سرديات  الغرابة والرمز

engy mahmoud

إنجي محمود

‎لا يعرف الفنّ ذلك الاعتياد الأليف؛ إذ يولد من رحم الغربة المقلقة، فيعيد تفكيك المفاهيم التقليدية للجمال، ويكشف أبعادًا جديدة للواقع، فيهدينا عينًا جديدة. فعندما يتحوّل سطح اللوحة إلى مسرحٍ يضجّ بالأحداث واللحظات الخاصة التي أخفاها الفنان وطمسها داخله بدافع الخوف والقلق، تطفو هذه اللحظات على السطح في لحظة مواجهة وبوح…

‎إنه يثير التساؤلات بتقديم كل ما هو غريب وكأنه مألوف، وينزع عن الأشياء العادية نمطيتها وسكونها.

‎يكشف الستار عن الواقع، ويواجه القلق الإنساني، وتمدّ أذرعه إلى اللاوعي دون خجل، فيخلق منه عوالم مُخلَّقة يكسوها الغموض والدهشة؛ يمزج الموت بالحياة، ويعيد الروح إلى أشياء بالية تدفعنا إلى التأمل في خشوع.

‎فنجد أن الفنان المصري القديم قد ابتدع هذه الغرابة حين صوّر أسدًا يلعب الداما – وهي لعبة قديمة تشبه الشطرنج – مع وعل، وقد أظهر الأسد مبتسمًا في سعادة، بينما ترتسم على وجه الوعل علامات التجهم، وكأنه يشير بسخرية إلى العلاقة الفاسدة بين الملك والرعية. وكذلك حين مزج بين عناصر غير منطقية في واقعية سحرية مدهشة، فصوّر التمساح يعزف القيثارة، والقطط تخدم الفئران، وغيرها من الصور المقلوبة التي جاءت لخدمة أهداف رمزية أو دينية.

‎وعلى مدى عقود سبقت نهاية القرن التاسع عشر، ساد التشاؤم والخوف، وتجلّت المشاعر المتطرفة في شكل حركة ثقافية عُرفت بالفن الرمزي، التي هدفت إلى عكس الأثر والانطباع الذي يُحدثه الموضوع في النفس، وما يتبعه من تأثير في المتلقي.

‎وفي عام 1888، وُلد جورجيو دي كيريكو في اليونان لأبوين إيطاليين. وعندما كان في السابعة عشرة من عمره، توفي والده، فانتقل في العام التالي إلى ميونيخ والتحق بصفوف الفنون. درس تقنيات الرسم الكلاسيكية، وقرأ الفلسفة، ولا سيما أعمال آرثر شوبنهاور، الذي كان يرى أن السلوك البشري محكوم بمحاولة إشباع رغبات مجهولة نابعة من قلق ميتافيزيقي.

‎واهتمّ بالبحث عن إجابات تتعلّق بالتجربة الإنسانية: هل هي ملموسة؟ وهل يمكن للمشاعر أن تتجلّى؟ وما الذي يوجد وراء الكون المرئي؟ وفي عام 1911، عندما رسم جورجيو دي كيريكو أولى نماذج فن الرسم الميتافيزيقي، كانت هذه بعض الأسئلة التي سعى إلى الإجابة عنها. ومثل العديد من معاصريه، كان يدرك تمامًا أن المجتمع الغربي يشهد تحوّلات هائلة لا يمكن إيقافها. وبدلًا من رسم صور موضوعية لهذا العالم المتغيّر، اختار أن يعبّر عن مشاعر سكّانه، ولجوئهم إلى كل ما هو غامض ومبهم. فسعى إلى تصوير ما لا يُرى، أي العالم الداخلي، فصوّر التماثيل المنعزلة، والستائر الداكنة، والشخصيات التي تدير ظهورها، والتباينات الحادة بين الظل والضوء. إنها صور لعالم مليء بالآثار والغموض وأسرار الماضي، ولحظات خاصة مشبعة بمخاطر المجهول. ورغم طابعها التصويري، فإن هذه اللوحات غنية بالرمزية؛ فبدلًا من محاولة التوضيح، تُجرَّد الحقائق، وتُطمس الرسالة، ويصبح المحتوى غير قابل للتفسير إلا من خلال الحالة المزاجية.

‎ومن الفنانين المعاصرين الذين أثروا الحياة الفنية بسطوة الأساطير وبلاغتها، نذكر الفنان الكبير الدكتور صلاح المليجي، أستاذ الجرافيك بكلية الفنون الجميلة، الذي امتلأت عوالمه الفنية بثراء ثقافي وحالات متداعية من عوالم مُخلَّقة وكائنات ممسوخة في رؤى خاصة جدًا. فقد استخدم مفردات مستلهمة من طائر الهاربي الذي جسّدته الأساطير اليونانية في هيئة امرأة جميلة، تتألف من الريش الملوّن ولها أجنحة، ومع مرور الوقت تطوّرت هذه الصورة إلى وحوش مرعبة ذات أقدام طيور ومخالب حادة. كما مزج بين الطبيعة والإنسان، فتتشابك الأشجار وتنمو لها أيادٍ ورؤوس، أو تبرز أعينها، فتهفو نحوها الطيور والفراشات والنحل. وتتبعثر شظايا الكون في طور التكوين، محمّلة بأجساد مترامية وكائنات خرافية، لا نعرف إن كانت مغطاة بالأكفان أم تحاول الخروج من شرنقتها بحثًا عن الضوء. تلك الدوائر المغلقة التي يأخذنا إليها الفنان، ويلقي بنا داخلها أحيانًا أو خارجها في فضاءٍ واسع المدى أحيانًا أخرى، تدعونا إلى التفكّر والبحث، كلٌّ في ذاته، فيلتقي بمرادفاتها داخل وجدانه، فهي تحتمل وتشمل كل جوانب التأويل.

…………………
*فنانة تشكيلية مصرية

*نقلاً عن جريدة القاهرة

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع