حامد البلاسى.. طائر الحزن النبيل

أسامة كمال أبو زيد

يقولون إن في كل مدينة ساحلية شاعرًا يحرس ليلها من الصمت. في بورسعيد، كان هذا الحارس اسمه حامد البلاسي. لم يكن يحمل سيفًا ولا راية، بل دكان عطارة صغيرًا في شارع التجاري، ورئةً مفتوحة على الحزن والبحر. وُلد عام ١٩٢٤ في قرية أم خلف، عند الحافة التي يلتقي فيها الفقر بالماء، في حضن بحيرة المنزلة، بين صيادين يعرفون الصبر أكثر مما يعرفون الكلام، وأطفالٍ يتعلمون مبكرًا أن الموج قد يكون مهدًا وقد يكون منفى. هناك، في تلك الطفولة الهشة، سمع أول مرة شاعر ربابة عجوز، فاكتشف أن الكلمة يمكن أن تكون شِباك نجاة، أو مركبًا هشًا في ليل طويل، ولم يكن يعرف يومها أن قدره سيكون أن يحمل مدينة كاملة في قلبه.

كبر حامد، ودخل الجماعات الأدبية كما يدخل الفقراء المدن: بلا ضجيج، وبقلبٍ مفتوح. لم يكن شاعر صالونات، بل شاعر الهامش، شاعر من يعرفون كيف تُقاس الأشياء بالوجع لا بسطور الكلمات. في بورسعيد لم يكن مجرد ابن مدينة، بل كان واحدًا من أسرارها الصغيرة؛ يعرف الميناء كما يعرف كف يده، ويشمّ في الهواء رائحة السمسمية ممزوجة بالقرنفل والنعناع. وقف في دكانه كملكٍ هادئ على عرشٍ من أكياس البهارات وأرفف العطارة، يراقب الحياة وهي تمر أمامه: نساءٌ يعبرن بابتسامات حذرة، صبيةٌ يركضون بجرار الماء وقصاصات الورق، وهو يخلط في داخله روائح القرنفل والنعناع مع أصوات السفن وأغاني السمسمية.

وكان التيه، تيه الوطن والإنسان، مادته الخام. كأن حياته كلها حقيبة سفر لم تُغلق أبدًا، يمضي بها من مكان إلى مكان دون أن يصل، ومن معنى إلى آخر دون أن يستقر:

«أعددت في حقيبة السفر

متاعبي جميعها

حملت حزنها وجوعها

علقتها على المشاجب المقببة

وسرت فى البلاد

لا الحزن راح

ولا انا وصلت للمرافىء المضيئة!!!»

لم يكن هذا التيه مجازًا شعريًا فقط، بل سيرة كاملة. غربة داخل الغربة، حتى وهو في قلب مدينته. وحين ضاق الطريق، وحين شعر أن العالم يدفعه إلى الهامش، لم يجد سوى اللغة ليضع عليها رأسه، وطنًا مؤقتًا لا يخذل:

«وحينما رموا الى الطريق بى..

نفاية ممجوجة الزمن

حنت  علّى فى الطريق أعين الجرذان

وضمت الغربان جرحى العفن

ونمق التراب لى وسادتين غضتين كالدموع

وحينما استرحت قادنى اليك موسم

الحفاف يا وطن!»

كان كريمًا حتى العظم، لكنه شاعر لا يهادن. لا يرى تناقضًا بين الحب والفضيحة، بين العاطفة وكشف القبح. كتب الفصحى كمن يكتب مرثية لمدينة مستحيلة، مدينة تتبدد كلما اقترب منها، وكتب العامية كمن يضع يده في يد الإنسان العادي، ابن الشارع والمقهى والرصيف. لم يتعالَ على لغته، بل جعلها تمشي حافية مثله، تحمل غبار الطريق وصدق الألم:

« أنا مش نبي، ولا كنت يوم فيلسوف

ولا كنت عراف يقرا خط الكفوف

لكني إنسان جاي، وجايب معايا..

من بورسعيد حزن البشر والظروف!»

وكان يعرف، بحدس الشاعر، أن الصبر حين يطول يتحول إلى قهر، وأن السكوت قد يكون خيانة للنفس قبل أن يكون حكمة:

« مكتوب عليا الصبر، والصبر موت

الصبر أضيق من خيوط عنكبوت!

أستحمله، وأستحمل القهر فيه!

لكني ماستحملشي لحظة سكوت..! »

عاد إلى بورسعيد بعد غربة، ومعه صوته الحرّ الذي لم يفقد حدته. كتب قصيدته الشهيرة «الحزن والمدينة» كمن يكتب شهادة ميلاد ثانية، لكن هذه المرة لمدينة مجروحة، مدينة تقف بين نصرٍ لا يكتمل وخذلانٍ لا ينتهي. كان يرى بورسعيد بعين المحب لا بعين المؤرخ، ويعرف أن المدن، مثل البشر، قد تنجو من الموت لكنها لا تنجو من الذاكرة.

وكانت علاقته بالمدينة علاقة دم لا مكان. لم يتعامل معها كخلفية للقصيدة، بل كبطلة خفية في كل نص، كأن البحر كان محرر قصائده الأول، وكأن الميناء كان يراجع معه السطور قبل أن تخرج إلى الناس.

ولم تكن علاقته ببورسعيد علاقة عوز، بل علاقة كرامة. لم يحمل فقرًا ماديًا بقدر ما حمل وعيًا هشًّا بوجع المدينة وكرامتها العنيدة. ومع اتساع حياته واستقرارها في سنواته الأخيرة، ظل محتفظًا بذلك الصفاء الداخلي الذي لا يُشترى، يرى نفسه أغنى من الملوك لا بما يملك، بل بما لم يساوم عليه أبدًا: روحه.

«ساكن في جحر.. ف عشة.. في زقاق عجوز!

اللقـمـة أكلها بدقه، وأشرب في كوز..!

لكني أغني م الملوك كلهم!

لأني حــــر.. إرادتي هيا الكنوز..!»

ظل ذلك العصفور الذي كتب عنه مرة، يحاول الطيران بأجنحة مكسورة وقلبٍ عنيد. وحين داهمته وحدة الكبار، لم يتخلَّ عن حميميته الأولى؛ ظل يكتب للبحر، ويترك رسائل للموج بلا عنوان، كأنه يعرف أن بعض الكلمات لا يجب أن تصل، يكفي أن تُقال.

رحل حامد البلاسي، لكن صوته لم يرحل. ما زال يتردد في المقاهي القديمة، وفي الأزقة الخلفية للحي الأفرنجي، وفي دكاكين العطارة التي تعرف أن الروائح تحفظ الذاكرة أكثر مما تفعل الكتب. البحر يعرفه، والميناء يعرفه، والريح حين تمر من شارع التجاري، تنحني قليلًا، كما لو كانت تحييه.

لم يكن مجرد شاعر، بل كان واحدًا من حرّاس الروح في مدينة تعوّدت أن تقاوم. آخر الذين أبقوا لبورسعيد قلبها نابضًا، حتى ولو صار هذا القلب قصيدة، عالقة إلى الأبد… بين الحزن والبحر.

كاتب وشاعر مصري. من أعماله: لك الموت يا راعى اليمامة 2000 رائحة الغياب 2013 بورسعيد شهادات في الحرب والحب كتابة…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع