابا .. بابا، يا أخي، ملعون أبو بابا”.
وبما أن “كل شيء وله نظر” يصنع الراوي العليم من سرده نافذة تطلعنا على أساس الخدعة، برسم الملامح الأولى للبطل “طارق العيسوي”، بداية من لقبه “العايق” الذي يشمل المظهر-الذي عنيت الكاتبة بوصفه وإيضاح مرونته في مشهد شجاره الأول- والفعل-كما جرى على لسانه أنه صاحب مزاج، يبحث عما يزيد نشوته مفضلا عليها ما يراه الآخرون مصلحته-. والمفضي إلى تكوين لقطة يمثل فيها طارق المركز، يمد عراه وصلاته فيها إلى أحلام معروفة حدها ومدى تأثيرها على نفسه-كالتشجيع المتيم لفريقه “المصري” أو حبه المتنامي لجارته “ميرفت” أو استمتاعه بجلسات الضمة والسمسمية وانجذابه لبحة صوت حسن الأسمر-. سرعان ما يبدأ إطار اللقطة بالاتساع قليلا-وذلك لحظة معرفة طارق نية الريس حسين “أبو ميرفت” تزويجها من غيره- لنرى خيوطه وقد بدأت بالانهيار باصطدامه بالواقع، محولة إياه إلى شخص تائه، يحاول بيأس شديد أن يستعيد مكانته، محتجا على الصفعة المباغتة من دنياه-وعليه كان ركضه في مستهل الرواية وصرخته التي أصبحت فيما بعد لسان حاله “انخدعنا”-.
على ذلك المنوال يختبر البطل في كل ما آمن به، فيضاف على أطره المصنوعة- أو بمعنى أوضح يكتشف وجودها- أطر جديدة من اعتبارات واقعية-ألزمه عليها بعض الشخصيات المقربة كأمه أو أولاده-، أو حتميات قدرية-والتي أظلتها الكاتبة بوفاة والده-، أو لعبة كبرى، ليجد نفسه مجبورا على خوض معارك خاسرة-كما نرى قوله بعجز “بتعارك مع مين؟.. معرفش”، أو نلتمس قلة حيلته في توجيه غضبه بعد المذبحة-. تنبئه بأنه كائن هش يشترك مع مدينته في الشتات بين ما تريد وبين ما اختيرت له، وبالتبعية التيه في إيجاد هوية متماسكة، تؤمنها-ولو بقدر- من حيل الدنيا.
“لم يتذكر السمسمية الأولى كأنها امرأة قديمة كانت تحبه ثم خانته. أو كأنها لم تخنه، بل تعبت، ولم تعد قادرة على حمل السلاح. كان يدرك أنه لا يملك الحق في اتهامها، لكنها لم تعد تعنيه، بدأت تتجلى أمامه خدعته، أنه لا يعرف أصل أي شيء، يكتفي بالنزر القليل منه، بسطحه”.
لم يكن غريبا وسط هذه المعركة أن تتغلف بصوت يحمل ذاكرة المدينة وروحها، صممته “دينا شحاتة” كموازنة للمأساة، فمن ناحية تطلق موجة شعورية في سردها كعزاء بكون تشتت الهوية قدرا حملته المدينة قبل أن يولد بطلها. ومن ناحية أخرى يأتي استخدامها للزمن في ترتيبها للأحداث-بداية من شق القناة والبطولات الفدائية إلى زمن المنطقة الحرة والانفتاح الاقتصادي- وربطها بالحاضر إظهارا لشدة تشوش الأمور على البطل لوقوعه-وهو الساذج أو العايق- بين رحى ضنك المعيشة والتطور المتسارع لزمنه، ومن ثم تقطع صلته بأصله. لتصير المدينة رحبة بصدى صرخته حاوية جرحه -الشبيه بجروح أبنائها وزوارها التي عرفتهم وضمتهم تحت ثراها على مر الزمان-في ذاكرتها، معتبرة معركته-وإن كانت معركة خاسرة وغير واضح غالبا ومغلوبها… تستحق الرواية.















