وهم “الأفضل” في مملكة الأدب!

جيل الستينيات

عبد السلام فاروق

فاجأني سؤال الكاتب إبراهيم فرغلي علي صفحته بموقع (إكس) : من هو الكاتب المفضل لديكم من جيل الستينيات في مصر؟ ثم أعاد السؤال نفسه عن جيل السبعينيات، لذلك توقفت طويلاً أمام السؤال ذاته، وأدركت أن ثمة إشكالية تستتر خلف براءة الصياغة الظاهرة؛ فالسؤال في بنيته العميقة يفترض مسلمات لا نملك إلا أن نتوقف أمامها ونفككها، ومن ثم نعيد ترتيب العلاقة بين الذات القارئة والنص الأدبي وفق رؤية أكثر رحابة وأعمق أثراً.

السؤال، على بساطته الظاهرة، يحمل في تضاعيفه منطقاً معرفياً قائماً على التصنيف والترتيب والاختيار. وهو منطق قد يكون ناجعاً في مجالات شتى، كالرياضة والاقتصاد والعلوم التطبيقية، لكنه حين يزج به في عالم الأدب، يتحول إلى أداة للاختزال والتبسيط، بل ربما إلى عنف رمزي نمارسه على النصوص دون أن ندري، فيسلبها ألقها الخاص، ويختزلها في ترتيبات تنافسية تغتني بها الصحافة ولا يغتني بها الفكر. فكلمة (مفضل) بما تحمله من حمولة دلالية توحي بالتمييز والتقييم، تفترض مسبقاً أننا إزاء موضوعات قابلة للقياس والمفاضلة، أشياء يمكن وضعها في سلم تراتبي، تعلو فيه قيمة وتنخفض أخرى. لكن هل الأدب كذلك حقاً؟ هل النصوص الإبداعية قابلة لأن ترتب كما ترتب السلع في واجهات المتاجر؟ هل يمكن أن نسأل عن أفضل لون في الطيف؟ أو أجمل نغمة في السيمفونية؟ أو أعمق نجمة في السماء؟

ثمة خلط منهجي بين عالمين مختلفين في الطبيعة والوظيفة؛ عالم الكم وعالم الكيف، عالم المباريات وعالم التجارب. الأدب ينتمي إلى العالم الثاني، عالم التجارب الفردية العميقة التي لا يمكن اختزالها في أرقام ونسب مئوية، ولا يمكن تصفيتها في استفتاءات صحفية. لأنه فضاء إنساني مفتوح لا يعترف بالحدود، والقراءة فيه مغامرة في عوالم متعددة، والكتاب أصوات تتجاوز فكرة التنافس إلى ما هو أعمق إلى الحوار والتعدد والثراء.

وسأحاول في هذه المقالة أن أقف على تفكيك سؤال “إبراهيم فرغلي” أولاً، ثم محاولة فهم ما الذي يحدث حين نحاول نقل فعل القراءة من كونه تجربة عقلية حرة إلى ممارسة تنافسية مقيدة، لنصل في النهاية إلى رؤية أكثر عدلاً وإنصافاً للكتاب والنصوص على السواء.

أولاً: جيل الستينيات.. الكتابة مقاومة للانكسار

لعل أول ما ينبغي التوقف عنده ونحن نتأمل جيل الستينيات في مصر، هو أن هذا الجيل ولد من رحم لحظة تاريخية فارقة. لحظة تحددت فيها ملامح الوعي الجمعي بجرح عميق، جرح الهزيمة. إننا عندما نتحدث عن هذا الجيل، لا نتحدث فقط عن مجموعة من الكتاب جمعت بينهم فترة زمنية واحدة، إنما نتحدث عن تجربة إنسانية مشتركة، عن طريقة في رؤية العالم تشكلت تحت ضغط لحظة قاسية جعلت الكتابة نفسها فعلاً من أفعال الحرية والمقاومة.

لقد كتب هذا الجيل وفي حلقه غصة الحلم المؤجل. رأى أحلام التحرر تتبخر، وشعارات التغيير تتصدع أمام جدران الواقع، فانقسم بين من لجأ إلى التراث يستنجد به، ومن انحاز إلى الهامش يبحث فيه عن النجاة، ومن حمل حقيبته ورحل يفتش عن وطن آخر في المنفى. لكن الانقسام في الواجهة لا يخفي وحدة أعمق في الجوهر؛ وحدة الإحساس بأن العالم لم يعد كما كان، وأن الأشكال القديمة للكتابة لم تعد قادرة على استيعاب الواقع الجديد.

لهذا نجد في كتابات هذا الجيل قدراً من القلق والتوتر والتجريب لا نجده في غيرهم. فالتجريب عندهم لم يكن ترفاً فكرياً ولا استعراضاً تقنياً، بل كان ضرورة إنسانية. كان كل واحد منهم يبحث عن شكل جديد لأن الشكل القديم أصبح غير قابل للتصديق. كانوا يكتبون وفي أيديهم مجاديف ثقيلة، ضد تيار جارف من اليأس، فجاءت أعمالهم شاهدة على قدرة الكلمة على المقاومة حين تخذل كل الأشياء الأخرى.

خرائط  متعددة

ما يدهش في هذا الجيل، هو أن كل كاتب من كتابه رسم خريطة مختلفة لمصر. لكن هذه الخرائط لا تتنافس، بل تتكامل. فكل كاتب كان يمسك بخيط من خيوط التركيبة المصرية المتنوعة، وكل خريطة تكشف جانباً لا تستطيع الخرائط الأخرى كشفه. وهذا هو سر تفرد هذا الجيل؛ أنه قدم لنا مصر متعددة الأبعاد، غنية الملامح، متنوعة الأصوات، لا يمكن اختزالها في رؤية واحدة مهما كانت عميقة. فالروائي جمال الغيطاني اختار الغوص في طبقات التاريخ. لم يكتب عن الماضي هرباً من الحاضر، لكنه كتب عنه ليفهم الحاضر. في “الزيني بركات” و”وقائع حارة الزعفراني”، أعاد إنتاج التراث في قالب سردي حديث، فجاءت أعماله وكأنها حفريات في الذاكرة المصرية، تبحث في طبقات الماضي عن إجابات لأسئلة الحاضر. إنه كاتب الحفائر الذي يكتشف أن الماضي لا يمضي، وأن آليات القمع القديمة هي نفسها الآليات الحديثة، وأن المصريين يعيشون في حلقات متكررة من الظلم والمقاومة. الغيطاني يكتب التاريخ بوصفه حاضراً مستمراً، وهذا ما يمنح أعماله قدرتها على الإدهاش حتى اليوم.

أما خيري شلبي فاختار طريقاً آخر. انحاز إلى المهمشين والمهملين، وكتب عن الذين لا يجدون من يكتب عنهم. في “وكالة عطية” و”الوتد” و”أولنا ولد” و”ثالثنا الكومي”، كتب خيري شلبي عن الفقراء والبسطاء والمنسيين، عن الذين يعيشون على الحواف ولا يلتفت إليهم أحد. إنه كاتب منحاز بكل جوارحه إلى الذين لا صوت لهم، لكن انحيازه هذا لم يسقطه في المباشرة أو الشعارات. فقد فهم أن الأدب يبدأ من الإنسان، من تفاصيل حياته اليومية، من أحلامه الصغيرة وآلامه الكبيرة. ملحمته ليست عن الأبطال، بل عن الذين يطهون الخبز للجميع ولا يأكلونه، وهذا ما يجعلها أكثر صدقاً وأعمق أثراً.

وكان إبراهيم أصلان ساحر التفاصيل الصغيرة. في “مالك الحزين” و”وردية ليل” و”بحيرة المساء”، يلتقط من الحياة اليومية ما يبدو عابراً، فيحيله إلى شعر خالص، ويجعل من المقهى والشارع الصغير كوناً كاملاً. إنه كاتب النظرة العميقة التي تحول الرمادي إلى ألوان، والصامت إلى موسيقى. لقد فهم أن الحياة الحقيقية توجد في التفاصيل، لا في الأحداث الكبرى، وأن الشعر مختبئ في رشفة الشاي وضحكة الأصدقاء وصمت المقاهي. أصلان يكتب بوعي جمالي رفيع، يجعل من البساطة الظاهرة قناعاً لتعقيد عميق.

بينما كان محمد البساطي يقلل من الكلام لكي يكثف المعنى، فجاءت أعماله أشبه بأيقونات سردية صامتة، تنظر إليها طويلاً فتدرك أن الصمت أبلغ من الكلام. في “جوع” و”صخب البحيرة” و”أوراق العائلة”، يكتب البساطي عن البشر الذين يعيشون على الحواف، لكنه يفعل ذلك بلغة متقشفة تعرف أن الكلمات الزائدة تشوه المعنى. إنه كاتب الصمت الذي يعرف أن ما لا يقال قد يكون أهم مما يقال، وأن الرواية قد تبلغ ذروتها حين تترك للقارئ مساحة ليتأمل ويصمت. محمد البساطي يكتب بلغة تشبه الناي؛ قليلة النغمات، عميقة الأثر. وأما بهاء طاهر فكان فيلسوف الغربة والاغتراب. في “شرق النخيل” و”قالت ضحى” و”واحة الغروب”، يكتب عن الإنسان وهو يقتلع من جذوره، فيجعل من الرحيل مرآة نرى فيها وجوهنا الحقيقية. إنه كاتب الأسئلة الوجودية الكبرى عن الهوية والانتماء والوطن، لكنه يطرحها من خلال حكايات إنسانية مؤثرة. لقد فهم أن الغربة قد تكون طريقاً إلى المعرفة الحقيقية، وأن المرء قد لا يعرف نفسه إلا حين يبتعد عنها. بهاء طاهر كاتب يجعل من البعد الجغرافي وسيلة للقرب من الذات.

فيما كان صنع الله إبراهيم الثائر على الشكل الروائي. يكسر القوالب ويخلط الأجناس، ويحول الوثيقة إلى أدب، والأدب إلى سلاح في مواجهة التزييف. في “اللجنة” و”ذات” و”شرف”، يكتب صنع الله عن مصر التي لا نراها في الإعلام الرسمي، عن الفساد والاستبداد والهزائم، لكنه يفعل ذلك بلغة تجريبية حادة ترفض الأشكال المريحة. إنه كاتب المواجهة الذي يؤمن أن الأدب قد يكون أقوى أسلحة المقاومة، وأن الكلمة قد تهز ما لا تهزه الجيوش.

وأما رضوى عاشور فقد كانت صوت الضمير الوطني. تكتب التاريخ كي لا يمحى، وتحفر في الذاكرة كي لا تنسى، وتربط بين مصائر الشعوب عبر الزمن. في “ثلاثية غرناطة” و”الطنطورية” و”أطياف”، تكتب رضوى عن الخسارة والمنفى والذاكرة، عن الشعوب التي تهزم لكنها لا تموت، وعن الحكايات التي تنتقل من جيل إلى جيل. لقد فهمت أن الخسارة حين تكتب جيداً تصبح مكسباً، وأن الذاكرة قد تكون أداة للبقاء في مواجهة النسيان.

وكان علاء الديب كاتباً أنيقاً. يكتب بمشرط جراح، ويختار كلماته كما يختار الصائغ حجارته الكريمة، فيجعل من اللغة متعة خالصة. في “أطفال بلا دموع” و”قمر على المستنقع” و”زهر الليمون”، يكتب علاء الديب عن الحساسية والهشاشة والجمال، لكنه يفعل ذلك بلغة تجعل الكتابة نفسها حدثاً. لقد فهم أن الجملة الجميلة ليست ترفاً، بل ضرورة، وأن اللغة هي وطن الكاتب حين يتسع الوطن الخارجي عن احتوائه.

وفي هذا الجيل نفسه، لا يمكن إغفال صوت يوسف القعيد الذي انحاز إلى القرية المصرية وتحولاتها، وكتب عن العلاقة بين المركز والهامش بلغة تنحاز إلى البساطة دون أن تسقط في السذاجة. ففي “يحدث في مصر الآن” و”الحرب في بر مصر” و”أخبار عزبة المنيسي”، قدم القعيد شهادة سردية على تحولات الريف المصري وعلاقته بالسلطة، مشغولاً دائماً بالأسئلة الكبرى عن مصر والمصريين. كذلك لا يمكن تجاوز عبد الحكيم قاسم، أحد أكثر كتاب هذا الجيل عمقاً وتجريباً، الذي جمع بين النزعة الصوفية والتجريب السردي الجريء في أعمال مثل “أيام الإنسان السبعة” و”المهدي” و”قدر الغرفة المقبضة”. لقد كان قاسم صوتاً متفرداً حفر في الذاكرة الشعبية والتراث الصوفي ليقدم رؤية سردية مختلفة عن العالم.

ثانياً: جيل السبعينيات.. الكتابة ومقاومة الضياع

إذا كان جيل الستينيات قد ولد من رحم الهزيمة، فإن جيل السبعينيات قد وُلد من رحم الخيبة والتيه. إنه الجيل الذي عاش انكسار الحلم الناصري، ثم شهد الانفتاح الاقتصادي الذي قلب الموازين، وصعود النزعة الاستهلاكية، وتحولات المدينة المصرية الكبرى. إنه جيل عاش في فجوة بين زمنين: زمن الشعارات الكبرى الذي انتهى، والعولمة الذي لم يبدأ بعد. لهذا نجد كتابات هذا الجيل مشبعة بإحساس عميق بالاغتراب والتشظي، ونجد فيها ميلاً إلى الحفر في الذاكرة، واستعادة الأمكنة القديمة، ومواجهة التحولات الاجتماعية العنيفة التي شهدها المجتمع المصري. إنهم لم يكتبوا عن مصر التي تتغير فحسب، بل كتبوا عن مصر التي تضيع، وعن البشر الذين يفقدون أماكنهم وأحلامهم في آن واحد.

أصوات وتجارب متوازية

إبراهيم عبد المجيد هو بلا شك أحد أهم أصوات هذا الجيل. مشروعه الروائي عن الإسكندرية، في ثلاثيته الشهيرة “لا أحد ينام في الإسكندرية” و”طيور العنبر” و”السحب فوق الإسكندرية”، يمثل واحدة من أهم المحاولات الروائية العربية لتأريخ مدينة بوصفها كائناً حياً يتحول ويفقد روحه تدريجياً. كتب عن المدينة الكوزموبوليتانية التي كانت، وعن تحولاتها المؤلمة، وعن البشر الذين عاشوا فيها وشهدوا على أفولها. إن مشروعه الروائي عن الإسكندرية يشبه مشروع نجيب محفوظ عن القاهرة، لكنه مختلف في روحه، فهو مشبع بالحنين إلى زمن التسامح والتعايش الذي ضاع. إنه كاتب المدن التي تفقد روحها، والبشر الذين يفقدون أماكنهم، والذكريات التي تتحول إلى جروح. أما محمد المنسي قنديل فقد قدم تجربة مختلفة، تجمع بين الواقعية والغرائبية، وتنطلق من المحلية إلى الإنسانية. في “انكسار الروح” و”يوم غائم في البر الغربي” و”قمر على سمرقند”، يكتب قنديل عن الهوية والانتماء والتحولات الكبرى التي تعصف بالبشر، بلغة مشحونة بالشعر والصور البصرية اللافتة. إنه كاتب يحفر في الأسئلة الكبرى دون أن يفقد حساسيته تجاه التفاصيل الصغيرة، ويجمع بين المحلي والعالمي في نسيج سردي واحد.

وتمثل الكاتبة سلوى بكر حالة متفردة في هذا الجيل. فهي صوت نسوي حاد وعميق، يكتب عن النساء المهمشات والمقموعات، لكنه لا يغفل السياقات الاجتماعية والتاريخية الأوسع. في “البشموري” و”العربة الذهبية لا تصعد إلى السماء”، تقدم سلوى بكر قراءة نقدية للمجتمع والسلطة والتاريخ، من زاوية منحازة إلى المنسيين والمهملين. إنها كاتبة ترفض التصنيفات الضيقة، وتصر على أن تكون الأدبية والسياسية والإنسانية في كتابتها كلها. ويحتل محمد المخزنجي مكانة خاصة. فهو طبيب وكاتب، ولكنه في أدبه يتجاوز المهنة إلى أفق إنساني أرحب. في قصصه ورواياته، يكتب المخزنجي عن الجسد والمرض والموت، لكنه أيضاً يكتب عن الوطن والغربة والحلم. إنه من الكتاب الذين جمعوا بين العلم والأدب في نسيج واحد، وقد ظهر ذلك بوضوح في أعمال مثل “فندق الثعالب” و”البستان” و”حيوانات أيامنا”.

وكذلك محمود الورداني فهو صوت مختلف تماماً. يكتب عن الأطراف والهامش، عن العمال والصبية والبشر الذين يقفون على حواف المدينة الكبيرة. في “بيت النار” و”رائحة البرتقال” و”نوبة رجوع”، يبني الورداني عالماً سردياً خاصاً، مشبعاً بالحس الاجتماعي الحاد، لكنه لا يسقط في المباشرة أو الشعارات. إنه كاتب يعرف أن الأدب الحقيقي يبدأ من الإنسان، لا من الأفكار المجردة. أما أهداف سويف فهي حالة نادرة. فهي كاتبة تكتب بالإنجليزية والعربية معاً، وقد حققت حضوراً عالمياً برواياتها التي تتناول مصر والبريطانيين والعلاقات بين الشرق والغرب. في “في عين الشمس” و”خارطة الحب”، تقدم سويف قراءة مختلفة للهوية والتاريخ، من موقع الكاتبة التي تعيش بين ثقافتين وتنتمي إلى عالمين. إنها تمثل الجسر الثقافي الذي حاول هذا الجيل بناءه مع العالم.

سعيد الكفراوي هو أحد أهم كتاب القصة القصيرة في هذا الجيل، بل في تاريخ القصة العربية عموماً. قصصه مشبعة بالحس الصوفي والشعبي، وتنبع من عمق التجربة الإنسانية في الريف المصري. في مجموعاته المختلفة، يبني الكفراوي عالماً قصصياً يذكرنا بأن القصة القصيرة فن رفيع لا يقل قيمة عن الرواية. وكذلك محمد مستجاب الساخر الكبير الذي حول الفكاهة إلى أداة نقد اجتماعي لاذع. في “من التاريخ السري لنعمان عبد الحافظ” و”قيام وانهيار آل مستجاب” وغيرها، يكتب مستجاب عن البيروقراطية والعسف والقهر، لكنه يفعل ذلك بلغة ساخرة تجعلك تضحك وتتألم. إنه من الكتاب الذين فهموا أن الضحك قد يكون أقوى أسلحة المقاومة.

كما لا يمكن تجاهل فؤاد قنديل في أي قراءة جادة لهذا الجيل. فهو في رواياته وقصصه يبني عوالم سردية متينة، تلتقط التحولات الاجتماعية الكبرى بعين ثاقبة.

الاستفتاءات الأدبية.. أداة تنشيط أم سيف اختزال؟

هنا أتوقف عند نقطة مهمة تخص سؤال الاستفتاءات في الأدب. فعندما تتحول الكتابة الإبداعية إلى مادة للاستفتاءات والترتيبات، فإننا نفقد شيئاً من جوهر علاقتنا بالأدب. إن سؤال من أفضل كاتب مصري؟ يشبه سؤال ما أفضل لوحة فنية في التاريخ؟ أو ما أعظم سيمفونية موسيقية؟ رغم أن الفنون لا تقاس بمقاييس كمية، ولا تختزل في ترتيبات تنافسية.

الاستفتاءات الأدبية قد تكون مفيدة في تنشيط الذاكرة وإثارة النقاش، لكنها تصبح ضارة إذا تحولت إلى أحكام نهائية أو ترتيبات قيمية ثابتة. فالاستفتاء، في جوهره، ينتمي إلى منطق إحصائي كمي، بينما ينتمي الأدب إلى عالم مختلف تماماً: عالم من التجارب الفردية العميقة التي لا يمكن اختزالها في أرقام ونسب مئوية. فالكاتب المبدع لا يكتب لكي يفوز في استفتاء، لكنه يكتب لأنه لا يستطيع ألا يكتب. والقراءة هي رحلة في عوالم متعددة، كل عالم منها له جماله وقيمته الخاصة. إن تحويل الأدب إلى مضمار للسباق يعني أننا نفهمه كما يفهم الأطفال: فائز وخاسر، أول وآخر، بطل ومهزوم. لكن الأدب ليس هكذا، والأدباء ليسوا عدائين ولا ملاكمين ولا مرشحين في انتخابات.

كلما تعمقنا في سؤال “المفضل” أو “الأفضل “، اكتشفنا أنه سؤال عن نظرتنا إلى العالم. إن عقلية التفضيل تفترض أن الحياة سباق مستمر، وأن كل شيء يمكن ترتيبه في قوائم، وأن القيمة تكمن في المرتبة الأولى لا في التجربة نفسها. لكن الحياة ليست كذلك، والأدب خاصة ليس كذلك.

صراع منهجي

تنتمي عقلية الترتيب إلى عالم المباريات والانتخابات والمسابقات. أما عقلية القراءة فتنتمي إلى عالم التأمل والاكتشاف والدهشة. وإذا كنا نقرأ لكي نختار الأفضل، فإننا نقرأ بعين الناقد الذي يبحث عن العيوب كي يقارن، لا بعين المتلقي الذي يفتح قلبه للتجربة. وعندما نقرأ لكي نكتشف، فإننا نقرأ بعين الرحالة الذي يبحث عن الجديد، لا بعين الحكم الذي يبحث عن الفائز. لقد فهم الكتاب الكبار هذه الحقيقة. نجيب محفوظ عندما حصل على نوبل، قال إن الجائزة ليست نهاية المطاف، وإن الأدب الحقيقي لا يقاس بالجوائز. وتولستوي حين سئل عن أفضل كتاب في التاريخ، قال إن السؤال نفسه خطأ، لأن كل كتاب جيد يفتح نافذة جديدة على العالم. ودوستويفسكي حين قارنه النقاد بكتاب آخرين، قال إن الأدب ليس مضماراً للسباق، بل هو غابة لكل شجرة فيها جمالها.

الأدب مملكة التعدد.. لا مملكة الواحد

إذا نظرنا إلى الأدب المصري في جيلي الستينيات والسبعينيات، وجدنا أنفسنا أمام مملكة من التعدد والتنوع. كل كاتب من هؤلاء بنى عالماً خاصاً به، وقدم رؤية مختلفة عن مصر، وأضاف إلى المشهد الأدبي ما لم يستطع غيره إضافته. فهل نختزل هذه المملكة في ملك واحد؟ هل نلغي كل هذه العوالم لنحتفظ بعالم واحد؟

هذا الاختيار في تقديري هو حكم بالإعدام على الباقين، وتجاهل لثراء التجربة الأدبية التي قدموها. إنه يشبه أن نسأل عن أفضل لون في الطيف، أو أجمل نغمة في السيمفونية، أو أعمق نجمة في السماء. هذه أسئلة لا معنى لها، لأن الجمال يكمن في التعدد نفسه، لا في اختزال التعدد إلى واحد. إن إبراهيم عبد المجيد ليس بديلاً عن المنسي قنديل، وسلوى بكر ليست بديلاً عن أهداف سويف، ومحمد المخزنجي لا يشبه محمود الورداني، وجمال الغيطاني لا يلغي خيري شلبي، وإبراهيم أصلان لا يعوض محمد البساطي. إن كل كاتب من هؤلاء يقدم لنا مصر مختلفة، بزاوية نظر مختلفة، وبأدوات سردية مختلفة.

نسبية التفضيل وحيوية القراءة

فإذا قرأت كل هذا، ثم عدت تسألني من الأفضل؟!

أقول لك: المفضل عندي هو الذي يمنحني، في لحظة قراءتي له، إحساساً بأنه يكتب عني أنا، عن حيرتي ووجعي وأسئلتي. وهذا الشعور نسبي، يختلف من قارئ إلى آخر، بل يختلف عند القارئ الواحد من مرحلة عمرية إلى أخرى. فربما كان أصلان هو الأقرب إلي في العشرين، ثم صار الغيطاني هو الأقرب في الثلاثين، ثم اكتشفت البساطي في الأربعين فإذا هو الأعمق أثراً.

وهذا التغير والتبدل ليس خيانة، بل هو دليل على أن هؤلاء الكتاب يكتبون نصوصاً حية، تنمو مع قارئها، وتتغير دلالاتها بتغير أعمارنا وخبراتنا. إن النص الحي هو الذي يكبر معنا، ويكشف لنا في كل قراءة جديدة معنى جديداً.

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع