كمن يسند صورة مائلة في بيت قديم

marwan yasseen

مروان ياسين الدليمي

1

أمشي وقلبي

كحوض حجري في فناء مهجور.

لا يعرف المطر اسمه

ولا تعرفه الطيور.

 

القلب لا يزهر وحده.

هذه حقيقة تعلمتها من الأشجار

التي تقف طويلا قبل أن تصدق الربيع.

الجذور تفكر في العطش

كما يفكر العطش في فم مغلق.

 

أقول لنفسي:

الطمأنينة حيوان بري

إذا اقتربت منه بعقل مستقيم يفر.

وإذا تركت له كلمة صادقة

جلس عند قدميك

كأنه كان ينتظرك منذ قرن.

 

الذكريات تمشي بجانبي

تجر ظلالها مثل حقائب قديمة.

بعضها يلوح

بعضها يتظاهر بالموت.

النسيان ليس نقيضا

هو غرفة مجاورة

تسمع منها تنفس الماضي

ولا تراه.

 

الهواء يلمس جلدي

كأنه يتعلم لغة الجسد.

الضوء يعتذر عن قسوته

ثم يضحك.

الوقت

ذلك الموظف المتعب

يختم يومي بختم غير واضح.

 

في السوق

كانت امرأة تقول كلمة طيبة لطفل يبكي.

رأيت قلبي يتحرك

ليس فرحا

بل دهشة.

كما لو أن شيئا يابسا

تذكر فجأة أنه كان ماء.

2

أتذكر الآن

أن الكلمات لا تسقط من الفم

بل تمشي ببطء

كحيوانات صغيرة

تتعلم التوازن فوق الحروف.

 

في المساء

كان التاريخ يجلس معنا

على مقعد مكسور.

لم يقل شيئا.

كان يقشر برتقالة

ويترك الرائحة تتكفل بالخطاب.

هكذا يمتزج العام بالخاص

وهكذا تتعلم الذاكرة أن تكون جماعية

من دون أن تفقد رعشتها الشخصية.

 

قلبي

ذلك العضو الذي يظن نفسه فكرة

كان يستمع.

لا يفهم

لكنه يهتز

كما يهتز زجاج نافذة

حين تمر شاحنة بعيدة.

 

السخرية جاءت متأخرة.

قالت لي:

هل كنت تنتظر معجزة؟

الكلمة الطيبة ليست برقًا

هي كوب ماء

يوضع قرب سرير

ولا ينتبه له العطش إلا عند الفجر.

 

الأشياء من حولي تتدخل في الأمر.

الكرسي يقترح الصبر.

الساعة تنسى العد.

والظل

هذا المؤرخ الكسول

يعيد كتابة المشهد

من دون أسماء.

 

أنا لا أؤمن بالشفاء الكامل.

أؤمن بالتحسن المفاجئ الذي لا سبب له.

بلحظة

تنكسر فيها العلاقة المنطقية

بين الجرح ودوامه

ويفعل القلب ما تفعله الأرض

حين تخطئ في الحساب فتنبت.

3

في الصباح

المدينة تستيقظ كقلب جماعي

تتنحنح الشوارع

وتعدل النوافذ ذاكرتها.

لا أحد يعرف

من قال الكلمة الطيبة أولا

لكن أثرها يمشي في الأسفلت

كدفء خفي.

 

قلبي الآن ليس مزهرا

ولا يائسا.

هو فقط يتذكر كيف يكون الاحتمال.

كحجرتعود إليه يد النهر

لا لتكسره

بل لتقنعه بالحركة.

 

أسخر من نفسي.

كنت أظن الحياة

مشروعا واضح التعليمات.

وإذا بها

ملاحظة صغيرة في الهامش

لا ينتبه إليها أحد

إلا من تأخر كثيرا.

 

الذاكرة تلوح.

النسيان يلوح أيضا.

كلاهما يطلب العبور.

فأفتح.

ليس كرما

بل تعبا.

 

الكلمة الصادقة

لا تغير التاريخ

لكنها تعدل وضعه قليلا

كمن يسند صورة مائلة في بيت قديم.

وهذا يكفي

لكي لا يسقط الجدار

فوق قلوب

لم تزهر بعد.

 

 

شاعر ورورائي وناقد عراقي. من أعماله: رفات القطيعة، منعطف الوقت، اكتشاف الحب ـ اوراق من مدونتي الشخصية، علامات سردية روايات…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع