محمد المسعودي
صعدت إلى إحدى مقطورات القطار المتوجه إلى طنجة في محطة سيدي قاسم. كان الزحام يمنع المرء من الحركة. اتجهت إلى القاطرة الأولى. كانت مكتظة بالمسافرين. عدت القهقرى إلى وسط القطار حيث وجدت مكانا شاغرا في المقصورة رقم 4 اقتعدته بعدما وضعت حقيبة سفري على الرف. كنا في أوائل شهر أبريل الربيعي الدافئ. لم يكن المطر الخفيف الذي تساقط قبل قليل قد ترك أثرا واضحا على شعري وثيابي على الرغم من عدم تزحزحي عن مكاني الأول الذي ربضت به أنتظر قدوم القطار القادم من الدار البيضاء والمتجه نحو طنجة.
انتعشت أثناء تساقط المطر بتسلل قطراته الرقيقة إلى جلدي. لم أنعم برؤية المطر ومداعبة قطراته ما يقرب السنة في الجنوب. كنت أحب المشي تحت المطر وسماع قطراته وهي تعزف إيقاعها الرتيب المتكرر على زجاج المنور في بيت والدي. كان صوته ودفء الحجرة التي اتخذتها ملاذا لأحلامي يبعثان في نشوة الحياة ويجعلاني أغرق في قراءة الروايات العالمية بنهم لا يحد.
تهادت بي الذاكرة في هذه التفاصيل، وأنا أقرأ رواية “قصة حب مجوسية”، حتى انتبهت إلى نظرة عينين جميلتين ترقباني في صمتي. كانت فتاة ترتدي جلبابا أحمر اللون وتسدل شعرها على ظهرها وكتفيها. بجانبها امرأة في مقتبل العمر تلبس جلبابا أبيض اللون ويستر شعرها “شال” رمادي. يبدو بطنها منتفخا من أثر الحمل. كانت متمددة على الكرسي وقد أسندت رأسها على فخذ الفتاة وعيناها مغمضتان. وفي الكرسي المقابل لهما استلقى شاب يرتدي جاكتة سوداء من الجلد. حينما رفعت بصري إلى الفتاة كان طيف ابتسامة يتخايل على شفتيها فما كان مني إلا أن أبادلها الابتسام بوجه طلق يحمل رغبة كسر الصمت الليلي. كان أغلب الركاب قد أغمضوا جفونهم تعبا أو رغبة في نوم حقيقي. ونظرا إلى أن المسافة التي تفصلني عن الفتاة كبيرة لأن المقطورتين مختلفتين، ولكي لا نثير انتباه الآخرين، جرى الحوار بيننا عبر الإشارات. سألتها عن وجهتها بإشارة من كفي. فأومأت إلى أنها ذاهبة إلى طنجة. ثم سألتها عن المكان الذي تقطنه في طنجة، فأشارت بحركاتها ونطقها الاسم همسا إلى حي المصلى. وسألتني بدورها عن مكان سكناي فحركت رجلي اليسرى التي كانت في مجال رؤيتها ودفعتها إلى الأمام كأنني أقذف الكرة مشيرا إلى أنني أقطن بمرشان (قرب ملعب كرة القدم). كانت الحركة فكاهية أثارت لديها رغبة في الضحك كتمتها بوضع يدها على فمها الصغير.
كان القطار يمضي في خطه المرسوم طاويا المسافات. والصمت يلف المقطورتين. بينما استمر حوارنا الصامت الإيمائي طوال الليلة، حوار لم يكن يقطعه سوى انتباه المرأة التي ترافقها بين فينة وأخرى. فكانت تحول عينيها بسرعة إلى جهة أخرى وتغيض البسمة في شفتيها. وكنت حينها أغمض، بدوري، جفني متظاهرا بالنوم. استمرت اللعبة إلى أن توقف القطار في محطة طنجة عند السابعة صباحا. كنت قد طلبت منها أن تكتب لي رقم هاتفها لأتصل بها. أشارت إلى أنها لا تملك قلما تكتب به الرقم. وطلبت مني أن أدون رقمي الهاتفي الذي سجلته على تذكرة القطار. عندما اندفع الركاب نحو الأرفف لحمل الأمتعة أسرعت إلى الرف لحمل حقيبتي في اللحظة التي كانت تقطع فيه ممر المقطورة. دسست الورقة بين أناملها الدافئة التي ضغطت بهما على أطراف أصابعي. تفطنت المرأة التي كانت تتبعها في تثاقل ظاهر بسبب حملها إلى ما جرى، لكنها تظاهرت بعدم الانتباه. سرنا نحو باب الخروج. تعمدت أن أسبق المسافرين الثلاثة. وحينما التفت كانت نظرات المرأة والفتاة مسلطتين على ظهري. فاجأت الالتفاتة الفتاة فاحمر وجهها خجلا، ولكن الابتسامة عادت ترتسم على ملامحها.
فهل تحمل سماعة الهاتف في يوم من الأيام لأسمع صوتها، ولترن في أذني موسيقى ضحكتها التي كتمتها طيلة الليلة؟
***
كنت رفقة أخي وزوجه عائدين من مدينة الرباط. ركبنا الدرجة الثانية من القطار وقد تجاوز الوقت السادسة مساء، أخذنا أماكننا في مقطورة رقم 3 بجانب الباب بحيث تبدو المقطورة الأخرى رقم 4 بكراسيها المواجهة لنا والممتدة في صفوف على اليمين والشمال. كانت أغلب كراسيها فارغة. كنا عائدين من الرباط بعد مراجعة زوج أخي طبيبها المشرف على ولادتها بمستشفى السويسي. لما أخذنا أمكنتنا ظل أخي يحدثنا ويطمئن زوجه على حالتها، معيدا ما سمعته من طبيبها. لما أحست زوج أخي بالتعب تمددت فوق الكرسي الذي يجمعنا ووضعت رأسها على فخذي لتخلد إلى نومها، بينما كان أخي يجلس قبالتنا في كرسي مستقل، وظهره إلى الجدار الفاصل بين مقصورتنا والمقصورة المجاورة. لما رآها تسترخي تمدد بدوره على كرسيه واضعا رأسه على ذراعه، ثم أخلد لغفوة كانت تدل عليها شخرات متقطعة تنفلت منه بين فينة وأخرى.
في محطة سيدي قاسم صعد القطار ركاب آخرون أتوا من مكناس وفاس ومن مدينة سيدي قاسم، فاكتظ القطار، وامتلأت المقطورة المجاورة لنا. أخذ كل مكانه، وانطلق القطار ينهب السكة ذاهبا في وجهته المرسومة مارا بالقرى المظلمة، وقد أرخى الليل حلكته، فلا تبين سوى أضواء باهتة هنا وهناك، وهو لا يريم في اهتزازه وضجيج احتكاك عجلاته بالسكة الحديدية. كان الصمت داخل القطار ثقيل الوطأة، وقد نامت زوج أخي، وأخلد هو بدوره إلى كرسيه غارقا في غفوته التي كان يتململ منها بين لحظة وأخرى ليثبت نفسه على الكرسي. شعرت بنوع من الملل وأنا لا أجد ما أشغل به نفسي.
رفعت رأسي أنظر إلى المقصورة الأخرى فلفتني وجه شاب وسيم يقرأ في كتاب، فغبطته على هيمانه بين صفحات الكتاب يستمتع بقراءتها، وهو يطارد الملل والصمت الثقيل. كنت أنظر إليه بعينين مندهشتين، وهو مستغرق أتم استغراق في مطالعته، وفجأة رفع عينيه عن الكتاب ليضبطني متلبسة بالتحديق فيه دون أن يرمش لي جفن. ابتسمت ابتسامة خجولة، فابتسم، أيضا، ونظرا لأن المسافة بين كرسيه في المقطورة الأخرى بعيدا عن كرسيي بمقطورتي، وحتى لا يثير انتباه الراكبين وانتباه زوج أخي -التي تتوسد فخذي وتواجهه- حاول الحديث معي عبر لغة الصم البكم، كانت حركاته ومحاولاته وهو يسأل أو يشرح تثير ضحكي فجاريته في محاولته، واندمجت معه في لغة الإشارة. عرفت أنه يسكن قرب ملعب الكرة بمرشان، وفهمت أنه معلم بإحدى مدن الجنوب عائد إلى مدينة طنجة. ولست أدري هل فهم إشاراتي، إذ أخبرته، أني متجهة أيضا إلى طنجة، وأني أسكن حي المصلى، وأني تلميذة بالثانوي.
كان حديثنا بالإشارات مسليا أنساني وحدتي، ووطأة الصمت وحدة الملل. وكانت الضحكات تكاد تنفلت مني مرارا فألجمها بغلق فمي. ولكن حركاتي الباطنية كانت تشعر بها زوج أخي، فتفتح عينيها وترفع رأسها، فكنت أولي وجهي جهة أخرى، وكان الشاب يغلق عينيه ويتظاهر بالنوم حتى لا يثير انتباهها. كانت لعبة مسلية أمضينا بها ليلة القطار الطويلة حتى وصلنا طنجة. وأثناء استعدادنا للنزول من القطار تعمدت أن أمر بالمقصورة التي بها الشاب حتى يناولني رقم هاتفه الذي طلبت منه أن يكتبه في ورقة، إذ لم يكن في حوزتي قلم أو ورقة لأكتب رقم بيتنا.
راقني أدبه وخجله وهو يدس الورقة في يدي، وكنت جادة في إعادة التواصل معه بعد ليلة القطار المسلية. دسست الورقة في جيبي، وقد أدركت أن زوج أخي رأت حركة الشاب ورأت أني أخذت منه الورقة ووضعتها في جيب جلابتي. سأحاول الاتصال به في أقرب وقت.
***
ركبنا من محطة الرباط أنا وزوجي وأخته “رشيدة” بعدما زرنا طبيبا في مستشفى السويسي لمتابعة حالتي أثناء الحمل، وهي حالة غير مستقرة تشوبها مشاكل وضع الجنين في الرحم، وصعوبات أخرى حدثني عنها الطبيب، وطلب مني أن أراجع طبيبا في طنجة سينسق معه حتى لا أتنقل مرة أخرى إلى الرباط، وحتى لا يزداد أمري سوءا بسبب التنقل في القطار أو غيره من طنجة إلى العاصمة. أخذنا أماكننا في كراسي قريبة من باب المقصورة رقم 3 التي تواجهها المقصورة رقم 4. جلست إلى جوار “رشيدة” على كرسي واحد طويل ونحن نواجه المقصورة الأخرى، بينما جلس زوجي في الكرسي المقابل، انطلق القطار في مساره ينهب الأرض، وهو يقعقع ويصدر ضجيجا قويا. أحسست ببعض التعب فتمددت على الكرسي متوسدة فخذ “رشيدة”. نمت فعلا نوما عميقا رغم اهتزازات القطار وصفير احتكاك عجلاته بالسكة الحديدية. لم أشعر بما يجري حولي، ولم أعرف إلى أين وصل القطار في رحلته حتى انتبهت، فجأة، إلى حركات تقوم بها أخت زوجي، وإشارات بيديها، ومحاولات لكتم ضحكات تريد أن تنطلق من فمها. فتحت عيني ورفعت رأسي إليها، فأدارت وجهها إلى الجهة المقابلة من مقطورتنا حتى لا أنتبه إلى من تخاطبه بحركاتها. تظاهرت بالعودة إلى النوم، وتركت عيني منفتحتين قليلا لأكتشف أنها تتحدث إشارة مع شاب في المقصورة الأخرى يمسك بيده كتابا، ويرتدي معطفا بنيا، وسروال “جين” أزرق اللون، وحذاء رياضيا، وعلى عينيه نظارتين طبيتين بنيتي اللون مثل معطفه. كانت تصدر عنه حركات بهلوانية وهو يشرح، مستميتا، لرشيدة أين يسكن وماذا يعمل وأين يمكن أن يراها وكيف، مما كان يجعلها تهتز اهتزازات ضحك مكتوم أشعر به، فأتعمد فتح عيني عامدة لأرى رد فعلها ورد فعل الشاب: كانت تدير وجهها إلى الجهة الأخرى، بينما يلقي الشاب رأسه على كرسيه ويغلق جفنيه متظاهرا بالنوم، مما كان يحفزني، بدوري، على الرغبة في الضحك غير أني كنت أضبط نفسي، وأنا أتسلى خفية بإشارات الشاب وحركاته المضحكة، ثم أعود ثانية إلى إغفاءاتي حتى وصل القطار إلى محطة القطار ب”البلايا”.
سبقتني “رشيدة” إلى المقطورة رقم 4 وكان الشاب ينزل حقيبته من رف بالمقطورة، حين اقتربت “رشيدة” منه لمحته يدس في يدها ورقة ربما كتب فيها مكانا وموعدا للقائهما، فتظاهرت بأني لم أر شيئا. سبقنا وأكمل طريقه. بدا لي شابا خجولا ومؤدبا من الحمرة التي علت وجهه وهو يضع الورقة بين أصابع أخت زوجي. سرنا مسافة نحو باب الخروج، والتفت فجأة ليجدني أنظر إليه في إمعان، ولم يكرر النظرة مرة أخرى.
لم أشأ أن أحدث “رشيدة” بأمر الشاب وما كان بينهما في حضور زوجي “سعيد”. وفي البيت فاتحتها في الموضوع، وطلبت منها أن تنسى ما كان وأن تلتفت إلى دراستها، فهي ما زالت صغيرة السن وأمامها أشواط من الحياة حتى تفكر في الحب أو الزواج. أخذت منها الورقة التي دستها في جيب جلبابها الأحمر، مزقتها ورميتها في سلة المهملات، ولكن لم يخف علي انفعالها وغضبها لأني وقفت حجر عثرة أمام نزوة من نزوات مراهقتها، وربما فكرت أني أضعت عليها فرصة لتجربة الحب والعشق الذي لم تجربه وقرأت عنه، فقط، في روايات عبير وسميرة بنت الجزيرة العربية. غضب “رشيدة” عبرت عنه بصمت طال بيننا لأيام لم تكن تتخلله سوى إشارات الصم البكم، لكنها إشارات جادة لا تمت بصلة إلى إشارات شاب القطار المسلية.













