زهير كريم
يرى ميشيل فوكو أن العلاقة بين الناس والسلطة هي علاقة معقّدة ومتشابكة، فالسلطة ليست مجرّد خطاب من الأعلى إلى الأسفل، بل شبكة منتِجة وموزَّعة في كلّ العلاقات الاجتماعية، تجعل الأفراد ذاتيين خاضعين، لكنها في الوقت نفسه تفتح مجالًا للمقاومة الدائمة، حيث كلُّ علاقةِ قوّةٍ تُقابلها علاقةُ مقاومة.
ويبدو لي، من خلال اشتباكي مع أصل الأنواع رواية أحمد عبد اللطيف، أن الشفرة الأكثر حضورًا في تمثيل الحكاية هي التشابك المعقّد بين الأعلى والأسفل، بين الخطاب وتنفيذه، لكن جوهر هذا التشابك لا يخلو كذلك، كما عبّر عنه فوكو، من المقاومة تلك اللذة التي ترافق الهدم والبناء المستمر، حتى لو كانت هذه اللذة على شكل بحث عن حلول للتصالح مع الأزمة وتغيير الرؤية للعالم بوصفه حالة غير ثابتة، بل وكشفا متواصلا للوقائع، فالسفينة في رحلتها الطويلة اللانهائية محكومة بالرسو لكن بالمغادرة ايضا. لقد تنوّعت أشكال المقاومة بين الشخصيات بالقدر الذي تنوعت فيه الاساطير الشخصية والمرجعيات الثقافية، تنوع الانفعال امام فيضان النهر الذي يمسح الخط، الصورة التقليدية للمجرى المائي؛ رام المهندس تشكّلت لديه عقدة الذنب، فاستضاف بدون تذمر الأموات في بيته طوال فترة السرد ثم صلبه ليتحول الى شفرة حماسية شديدة الانفعال، وتشكّلت لدى الفاكهاني نزعة العدمية من خلال الضحك على العالم بوصفه سخطا او تشكلا مستمرا لا يمكن الثقة به، بينما لاعب كرة القدم حاول أن يقاوم الفقدان باستدعاء طفولته المشحونة بالأحلام، ليطور بها فضيلة البقاء على العدم.
في مقال كتبه الروائي طارق إمام ونُشر في العربي الجديد، حول الرواية العربية بعد كوفيد، يقرأ في النماذج التي اختارها فكرة اختراع الوباء بدل اقتباسه، ويحدّد من خلال هذه النماذج السردية طبيعة المشتركات في هذا النوع من الروايات، يتحدث عن النظرة المجهرية للماضي بوصفه ملاذا، عن سؤال العزلة في مجتمعات ليست نتاج جائحة بل صانعةً لها، وأخيرًا عن الاشتباك العنيف مع سرديات الهزيمة.
ولا يبدو ان تلك التشكلات النفسية للوباء الذي انتشرت بين سكان حي المنيّل سيئة على الدوام، في المبنى السردي في أصل الأنواع، يرفع أحمد عبد اللطيف صوت الأزمة إلى تناصٍّ مع الداروينية، لم يكن هذا الرفع فوضويا او مجانيا، بل متصلا بالذريعة التي يمنحها الوباء لحركة الشخصيات واستعدادها للتحول. لكن جوهر هذا الصوت العالي (التناص) مرهون بصدمة التطوّر أو التحوّل على وجه الدقة، ثم التصالح مع الأزمة يعقبه الاعتياد، متزامنًا مع البحث عن طرق جديدة لمعالجة التحوّل، وهو بهذا يقدّم تصوّرًا للمقاومة ايضا؛ فحتى الشعور بالهزيمة هو حالة وعي، داخل دائرة من أسئلة تسعى للحصول على إجابة، إنها طريقة من أجل الخلاص، والانفلات من قبضة الخطاب المتعالي المهيمن الذي تبثّه الجهة السيادية، والمسؤولة في هذه الرواية عن هدم مدينة الموتى على أساس تطوير مدينة الأحياء. كما لو أن البراءة في التجاور ليست معيارا اخلاقيا، والقسوة في الهدم ليست فعلا ينطوي على بالمكابدة بل على التغيير
تبدأ الحكاية مع قرار الجهة السيادية بهدم المقابر التاريخية للقاهرة، يسلط الراوي الضوء بلقطات قريبة على الشخصية الرئيسة في الرواية، المهندس رام، وبداية تحوّله، إذْ يتساقط شعره فجأة، تحت تأثير الشعور بالذنب ربما، فيحدث له التباس بين فكرتي الغزو او الدفاع، بين تصوره عن التطور، علامة توسيع المدينة، وبين طرد اسلافه، قبر نيفين بشكل خاص، زوجته التي شكل فقدها تعبيرا صارما عن نزاهة الذكرى بوصفها امتدادا وليست علامة على القطع، فالمهندس رام لم يستطع مقاومة قرار الهدم بوصفه منتجا للمخطط الأساسي للتوسيع. تتوالى مظاهر التحوّل لدى الفاكهاني ولاعب كرة القدم بفقدان أصابع اليدين والقدمين، يعقبه اختفاء أثداء ناريمان وفاتن، ثم فقدان الأعضاء الجنسية لدى الآخرين أو ضمورها، فتتحوّل الأزمة إلى كابوس جماعي سرعان ما يعتاده الجميع، منشغلين بالبحث عن بدائل ممكنة لمواصلة العيش كنوع من (المقاومة) ضد هيمنة الأزمة، في الرحلة القاسية من الاختفاءات . في الوقت الذي تتحول الاستعدادات لعيد ميلاد الرئيس إلى مفارقة غامضة بين خطاب يبدو منفصلا عن مظاهر الكارثة.
وفي جسد النص المنساب بإيقاعه السريع، يبثّ الراوي شفراته: رموزًا سياسية ودينية واجتماعية ونفسية، يدفعها إلى إتمام وظيفتها بالوصول إلى جوهر رواية أصل الأنواع، هذا الجوهر النصي يُلخّص العلاقة بين الكائن البشري وتاريخه، بين المدينة كمبنى للأحياء وبين امتدادها في مدينة الأموات. محاولا فك الالتباس بين الماضي والحاضر، بين الغنى والافتقار، فالمقبرة ليست تشوّهًا في التخطيط العمراني، وليست عائقًا للتطوير أو التوسيع، وليست جسدا فائضا، بل روحًا تتنفّس وتعيش داخل قلب المكان. مدينة الأموات هي الخيط أو الذكرى التي لا يمكن فصلها عن سيرة مدينة الأحياء.
الراوي العليم رسم لنا عالمًا من الدستوبيا وهي خطة لصناعة الأزمة، هذه الصناعة لم تنسج من عدم او خيال بل من حيثيات راسخة في التاريخ والواقع، لهذا دفع الشخصيات إلى منطقة اجتماعية تشكّلها خرافات وأساطير هي جزء من التشكل الثقافي للسكان وليست اقنعة مرفوعة بأسلوب عنيف، فتحول الناس الى كائنات مكشوفة، تعيش الأزمة في اقصى درجات قسوتها، مضطربة هاربة من قدرها، مرهونة بالفقدان ومشدودة للذكرى؛ فكل فقدان لشخص يعادل فقدان أحد أعضاء الجسد. وكل حجر مهدوم يقابله موت كلمة، هكذا ظهر الوباء في حيّ المنيل بوصفه لعنة، هذه اللعنة هي نتيجة للخطاب المتعالي الذي يريد أن يُخضع السكان للإغراء في أن محو الكوخ عملًا بطوليًا يسعى لبناء غرفة بالحجر هي علامة على التطور، وهو قيمة الوجود، بل وتذكير بالطبقات التي تشكلت منها المدن بين المحو والاثبات. لكن مدينة الأموات الممحوة خلقت عند الأحياء شعورًا بالنفي أو النقصان. أحدث هذا الشعور خلخلةً في مفهوم التجاور الذي حافظ على الألوان والمشاعر والأعضاء: فكانت المباني السكنية مأوى الأحياء، والمقابر مأوى الأموات في تجاور وتصالح، لهذا كان التعسف في الهدم ، خلخلة لهذه العلاقة ، فطرد الأموات، هو طرد الأحياء .
وفي أصل الأنواع ظهر لنا عالم موازٍ للواقع خلقه الراوي من خلال حزمة من الشفرات والرموز، تحوّل سببتهُ الأزمة. انتشر الأموات بين الأحياء، وخلق هذا المشهد اضطرابًا انعكس على أجساد الأحياء، والذين تدهورت ذواتهم في الظاهر والباطن، معتمدين على ضرورة الاستمرار والتكيّف بوصفه تطوّرًا، او هزيمة للكائن البشري أو فعل مقاومة من أجل الاستمرار.
أحمد عبد اللطيف، في روايته، شيّد الحكاية على تلك الخلاصات التي انتهى إليها طارق إمام في مقاله: الشعور بالعزلة، شدَ الارتباط بين الماضي والحاضر، والهزيمة التي ينتج عنها السعي إلى التكيّف بوصفه الطريقة المثلى للتصالح مع فكرة التطوّر. لكن الوباء الذي انتج التحوّل، والذي يفقد فيه الناس أعضاءهم:، كان اختلالًا نفسيًا أكثر منه اختلالًا وظيفيًا، ارتداد نحو الداخل، افتقار للحكمة من النوع الذي يخدم فكرة المقاومة. اللغة أيضًا تهدمت بتهدم الحجر، اذْ صار استخدامها في الحدود الدنيا، ثم فقدان المشاعر التي حوّلت الأحياء إلى آلات باردة.
لكن أصل الأنواع قضايا عديدة، وليس قضية هدم المقابر وحسب، الحب والسلطة والهوية، بالاعتماد على بنية سردية معقّدة تنطوي على أبجدية في تقسيم النص؛ عُنونت الفصول بحروف الهجاء، ثم الأرقام، ثم أيّام أسبوع الآلام حسب الطقوس المسيحية، حيث تنتهي الرواية مع أحد القيامة. وتنطوي هذه البنية على فكرة تجاور الأديان الثلاثة الأساسية في المجتمع المصري، في المدينتين كليهما: مدينة الأموات والأحياء، متخلّيًا في أسلوبه عن علامات الترقيم؛ كل فصل هو جملة طويلة من عدّة صفحات.
هذه الرواية، وعلى الرغم من تعقيد البناء، والشفرات المدسوسة فيها، ممتعة جدًّا. الراوي فيها وبسرد سريع ذي ايقاع مريح، يكشف جذور الشعور بالفقدان لشخصياته بالتناوب وعلى مهل، من خلال لغة غنيّة وشعرية في الكثير من مفاصلها. أحمد عبد اللطيف في هذا النص حاول أن يقارب بين المدينة بكل تاريخها، موتاها وأحيائها، وبين الجسد الإنساني بوصفه هدفا للتطور وآلة ايضا للمقاومة؛ يقارب بين موتى المدينة التاريخيين بمعتقداتهم واساطيرهم وخرافاتهم، ليصل الى حقيقة أنهم لم يموتوا بل تطوّروا في نسخ لهم أحياء سوف يموتون ليمنحوا ذواتهم لنسخ جديدة. وهذا هو مصدر قلق المهندس رام في قرار الحكومة بهدم المقابر، لأنه يعتقد أن الموتى موجودون معنا، وأن قتلهم بالهدم هو هدم الأحياء أيضًا. هكذا صارت مريم هي نسخة نيفين، تطوّرت عنها بل امتزجت بها، ثم صارت فاتن هي مريم، والتي شهدت في يوم القيامة صلب رام ثم هبوطه من الصلب ليمشي في الشوارع بين الأحياء قبل ان يغادر ثانية الى المدينة الممحوة، مدينة الأموات.













