أسامة سلامة
حينما دخلت الكهرباء القرى والريف توارت الحكايات الخرافية الشعبية ومع ظهور التليفزيون اختفى الجن والعفاريت وأصبحت الأشباح تطل من الشاشات وابتعدت عن الغيطان المظلمة والسواقي المهجورة.
ومع وجود الإنترنت مانت المرويات الشفهية التي تحكى عن كنوز مدفونة تنتظر من يخرجها من باطن الأرض، وعن السحرة الذين يدورون في البلاد يسحرون الناس ويفكون الأعمال ويخرجون العفاريت من الأجساد التي سكنتها وأوهنتها ويحولون الحسناوات إلى وجوه مشوهة وينقذون الفتيات من الجن الذين عشقوهن.
واختفت الأرانب التي تتحول إلى أحجار عند محاولة ذبحها. والديوك التي إن استطعت اصطيادها تفتح مغارات وسراديب الذهب والأموال، ولم تعد النداهة تنادى وتغرى من تراه يمشي وحيدا في الظلام فتجذبه إلى عالمها السفلى، ولم يظهر للقتيل قرين في عتمة الليل يردد آخر كلام قاله عند احتضاره حكايات كانت زاد جيلى ومن سبقني تسمعها من الجدات والأمهات فتثير خيالنا، تأخذنا إلى عالم الأساطير فنحلم بالجنيات وخانم سليمان وبساط الريح ومصباح علاء الدين وتزرع داخلنا الخوف من الأشباح والعفاريت ورغم ذلك نستعيدها مرات ومرات ونطلب منها المزيد، فقد كانت تلهب خيالنا وتأخذنا إلى عوالم خفية هذه الحواديت الجميلة لو سمعها الجيل الحالي لسخروا منها، ولأنهم لم يعرفوا رهبة ليل الريف المظلم الخالي من الكهرباء والنور.
فلن يستطيع خيالهم أن يصل إلى إحساسنا بالخوف والشجاعة معا في مواجهة قوى غير مرئية نسمع عنها ولا نراها، هذه الحكايات توشك أن تندثر وتضيع مع وفاة الأجيال التي حملتها في صدورهم وتناقلتها جيلا بعد جيلا بعد أن أصبح التليفزيون من بعده الإنترنت بديلا لها. ولأن هذه الحكايات في تراثنا وثقافتنا الشفهية فمن الواجب الحفاظ عليها ودراستها باعتبارها جزءا مهما من تاريخنا الأدبي والثقافي والشعبي، ولهذا كنا في حاجة لمن يجمعها قبل أن تضيع بوفاة من بقى يحتفظ بها في عقله ووجدانه.
هذا الجهد الكبير قام به المفكر الكبير والكاتب البارز الدكتور عمار على حسن الذي جمع 70 حكاية شعبية وخرافية من قرى الصعيد في كتابه الصادر مؤخرا عن الدار المصرية اللبنانية بعنوان الأرانب الحجرية 70 حكاية خرافية… انتقى عمار هذه الحكايات بعين الباحث الاجتماعي والسياسي، وكتبها برشاقة الأديب والشاعر . محافظا في نفس الوقت على بكارتها ورونقها وبراءتها، وهي المرويات التي سمعها في قريته الإسماعيلية بالمنيا قديما وظل محتفظا بها في ذاكرته، واستعان بشقيقه محمد في تذكيره بتفاصيلها والذي ظل بالقرية يواصل سماع الحكايات ويحتفظ بها في ذاكرته ويسردها كلما أتيحت له الفرصة، وهي بالمناسبة حواديت موجودة في كل قرى الصعيد مع اختلافات طفيفة في تفاصيلها وأسماء أبطالها، ولكن ما الذي دفع عمار إلى جمع هذه الحكايات يجيب في مقدمة الكتاب قد يكون الحنين للماضي، وأيضا الإسهام في تغذية أوصال أدبنا المعاصر بشق من واقعة سحرية منسية عن اغلب الأدباء في زماننا، وعرض صورة من ادب شعبي إن انشغلنا به وقدمناه في صورة بهية عفية سيكون له مكانة في الآداب الإنسانية.
ويضيف عمار “هناك سبب آخر وهو التحدى الذي يضعه الذكاء الاصطناعي أمام الأدب فهو لا يمكنه حتى الآن أن يجارى المخيلة الإنسانية، ولكن الاعتماد عليه عند البعض أخذ في الازدياد وربما يزحف هذا إلى كتابة القصص والروايات مستقبلا لا سيما عند الجيل الجديد، وقد تكون العودة إلى الحكايات الشفاهية المتداولة الراسية في القيعان البعيدة المجتمعاتنا والغارقة في الحكائية المحلية طريقا للحفاظ على أصالة ما واكتشاف جوهر مردوم تحت غبار كثيف من الإهمال والغفلة والاستسهال”.. ويتمنى عمار أن تمتد يد الأدب لالتقاط هذه الجواهر المطمورة وإعادة تقديمها وفق سردية معاصرة تنقلها من الشفاهة إلى الكتابية.
ويرى عمار أن هناك تراجعا لهذه الحكايات عند الجيل المعاصر وربما يؤدى الأمر إلى اختفاء الحكايات الخرافية مستقبلا مثلما اختفت الكثير من الألعاب الشعبية والطقوس الموروثة والسير الملحمية التي كانت تحكى في الأفراح والموالد.
ولذا فإن جمع هذه الحكايات عملا لازما خصوصاً في معرض تعزيز الواقعية السحرية النابتة في رحاب مجتمعنا طاف بنا عمار في ليل الريف حيث حكايات حمار الليل و أبو رجل مسلوخة» و«الغول والأرانب الحجرية و الخروف الشارد والتوأم القط» والبيت المسكون و الغراب المشئوم» و«الطلاسم» و «التمائم» و المندل» ومخاواة الجن وكرامات الأولياء والقدسيين»، وغيرها من الحكايات الخرافية، والحقيقة أن العوالم الخفية كانت دائما منهلا للمبدعين من قديم الزمان فنجدها في تراثنا العربي في ألف ليلة وليلة وكلية ودمنة كما توجد في الأدب العالمي مثل كتاب حكايات خرافية للأديب الألماني الشهير هيرمان هسه… كما استفاد منها نجيب محفوظ في ليالي ألف ليلة وطه حسين في القصر المسحور و أحلام شهر زاد وغيرهما من الأعمال الأدبية، ومازالت يتم استلهامها بشكل ما وإن غلب عليها الطابع الغربي في روايات وقصص الرعب التي أصبحت الأكثر مبيعا في عصرنا الحالي .
……………….
*نقلا عن مجلة “روز اليوسف” وكاتب المقال هو رئيس تحريرها الأسبق




















