أنسنة الأشياء: أن تمنح الجماد روحاً سردية!

قصة “امرأة وحيدة» في المجموعة القصصية "دموع الألوفيرا" للكاتبة ميرفت يس نموذجًا.

ميرفت ياسين

د. شريف عابدين

رغم أجواء الشجن، تمثل قصة “امرأة وحيدة» إطلالة البهجة في عيون الألوفيرا، التي تذرف دمعًا أو نصوصًا تستعير من نبتة الصبار مرارتها على خلفية ظروف المعيشة القاسية.

يستلهم العنوان نبات الصبار بكل ما يعنيه من قدرة على التحمل معبرًا عن انهيار الدفاعات النفسية متمثلًا في البكاء؛ الذي يمتح الدمع من لب الجفاف. مفارقة تشير إلى تجاوز حدود التأقلم إلى حد استنزاف شح القطرات.

***

بعد أن تتناول قصص “دموع الألوفيرا” معاناة المرأة وتسلط الضوء على مشاعر القهر، والوحدة، والألم والكبت النفسي وهشاشة الوجود، تختتم المجموعة بنص تؤنسن فيه الكاتبة فنجان القهوة وتحول الجماد إلى كائن حي يكشف عن مشاعره وأفكاره، بشكل يثير الطرافة والتندر!

“امرأة وحيدة» قصة فريدة تروى على لسان فنجان قهوة! يتحدث عن حبه لصاحبته وعن طقوسها اليومية معه على مدار ثلاثين عاماً، من شبابها إلى شيخوختها ومرضها. تجسد القصة مشاعر الحب، والرفقة، وتحتفظ ذاكرته، بتفاصيل أشياء صغيرة تحمل معانٍ كبيرة على مدى عمرٍ من المعايشة.

**

من الناحية الفنية تضفي تقنية الأنسنة على النص أجواء الغرابة والخروج عن السياق المألوف للأشياء؛ لذا تعد أحد أدوات “التغريب” (Defamiliarization) التي تجعل القارئ يرى المألوف (فنجان القهوة) كشيء جديد ومثير للدهشة.

لكن دور الغرائبية يقتصر على جذب اهتمام القارئ! إذن لا تكفي مجرد أنسنة كائن لصياغة نص سردي؛ يجب أن تكون الأنسنة في إطار رؤية فنية متكاملة.

الأنسنة وحدها مجرد أداة أو تقنية ضمن مجموعة من العناصر التي تصنع نصاً سردياً ناجحاً.

يتجلى دور الأنسنة في الأدب كوسيلة لـ: خلق التعاطف مع كائن غير بشري، تقديم منظور جديد للعالم وكشف حقائق عن البشر من خلال عيون “آخر”؛ لكنها لا تصنع قصة وحدها، فهناك الكثير من النصوص التي تأنسن الأشياء لكنها تبقى سطحية.

بينما تعمل الأنسنة في قصة “امرأة وحيدة»، لأنها تستند إلى عناصر أخرى متكاملة.

العناصر الأساسية التي جعلت أنسنة الفنجان في “امرأة وحيدة» متميزًا:

 الصراع الدرامي: ليس صراعاً خارجياً، بل صراع داخلي: الخوف من الزوال، رصد الشيخوخة والمرض. الفنجان يشهد على تلاشي حياة صاحبته.

الزمن: امتدت القصة لـ 30 عاماً، مما أعطى عمقاً تاريخياً وعاطفياً. الأنسنة دون زمن ممتد تكون سطحية.

التفاصيل الحسية: رائحة القهوة، دفء اليد، صوت المصمصة، كلها تفاصيل تخلق عالماً ملموساً.

الشخصية الإنسانية المقابلة: صاحبة الفنجان ليست شخصية هامشية، بل هي محور القصة. أنسنة الفنجان وانعدام قدرته، أعطت جرعة من الشجن.

النهاية الفلسفية: القصة لا تنتهي فقط بعاطفة، بل بسؤال وجودي يجعل القارئ يتأمل.

البناء السردي المتماسك للقصة: بداية (الشراء من البائع)، ووسط (الأيام المتكررة)، ونهاية (المرض والموت المحتمل).

***

للأنسنة مظاهر عديدة: حسية، حركية، صوتية، عقلانية، شعورية؛ وهنا يبرز السؤال: أي هذه الجوانب (أكثر أهمية)؟ بمعنى: أي جوانب الأنسنة يعد أساسيًا في السياق السردي؟  

في نص امرأة وحيدة هناك مستويات متعددة للأنسنة:

أ. أنسنة عاطفية (المشاعر الإنسانية)

منحت الكاتبة الفنجان مشاعر إنسانية عميقة:

الحلم والانتظار: يقول الفنجان: “طوال الوقت كنت أحلم بعينين تحـدقان بي وتبتسـم لي، ويد تنتشلي من هنا، وشفتين تلمساني.”

الحب والوفاء: علاقة امتدت 30 عاماً، لا يمل منها ولا يستبدل بصاحبة أخرى.

الغيرة: شعوره بالغضب حين أمرها الطبيب بالتوقف عن شرب القهوة.

الراحة والاطمئنان: دفء يدها وهو يملؤه بالماء والبن.

الحزن على التغير: رصد تثاقل حركتها مع تقدمها في العمر.

ب. أنسنة حسية (التفاعل الجسدي)

منحت الكاتبة الفنجان حواساً بشرية:

· اللمس: “تحتضني بأصابعها”، “تلمساني”

· الشم: “تتشمم عبـق القهوة”

· التذوق: “يتلمس لســانها مـا تبقى مـن البن في قاعي”

· السمع والبصر: يرى وجهها، يسمع تأوهاتها، يشعر بتثاقل حركتها.

هذا التفعيل الحسي يجعل القارئ يعيش التجربة وكأنه هو الفنجان نفسه.

ج. أنسنة زمانية (التاريخ المشترك)

أهم ما يميز القصة هو الزمن الممتد:

· الفنجان ليس مجرد أداة سردية، بل شاهد على عمر بأكمله:

  · شبابها وحيويتها

    · عملها اليومي

  · شيخوختها ومرضها

يصبح الفنجان ذاكرة حية، أرشيفاً عاطفياً للبيت وللحياة التي مرت.

ثم يتبادر إلينا السؤال: هل هناك حد أدنى من سمات الأنسنة يجعل الجماد كائنًا سرديًا بامتياز؟

الأنسنة ليست عملية “كل شيء أو لا شيء”، بل هي طيف من السمات. تزداد إنسانية الكائن وقدرته السردية كلما زاد عدد السمات، لكن هناك حد أدنى يجب توفره.

للأنسنة سمات خمس أساسية (من الأدنى إلى الأعلى):

السمة الحسية: أن يملك الكائن قدرة على الإحساس (لمس، شم، رؤية، سماع، تذوق)؛ تخلق عالماً ملموساً، وتجعل القارئ يشعر بالكائن.

السمة الحركية: أن يتحرك، يتغير مكانه، أو يتفاعل جسدياً؛ تخلق حدثاً وتطوراً، وتكسر جمود الكائن (الحركة = حياة).

السمة الصوتية: أن يتكلم، أو يصدر أصواتاً، أو يروي؛ تمنح الكائن وجوداً لغوياً، وتجعله راوياً أو مشاركاً (ضرورية للسرد بضمير المتكلم).

السمة العقلانية: أن يفكر، يحلل، يتذكر، يتوقع؛ تخلق عمقاً نفسياً وفكرياً، وتجعل الكائن أكثر من مجرد آلية.

السمة الشعورية: أن يشعر (فرح، حزن، غضب، حب، خوف) هي السمة الأعمق، التي تخلق التعاطف والارتباط العاطفي الأعلى والأكثر تأثيراً.

لكي يصبح الجماد كائناً سردياً مؤثراً، يجب أن تتوفر فيه 3 سمات على الأقل من السمات الخمس، وأن تكون إحداها الشعورية أو العقلانية.

 مستويات الأنسنة في قصة “امرأة وحيدة» تتراوح بين: حسية يشعر بدفء يدها وهو يملؤه بالقهوة، حركية تحتضنه أصابعها وتقربه من وجهها، شعورية يشعر بالغضب حين تمنع من القهوة، ويشعر بالراحة.

هذه السمات الثلاث كافية لأن تجعل من الفنجان كائناً له حضور وحياة”.

بالإضافة إلى: صوتية (الفنجان يروي بضمير المتكلم) وعقلانية (الفنجان يتذكر الماضي، يحلل التغيرات)

 لماذا الشعورية هي “السمة الفارقة”؟

في قصة “امرأة وحيدة»، الفنجان يملك العديد من السمات؛ لكن السمة التي تميزه عن أي “آلية سردية” هي الشعورية، فالغضب والفرح والحب هي ما تجعل القارئ ينسى أنه جماد.

إذن: الحد الأدنى لجعل الجماد كائناً سردياً بامتياز هو: أن يملك حسية (ليرى ويشعر)، حركية (ليتفاعل)، وشعورية (ليؤثر)، أما الصوت والعقل فهما يرفعانه إلى مستوى أعلى، لكن الشعورية هي الروح التي تمنح الجماد الحياة السردية.

أقل من ذلك يعد تجسيدًا وليست أنسنة.

***

أخيرًا: هل يجب توظيف الكائن المؤنسن، ليمارس دوره عبر نقاط الحبكة القياسية في القصة؟

هل تكون للفنجان رغبة تعترضها عقبة ومحاولة للتغلب عليها؛ هل هناك صراع وذروة ونتيجة؟

عندما ننتقل إلى تحليل الحبكة في قصة “امرأة وحيدة» وفق النموذج الدرامي الكلاسيكي يتضح جليًا جوهر البناء الدرامي. نكتشف أن القصة تمتلك حبكة متكاملة رغم قصرها.

1.       الرغبة (الهدف/الدافع)

رغبة الفنجان الأساسية هي أن يكون مرئياً ومحبوباً ومستخدماً، وأن يمنح لحظات من الراحة والدفء لصاحبته.

يتعدد مستوى الرغبة من الرغبة الظاهرة أن تملأه بالقهوة كل صباح، وأن تحتضنه أصابعها، إلى الرغبة الخفية أن يكون شاهداً على حياتها، وأن يثبت وجوده من خلال العلاقة معها؛ انتهاءً بالرغبة الوجودية أن يكون له معنى، وألا يُنسى أو يُهمل.

يوضح النص ذلك بوضوح على لسان الفنجان: “طوال الوقت كنت أحلم بعينين تحـدقان بي وتبتسـم لي، ويد تنتشلي من هنا، وشفتين تلمساني.”

2.       العائق (المشكلة/الاعتراض)

يتجلى العائق الأساسي في الزمن والمرض والموت الذي يهدد بإنهاء العلاقة بينه وبين صاحبته.

وينقسم إلى:

العائق الخارجي: مرض صاحبته، وتقدمها في العمر، وتوقفها عن العمل، ثم أمر الطبيب لها بترك القهوة.

العائق الداخلي: هشاشته وجماديته، فهو لا يستطيع التحدث أو الدفاع عن نفسه أو عنها، لأنه مجرد فنجان.

العائق الوجودي: حتمية الزوال؛ فكل شيء يموت أو يُنسى، وهو سيبقى وحيداً بعد رحيلها.

الفنجان يرصد حركتها، يصور هذا بوضوح: “في العشــر ســنوات الأخيرة، تثاقلــت حركتهــا، توقفــت عــن العمل”.

3.       محاولة التغلب على العائق

محاولة الفنجان: ليست محاولة فعلية (لأنه جماد)، بل محاولة وجدانية وجودية:

يحاول الاستمرار في الحضور: يبقى في المطبخ، ينتظرها كل صباح، لا يغيب عن مكانه.

الحفاظ على الطقس اليومي: يستمر في استقبالها وتلقي القهوة في جوفه، رغم كل التغيرات.

التمسك بالذاكرة: يتذكر أيام شبابها، ويتشبث ببقايا العلاقة.

الغضب الداخلي: يتمنى لو يفهم الطبيب موقفه، وهذا غضب ضد العائق (المرض والموت).

يقول الفنجان: “شعرت بالراحة وأنا أراها تنظر إليه بابتسامة ساخرة…” – هنا الفنجان يشعر بالرضا لأنها تحدت الطبيب، وهذا انتصار معنوي على العائق.

4.       الصراع

الصراع في القصة داخلي وجودي، وليس صراعاً تقليدياً:

وينقسم إلى:

صراع الفنجان مع الزمن: يشهد تقدمها في العمر، ويعرف أن النهاية قريبة، لكنه لا يستطيع فعل شيء.

صراع الفنجان مع عجزه: هو كائن صامت، يرى كل شيء ولا يستطيع أن يمنع شيئاً، هذا صراع مأساوي.

صراع الفنجان مع النسيان: هل ستبقى ذكراه بعد رحيلها؟ أم سيكون مجرد فنجان على رفٍ جديد؟

صراع صاحبته مع المرض: هي أيضاً تصارع الشيخوخة والمرض، وتحاول التمسك بطقوسها.

هذا الصراع الخفي هو ما يمنح القصة عمقها.

5.       الذروة (نقطة التحول)

الذروة هي اللحظة التي يمنعها فيها الطبيب من شرب القهوة، ورد فعلها: “ما فائدة الحياة إذا لم نفعل ما نحب؟!”

هذه اللحظة تمثل:

تحديها للموت: إصرارها على العيش بطريقتها حتى النهاية.

انتصار العلاقة: هي اختارت الفنجان على وصية الطبيب.

تتويج الرغبة: الفنجان يحقق أقصى ما يتمناه: أن تكون هي نفسها، وأن تحتضنه رغم كل شيء.

لحظة الصدق المطلق: “ما فائدة الحياة إذا لم نفعل ما نحب؟!” تكشف جوهر الشخصية والعلاقة. هذه الجملة هي قلب القصة، وبدونها تكون القصة مجرد خواطر، لكن بها تصبح تحدياً وجودياً.

6.      النتيجة (الحل/الخاتمة)

النهاية في “امرأة وحيدة» مبهمة، وهذا يجعلها أكثر تأثيرًا:

تستمر طقوس تناول القهوة رغم المرض، تصبح العلاقة مع الفنجان رمزاً للمقاومة.

تكبر المرأة وتشيخ، يظل الفنجان شاهداً، لكنه قد يفقدها قريباً!

لا يوجد حل! القصة تترك القارئ يتساءل: ماذا سيحدث بعد رحيلها؟

النهاية ليست سعيدة أو حزينة بشكل صريح، بل هي تأملية، تترك للقارئ أن يتخيل مصير الفنجان بعد موتها؛ هذا الغموض هو ما يخلق التأثير العاطفي في المتلقي.

7.      الخريطة الدرامية الكاملة للقصة

الرغبة: “طوال الوقت كنت أحلم بعينين تحـدقان بي…”

العائق: “فى العشــر ســنوات الأخيرة، تثاقلــت حركتهــا…”

المحاولة: استمراره في الحضور اليومي رغم كل شيء.

الصراع: بين الحياة والموت، بين الحضور والغياب، يستمر الصراع مع الزمن والمرض والعجز.

الذروة: الجملة الأخيرة “ما فائدة الحياة إذا لم نفعل ما نحب؟”

النتيجة: النهاية المفتوحة تستمر العلاقة، لكن الموت يلوح في الأفق.

***

تكتسب قصة “امرأة وحيدة» جماليتها من:

الحكي من منظور جماد، راوٍ غير بشري (فنجان القهوة)، وهي فكرة جريئة تمنح النص مسافة رومانسية فريدة، فالقصة تروي عمراً كاملاً (30 عاماً) من العلاقة بين الفنجان وصاحبته، من شبابها إلى مرضها وشيخوختها.

تخلق التفاصيل الحسية مثل وصف طقوس القهوة اليومية (الرائحة، الدفء، احتضان الأصابع، صوت المصمصة) عالماً شعرياً غنياً. ثم تأتي في النهاية عبارتها الأخيرة “ما فائدة الحياة إذا لم نفعل ما نحب؟” تتويجًا فلسفيًا للقصة، يعكس روح التحدي والسخرية من الموت ويلامس قلب القارئ مباشرة، مما يجعله يتعاطف مع فنجان قهوة!

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع