راما غيث
كان هناك فتاتان؛ الأولى طويلة شقراء، واحتلت المركز الأول دائمًا في كل شيء، مكانها في المقعد الأول بمنتصف الفصل، أما الثانية فقصيرة ممتلئة، قمحية البشرة، واحتلت المركز الثاني دائمًا، مكانها في المقعد المجاور على اليمين.
التقيتا في المرحلة الابتدائية منذ الصف الأول، وفي الصف الأخير من المرحلة نفسها، كانتا وحدهما فردَي عصابة «خامسة أول»، تصطادان الفتيان، وتلقنانهم درسًا في فن الكاراتيه الذي تجهله كل منهما. وكلما رن جرس الفُسحة، اتفقتا على ضحيتهما الجديدة.
الطويلة أسرع في الجري، لذا كان دورها مطاردة الفريسة، أما الثانية فتقف مستندةً بظهرها إلى عمود بجوار سلم الصعود إلى الفصول، وعندما يقترب المغلوب، تمد قدمها لتربكه، فيقع أمامها، ويقف التلاميذ ساخرين منه، ثم يتركونه يعدل من وقفته محرجًا مرتبكًا.
عندما كان يراهما أحد الصبية، يبتعد وينزوي هو ورفاقه بعيدًا؛ فهم يعرفون أن هناك مقلبًا ينتظر أحدهم، عدا محمود الأشقر، صاحب العينين الزرقاوين، جان الصف الخامس.
وفي يوم ما، حاول محمود أن يستفز القصيرة، متنمرًا عليها أثناء طريق عودتها من المدرسة، بعدما ودعت صديقتها، فضربته دفاعًا عن نفسها، ولم تكتفِ بذلك.
اقتربت من منزل جدتها، وجمعت دموعها انتقامًا، وتركتها تنهمر دفعة واحدة أمام باب المنزل، لتصعد إلى جدتها باكية، وتمثّل الخوف. كانت الحفيدة الأولى والمدللة، فقصّت على الجدة أن أحد الصبيان حاول تخويفها أمام باب المدرسة، اعتمادًا على قرابته بأحد المدرسين.
في اليوم التالي، ذهبت الجدة إلى المدرسة ممتلئةً بالحنق على المدرس، قابلته ووجهت إليه اللوم والعتاب، وكأنه سبب فيما حدث من محمود. غضب المدرس، وأمر الولد أن يقف على الكرسي ويمسك بحافة الباب من أعلى، ثم سحب الكرسي من تحته. وكلما مر من أمام الباب، ضربه بالعصا. حاول محمود أن يتماسك، ولكنه بعد ساعة بدأ يستغيث، ويعبّر عن ندمه عما فعل.
مر العام الدراسي، وانتهت المرحلة الابتدائية، لتبدأ مرحلة جديدة يتناسى فيها الجميع ما فعلوه من شقاوة عيال. وبالصدفة، وقت الخروج من المدرسة الجديدة، ولم يمر سوى أسبوع، تقابلت الفتاتان مع مجموعة من فتيان الابتدائية في الترام. انطلق صوت محمود من بينهم صارخًا مرتعبًا:
«ولا دي عصابة خامسة أول! يلا بينا من هنا!»
فقفز من الترام الزاحف من محطته، ليتدحرج الفتى من على السلم حتى الرصيف!








