عبد العزيز دياب
العصا التى كنت ألوح بها هى عصا المايسترو، أخبرتني أمي وأنا أبحث عنها أنها ربما تكون وسط الركام فى حجرة الخزين، كانت محقة لأنها حضرت آخر لحظة لها وهى بحوزة المايسترو الأعمي قبل أن يباغته الموت فى حديقة بيتنا ويسقط على الأرض كجوال فارغ.
لا زلت أذكر حركة عصاه فى الفراغ وهو يسوس الموسيقي، كان يزورنا فى أمسيات الربيع فتحدث البهجة والصخب، العزف والموسيقي، زارنا وحده ذات مرة دون رفاقه الموسيقيين، وقف أمام الأريكة فى الحديقة يرسل إشارات بالعصا أحدثت انسجامًا بين نباح كلاب، ونونوات قطط تسعى فى حديقة البيت، وصياح ديكة يتناحرون، ومأمآت خروف شارد يلوك حشائش الحديقة.
هى ليست عصا ساحر رغم إشاراتها التى كانت تؤلف بين ثرثرة العجائز، وخبطات العيال على الصفائح والزجاجات الفارغة، وقهقهات الاشباح، رغم خبطة عفوية بها على طاولة أسقطت ثلاث حبات مانجو أسعفت أمي بعمل أكواب عصير، رغم رشقة مباغتة منها فى الفراغ ذات مساء وانفجار صرخة العجوز الشمطاء التى كانت تتجسس علينا كأن شيئا نغز عينها.
ضارب دف، ساكسوفنجي، لاعب الجيتار، لاعب الاكورديون هم جَوْقته ورفاقه، هم الضائعون فى شرفات الموسيقى الخلفية. كان يأتي متكئًا عليهم، لهم فقرة موسيقية مكتملة قبل أن يحطوا على الأرائك وتتقافز القطط، والضفادع، والدجاجات الشاردة فى جنبات الحديقة، بعد أن أصابه العَمَي كان رفاقه من يؤنسون فراغه الموسيقى بعد أن كان يقود الأوركيسترا السنفوني وهو يعزف روائع كلاسيكيات الموسيقي متوجًا بعاصفة من التصفيق، وهزات الرؤوس، ورفع القبعات، وتحسس ربطات العنق، والببيونات. لم تفارقه عصاه بعد حادث أليم تسبب فى عَمَاه، عاش حينًا من الدهر يتخبط فى فراغه الموسيقي يتوهم أنه يقود جوقة من الأشباح يضربون بشكل منسجم على آلات غرائبية: جيتار كان له رأس وحيد قرن، طبلة على هيئة قوقعة خرافية، ساكسفون كأنه ثعبان يتلوى، طبول الدرامز اتخذت شكل سلاحف، أوكورديون ينتفخ وينضغط كحيوان مفترس.
بعد أن كان المايسترو يشرب أجود أنواع النبيذ والشامبانيا، فى المحافل، على شرف قيادته الحكيمة وعصاه التى تسوس موسيقيين عظام صار يشرب العَرَقِ والبوظة، يتجشأ كمن سيتقيأ، يتمتم رفاقة الموسيقيين كأنهم يرتلون تعويذة لهبوط زجاجة شامبانيا من الفراغ، يتلقفون جسده المترنح وهم يعلنون انسحابهم آسفين.
لم يكن لعصا المايسترو أى ذكر عندما وافته المنية فى حديقة منزلنا، أخذتها ضَجّة الحدث بعيدًا، قذفتها أيدى كانت تجهل أن إشارة منها حَفِيّه بأن تعيد انسجام الأصوات الكونية المارقة. استقر مقامها الكريم فى حجرة الخزين ببيتنا، ليلتها جاء يرافقه عازف الساكسفون، كان يتأبط جروًا يتململ، يرصد المكان بنظرة خائفة، يخر نباحًا ناعمًا، وضعه أمام الجميع على طاولة فى انتظار أن تأتي البوظة والعَرَقِ. كان الساكسفونجي ينتظر أن يلوح المايسترو بعصاه كي تخشع الكائنات، تكف طيور الليل عن صخبها ليبدأ الجرو بمشاركة كائنات البيت معزوفة نباح عشوائية مضطربة، تستجيب بعد عدة محاولات لحركة عصاه السحرية، وينتظم إيقاعها مع أنغام خافتة للساكسفون.
كان للمايسترو وعازف الساكسفون والجرو سهرة كل أسبوع فى حديقة بيتنا، العاملون بالبيت، الجيران، الأصدقاء يشهدون العزف، والحكمة، والصخب، والقهقهات. تنتهي كل سهرة بوجبة لحوم ودهن يفيض عن الحاجة، تشرف أمي على تقديمها شاكرة حضور المايسترو، تلتقط طرفًا من معزوفة الساكسفون ونباح الجرو دون أن تع الدور الحقيقي الذى تلعبه عصا الساكسفون فى هذا المشهد.
فى الليلة التى فاضت فيها روح المايسترو أدرك أن نباح الجرو صار عنيدًا، لا يطاوع حركة عصاه ولا نغمة الساكسفون، أفرط كثيرًا فى الطعام وشرب البوظة، مرة واحدة تقيأ ما فى بطنه، انطلق يتخبط فى شجر الحديقة، يهذي كأن به مسٌ، يلوح بعصاه لكائناته الخفية، أخبرنا ذات مرة أنها الوحيدة التى ينسجم رقصها مع حركة عصاه، كائنات كان يراها فى أخيلة عَمَاه على هيئات كثيرة، هى التى تلقفت جسده بعد أن فاضت روحه الكريمة.
ها هى العصا بحوزتي، رفيعة، مستقيمة، سلسة، ألوح بها فى إشارت حكيمة ربما انضبطت حركة الحياة فى بيتنا، فى الشوارع، المواصلات، الدواوين، المنتديات، أروقة المحافل، المجالس، والبث الفضائي.










