فيلم “السادة الأفاضل”.. الكوميديا حين تكشف خواء القيم

alsada al afadel

عادل محمود

     ليس من السهل اليوم أن تصنف كوميديا مصرية خارج خانة “الاستهلاك السريع”. معظم ما يقدم تحت هذا العنوان يكتفي بالضحك بوصفه غاية، ومن هنا تأتي أهمية فيلم “السادة الأفاضل” (2025)، لأنه يقلق وهو يضحك. الفيلم من أخراج كريم الشناوي وكتبه مصطفى صقر ومحمد عز الدين وعبد الرحمن جاويش، ينتمي إلى تقليد نادر في السينما المصرية: الكوميديا التي تفكر وتترك أثرا بعد انتهاء العرض.

     الفيلم لا يطلب من المتفرج أن يحب شخصياته، ولا أن يتعاطف معها، بل يضعه أمام بنية اجتماعية عارية من أي تجميل. ما يعرض على الشاشة ترتيب دقيق لعناصر واقع معروف، حيث تتحول القيم إلى مفردات جوفاء، وتغدو الأخلاق خطابا للاستهلاك لا معيارا للسلوك.

تبدأ الأحداث بوفاة الأب جلال أبو الفضل (بيومي فؤاد) لكن الموت هنا ليس لحظة حزن بقدر ما هو لحظة كشف. السيناريو يتعامل مع الوفاة كـ”زر تشغيل” لإنهيار منظومة كاملة كانت قائمة على التواطؤ الصامت. تجتمع العائلة في قرية ريفية: طارق (محمد ممدوح) الابن الأكبر، يسعى لوراثة السلطة العائلية أكثر من وراثة المسؤولية. حجازي (محمد شاهين) الطبيب العائد من المدينة، يكتشف أن العلم لا يمنحه تفوقا أخلاقيا داخل هذا السياق. يظهر “سمير إيطاليا” كدائن غامض، فتتفتح ملفات الأب، وتخرج تحفة أثرية مشبوهة من الظل إلى الضوء. وفي الخلفية، ثلاثة شبان عاطلين عن العمل يخططون لسرقة مكتب البريد، في خط سردي يبدو منفصلا، لكنه في الحقيقة جزء من النسيج نفسه. تدور أحداث الفيلم خلال أقل من أربع وعشرين ساعة، وهو اختيار يخدم المعنى، يفرض إيقاعا ضاغطا يكشف تناقضات الشخصيات سريعا، ويجعل سلوكها الحقيقي ظاهرا دون مواربة.

“السادة الأفاضل” عنوان يسخر لا يصف. نحن أمام مجتمع يفرط في استخدام مفردات الاحترام والفضيلة، بينما ممارساته اليومية تكذب هذا الخطاب. الفيلم واع بهذه المفارقة، ويصر على تحويلها إلى مادة بصرية.

البيت العائلي الملئ بالآيات واللوحات الدينية، لا يبدو مكانا للقيم، كلما ازدادت الشعارات، ازداد الفراغ الأخلاقي خلفها. هذه ليست إدانة للدين، بل إدانة لاستخدامه كديكور اجتماعي.

  من أذكى اختيارات الفيلم أنه يتعامل مع الموت بلا قداسة زائفة. في مشهد بالغ الدلالة، يطلب طفل “العيدية” من الجد المحتضر. اللقطة قصيرة، لكنها كاشفة: القيمة تختزل في العائد الفوري.

بعد الوفاة مباشرة يدخل أفراد العائلة في سباق مصالح، تتكشف صفقات الأب، وتعاد صياغة العلاقات وفق منطق الربح والخسارة. لا أحد يفاجأ بالفساد، لأن الجميع كان جزءا منه بدرجات متفاوتة.

الفيلم ملئ بالمصادفات الغريبة: ذبابة تتسبب في موت، خطط تنهار لأسباب تافهة، شخصيات هامشية تربك موازين القوة. هذا العبث وصف لعالم فقد معاييره. حين تغيب العدالة كقاعدة، تصبح النتائج عشوائية.  الضحك هنا آلية دفاع، المتفرج يضحك لأنه يدرك أن ما يراه ليس بعيدا عنه، وأن السخرية أحيانا هي الشكل الوحيد الممكن للفهم.

الفيلم يستخدم الرمز بحذر، دون استعراض: لوحة “خلق آدم” المحرفة على سقف غرفة الأب، حيث يحل الأب وإبناه محل الشخصيتين الأصليتين، تلخص فكرة توريث الفساد، لا الخلق النقي.  شخصية فتاة الليل ذات العكاز (دينا يحيى) تكشف نفاق النظرة الأخلاقية السطحية: الضعف الظاهري لا يلغي الفاعلية، والوصم لا يمنع التأثير  ثلاثي الشباب العاطلين (طه دسوقي، علي صبحي، ميشيل ميلاد) يجسدون اقتصاد “السبوبة” : طموحات استهلاكية كبيرة، وأدوات هشة، في واقع لا يمنح بدائل حقيقية.هذه الرموز لا تضاف للتجميل، بل تعمل داخل نسيج الحكاية.

  الريف في “السادة الأفاضل” مساحة اختبار اجتماعي. العلاقات تدار بمنطق الصفقات، لا الروابط. التعليم لا يمنح سلطة، والسلطة لا تنتج عدالة. الفساد هنا يوميا، صغيرا، متراكما.لالفيلم لا يقدم خطابا سياسيا مباشرا، لكنه يطرح سؤالا واضحا: ماذا يحدث لمجتمع تتكرر فيه هذه الممارسات دون حساب؟ الإجابة لا تقال، بل ترى.

 نقاط القوة: كوميديا موقف ذكية، بعيدة عن الإفيه السهل.

إخراج يحسن إدارة الفوضى دون فقدان الوضوح.

صورة بصرية ترفض تنميط الريف.

 نقاط الضعف: إيقاع بطيء نسبيا في المنتصف.

نهاية سريعة لا تمنح بعض الخيوط حقها الدرامي.

شخصيات تقترب أحيانا من الكاريكاتير.

غياب أي نموذج مقاومة أخلاقية، وهو خيار فني يضاعف قتامة الرؤية.

هذا التوتر بين الإعجاب والتحفظ جزء من تجربة الفيلم، لا عيبا فيها.

“السادة الأفاضل” لا يقدم عزاء أخلاقيا، ولا يقترح حلولا. هو يكتفي بأن يضع الواقع أمامنا دون رتوش. الضحك الذي يثيره، ضحك إدراك. نحن نضحك لأننا نعرف.

في عالم تختزل فيه القيم إلى شعارات، يصبح كشف التناقض فعلا شجاعا. وربما كما يقول الفيلم ضمنيا، لا نملك اليوم سوى أن نضحك بمرارة .. حتى نفهم حجم المأزق الذي نعيشه.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع