هل كان روبير فالزير من «أساتذة اليأس»؟

روبير فالزير

عثمان بن شقرون

عتبة:

في تفكيك الخلط بين العدمية والهشاشة             

لا توجد في قراءات الأدب الحديث قسوةٌ تضاهي تلك التي صبّتها نانسي هيوستن في كتابها «أساتذة اليأس» (Professeurs de désespoir)، حيث نصبت محكمة أخلاقية صارمة لرموز الحداثة الغربية، متهمةً إياهم بنشر عدوى العدمية وكراهية الحياة. ولا تُستعمل العدمية هنا بوصفها مفهوماً فلسفياً مجرداً، بل باعتبارها حساسية أدبية تقتات على العبث والانهيار، وتشكك في إمكان المعنى.

وإذا كانت هيوستن تخوض معركتها ضد الأدب المدمر في سياق غربي متخم بيقينياته الحداثية، فإن حاجتنا في السياق الثقافي العربي لتدقيق هذه التهم تبدو أكثر إلحاحاً وعمقاً؛ فنحن لا نزال نقابل الحداثة بريبة العدمية الجاهزة، ونسقط تهمة كراهية الحياة على كل نص يرفض السير في موكب الخطابات الكبرى أو اليقينات الزائفة. نحتاج اليوم، في فضائنا الثقافي، الذي يضج بالصخب والادعاء أكثر من أي وقت مضى، إلى التمييز بين يأس الأيديولوجيا المستعلي، وبين هشاشة الروح العارية.

هنا بالذات، يأتي روبير فالزير ليقدم للقارئ العربي اقتراحاً جمالياً مغايراً يستعصي على هذا الاختزال الصارم. إن هذا المقال ليس مجرد دفاع عن كاتب آثر المحو والتواري في مصحة عقلية مهجورة، بل هو إنصات نقدي يهدف إلى رسم حدود فاصلة بين سوداوية الهدم، وجاذبية الهشاشة الإنسانية. محاولاً الإجابة عن سؤال معلق في أفق قراءتنا: هل كان فالزير يكرّس للعدم حقاً، أم أن غيابه عن قائمة «أساتذة اليأس» كان اعترافاً ضمناً بنبل تواريه، وبأن في الهامش متسعاً لترميم الحياة لا لكراهيتها؟

 

1 – مدخل: لماذا نقرأ فالزير في ضوء «أساتذة اليأس»؟

تفتح نانسي هيوستن كتابها بصرخة تحذيرية أشبه ببيان احتجاجي ضد الموضة الفكرية السائدة:

«يا أصدقائي، نصبح انفصاميين. في الحياة اليومية نتمسك ببعضنا البعض، نتابع الأخبار بقلق، ونفعل ما بوسعنا للحفاظ على الروابط وتعزيزها. لكن كقرّاء أو مشاهدين، نمجّد دعاة العدم، ونروّج لجنسانية استعراضية ومعقّمة، ونستمع مراراً وتكراراً لمراثي الانحطاط الإنساني…»

في كتابها السجالي والمثير للجدل «أساتذة اليأس»، تشيّد هيوستن مختبراً نقدياً لتشريح النزعة العدمية في الأدب الغربي الحديث. إنها تستعرض سلالة من الفلاسفة والأدباء الذين تحولت الكتابة عندهم إلى تمرين يومي على تقويض الوجود؛ بدءاً من ماركيز دو ساد بوصفه الينبوع الأول لعدمية مطلقة تنفي الآخر، إلى جان بول سارتر الذي ربط الحرية بعبء الوجود المقلق، مروراً بصمويل بيكيت الذي نصَب خيام لغته في الفراغ واللاجدوى، وصولاً إلى توماس برنهارد، وميشيل ويلبيك، وجورج باتاي، حيث تغدو الكتابة مشبعة بسخرية سوداء قاحلة، أو بافتتان مريض بالموت والانهيار.

ولا تكتفي هيوستن بالتشخيص النظري، بل تدعو إلى نقد أخلاقي شجاع للأدب، معتبرة أن تمجيد العنف الرمزي والاحتفاء بالانتحار وكراهية الجسد، لا يمكن تسويغها باسم الجمال الفني وحده. كما تضع أصبعها على بعد ذكوري خفي في هذه الكتابات؛ حيث تُقدَّم المرأة والحياة والجسد الحاضن، بوصفها موضوعات مفضلة للاشمئزاز والتدمير والتدنيس الوجودي.

ومع ذلك، سيكون من التبسيط اختزال مشروع هيوستن في مجرد محافظة أخلاقية مضادة للحداثة؛ فكتابها يلامس بالفعل منطقة حرجة في الأدب المعاصر، حيث تحولت العدمية أحياناً إلى رأسمال رمزي مغرٍ، وصار التلذذ بالخراب أو الاحتفاء بالفراغ يُستثمر جمالياً بوصفه علامة عمق وتميّز. إن قوة «أساتذة اليأس» تكمن تحديداً في جرأته على مساءلة هذا التواطؤ الخفي بين السوق الثقافية الحديثة وجاذبية التشاؤم الراديكالي، حتى وإن كانت أدوات هيوستن النقدية تميل أحياناً إلى التعميم أو الحدة الأخلاقية.

لكن المثير للانتباه في هذه المحكمة الأدبية، هو غياب اسم روبير فالزير عن لائحة الاتهام. أليس هو أيضاً ربيب العزلة، وسليل التيه، وكاتب الهامش بامتياز؟ أليس هو من هجر العالم واختار الصمت المصحي الطويل، مجسداً التواري كأقصى أشكال الوجود؟ فما الذي جعل فالزير، على الرغم من تشابه بعض ظواهره السطحية مع أدباء الفراغ، يفلت من مقصلة هيوستن، ويظل خارج نادي «أساتذة اليأس»؟

الجواب يكمن في أن فالزير كان يجيب مسبقاً، وبعفوية مذهلة، عن هذا الصخب النقدي. إنه لا يرى في الكتابة صرخة أيديولوجية مدوية لإعلان نهاية العالم، بل يختبرها كـحِرفة متواضعة، دقيقة، وصامتة، تقاوم التلاشي بالتشكيل والترميم:

«أعلم أنني روائي من النوع الحِرَفي… أفصل وأخيط وأحيك وأملّس وأرقن وأطرق وأسمر وأجمع الجمل… في رأيي، إن نثري ليس سوى أجزاء من قصة واقعية طويلة بدون حدث… وهذه الرواية التي لا أكف عن كتابتها ينبغي أن تُسمّى الذات المتشظية والممزقة للغاية.»

هنا ينكشف التمايز الجوهري، فالتشظي عند فالزير لا يقود إلى العدم، بل يفتح ورشة الصناعة الحية. فبينما يرى أساتذة اليأس في النص معولاً لتحطيم المعنى أو مرآة لعكس فظاعة الوجود (من موقع الأستاذية والاستعلاء الجمالي)، يقف فالزير في دكانه الصغير يواجه الهشاشة بـالإبرة والخيط. إنه لا يهدم، بل يرمم التمزق، محولاً شتات الذات الممزقة إلى نص متصل وناعم.

إن هذا المنظور يفسر لماذا عجزت أدوات هيوستن الأخلاقية الصارمة عن ملاحقته؛ فاليأس عند فالزير ليس موقفاً أيديولوجياً يُباع في سوق الأفكار، ولا هو وعظ سوداوي، بل هو مجرد مادة خام يعيد الحِرَفي الصبور صياغتها برفق، غرزة تلو غرزة، ليصنع منها رداءً يقي الروح برد العالم.

 

2 – مفارقة التيه: بين عبثية بيكيت ورقة فالزير

قد يبدو روبير فالزير، للوهلة الأولى، حليفاً ظليلاً لكتّاب العدمية والعبث الذين تشملهم مقصلة نانسي هيوستن النقدية مثل سارتر وبيكيت؛ إذ تهيمن على حيوات شخصياته ومصائرها مناخات التيهان المزمن، واللغة الدائرية المتكررة، والنظرة المتهكمة الساخرة من جدارة الحياة اليومية، وصولاً إلى نهاياتها الوجودية الفاجعة التي ينطوي عليها غيابٌ فادح أو موتٌ وحيد تحت الثلج.

غير أن الفروق العميقة تكمن في باطن النبرة وفي البنية التحتية للحساسية؛ فبينما يصوّر صمويل بيكيت في «انتظار غودو» الفراغ واللاجدوى بوصفهما حالة عبثية كثيفة ومغلقة، ومكتفية بصمتها العدمي ، يختار فالزير مساراً مغايراً تماماً يمكن تسميته بالتناص مع موريس بلانشو بـ «كلام الصمت». فالصمت هنا لا يعني جفاف الكلمات أو إفلاس اللغة، بل هو انكشاف الهشاشة الإنسانية العارية في مواجهة مهابة الوجود وعظمته. إن المؤلف في عالم فالزير لا يهدم العالم بالخراب الرمزي، بل يتوارى في ثناياه برفق، ممارساً بحقٍّ ما يلمسه والتر بنجامين ذات يوم حين تحدّث عن حقّ «الضعفاء والمنسيين» في البقاء خارج رادار اليقين الأيديولوجي الجاهز وخارج فخاخ المنظومات الكبرى.

هنا يكمن التمايز الجوهري لفالزير في دوافعه ومنابعه الوجودية؛ فهو لا يكتب أبداً من منطلق كراهية العالم أو رفض الحياة، بل على النقيض تماماً. إن كتابته تنبثق من رقة حسّ مفرطة، ومن حبّ موجع، طاغٍ، وأليم لهذا العالم. في روايته «جاكوب فون غونتن»، يتجلى هذا التمايز الجمالي في نبرة البطل وهو يترنم بـ «بلاغة التلاشي»:

«ربما يوجد في داخلي رجل وضيع، وضيع للغاية. ربما على العكس من ذلك تجري في عروقي دماء أرستقراطية. لا أعلم. لكن ما أعرفه هو أنني سأكون لاحقا صفرا مستديرا خلابا. وإذا ما انكسرت وفقدت نفسي، فما الذي سوف ينكسر ويضيع؟ صفر. أنا فرد، أنا مجرد صفر.»

هذا الموقف ليس يأساً عدمياً يبشر بالفراغ، ولا هو إنكار مجاني للمعنى؛ بل هو إيقاع صوفي عذب لـ «التصاغر الإرادي». إن فالزير هنا يفكك ضمير المتكلم (الأنا)، لا ليعلن سطوة الذات المتضخمة الغاضبة كما يفعل أساتذة اليأس، بل ليجعلها خفيفة كالهباء، معلناً انحيازه المطلق للمناطق الهامشية المعتمة التي لا يلتفت إليها رادار العالم:

«كم أنا سعيد لأنني لم أكتشف أي شيء في داخلي يستحق التقدير أو يثير الفضول! أن تكون عديم الأهمية وتظل كذلك. وحينما سترفعني يد وظرف وموجة وتحملني إلى القمة، حيث تسود السلطة والائتمان، سأدمر الوضع الذي من شأنه أن يكون لصالحي، وسألقي بنفسي في العتمة الواطئة والعقيمة. لا يمكنني التنفس إلا في المناطق السفلى.»

وفي روايته الفذة «اللص»، يتخذ هذا الامتناع بعداً يومياً حميماً؛ حيث تتكرر مشاهد التفاصيل العادية البسيطة من حركات روتينية عابرة، ولقاءات سطحية، وتأملات وادعة في الطبيعة. وهي تفاصيل قد تبدو تافهة أو مجرد حشو على السطح، لكنها تخفي تحت بطانتها شعوراً كونياً حاداً بالوحدة والرقة الإنسانية.

تعيش شخصية اللص انعزالاً داخلياً حذراً، ليس بدافع التعالي أو الاحتقار، بل هو نابع من هشاشة نفسية بالغة الرهافة تمنعها من الانخراط العنيف في المجتمع، كما لو أن أي احتكاك فظ أو تواصل مباشر قد يكسر هذه البلورة الروحية ويؤذيها. إن علاقة فالزير بالواقع ليست علاقة تصادم أو قطيعة عدمية، بل هي علاقة «لاملامسة» (أو ملامسة حذرة) منبعها فرط المحبة وفيضان الشغف، كما يشرح ذلك بنفسه في اعترافه المؤثر:

«إن طاقات المحبة التي في مخزوني ذاتُ سطوة مخيفة، وفي كل مرة تطأ فيها قدماي الشارع أشرع في محبة أي شيء، أي شخص، ولهذا السبب أبدو في كل مكان بمظهر رجل بلا شخصية.»

هذه «اللاملامسة» النبيلة تحول اليأس من أيديولوجيا قاسية وباردة تصب لعنتها على البشر، إلى ممارسة حية ويومية لـ «دهشة مكسورة» تحنو على العالم. وهو ما يباين، جذرياً، مواقف كتّاب العدمية التقليديين الذين حوّلوا الحياة في نصوصهم إلى حلبة عبث عبوس أو مستنقع فراغ قاتل. إن فالزير يكتب من عمق الجرح وفرط الحساسية، مهدياً إيانا تجربة وجودية وفريدة تقوم على الرقة والتوتر العذب، لا على الرفض المتعالي أو العدمية المطلقة.

ومع ذلك، لا ينبغي تحويل هذه الهشاشة الفالزرية إلى براءة مطلقة أو قداسة جمالية خالصة؛ فثمة في نصوصه أيضاً نزوع انسحابي مقلق، ورغبة متكررة في التلاشي، وتوتر عميق مع الهوية والعمل والعلاقات البشرية. أحياناً يبدو فالزير كما لو أنه يدفع حساسيته المفرطة إلى حدود الامتناع عن العالم نفسه، بحيث تغدو الرقة معرضة للتحول إلى شكل خافت من الإنهاك الوجودي أو الانسحاب الصامت. غير أن هذا الجانب تحديداً هو ما يعقّد تجربته ويمنع اختزالها في العدمية المباشرة؛ إذ إن تواريه لا يصدر عن احتقار متعالٍ للحياة، بل عن عجز موجع عن احتمال كثافتها.

 

3.   بلاغة التواري: لماذا يربك فالزير مختبر “أساتذة اليأس”؟

يكمن جواب هذا السؤال في نبرة فالزير. يتكلم كتّاب العدمية، كما تصفهم هيوستن، من موقع القوّة والسطوة، حتى في لحظات ضعفهم. هم غاضبون وساخطون، ويحتقرون القارئ والعالم. أما فالزير، فهو يكتب من موقع هشّ وخجول، ككائن يخشى أن يفرض حضوره بعنف على العالم. في رواية «اللص»، يوضح هذا الموقف بقوله:

«أود أن ألتمس منكم أن تروا في داخلي شخصا فقيرا للغاية. يخبرني وجهكم بأن الأمر ليس خطيرا، لذا فلتعلموا سيدي، أنني مقتنع اقتناعا راسخا بأني رجل مثل أي رجل آخر، ولكن هذا ببساطة، ولعدة مرات، بمعنى لم يحدث في الزمن أبدا، ولكن في الآونة الأخيرة نعم، لقد صُدمت بحقيقة أنني لم أكن أشعر في داخلي، بأدنى رغبة في العدوان أو التملك. ولا حدث أن دبرته ولا سعيت إلى سبيله.»  

إن غياب فالزير عن نادي العدمية لا ينفي انتماءه إلى سلالة المتألمين، بل يجعله يعقّد مفهوم اليأس بدل أن يجسده مباشرة؛ إذ يحوله من حكم نهائي على الوجود إلى ممارسة يومية للحيرة الوجودية. وتتجلى إنسانيته في النظرة للأشياء المهملة، وفي الحساسية تجاه الأصوات التي يحبها أكثر مما يمكن تصوره:

               «الموسيقى بالنسبة إليَّ هي أعذب ما يوجد في العالم. أُحِبُّ الأصوات الجميلة أكثر مما يمكن أن يُتصور. ومن أجل سماع صوت واحد فقط، أنا على استعداد لأعدو ألف خطوة، الواحدة تلو الأخرى.»

لا يمجّد فالزير الانتحار كاستعراض جمالي، بل يتساءل ببراءة متعبة: كيف يمكن العيش في عالم لا يسمع الهمس؟ لا يمنح المعنى بسهولة، ولا يقدّم سنداً، ولا يحتفي بالضعف؟ بل إنه يجد في فلسفة الامتناع وفي قبول الإلزام نوعاً من السحر الذي يقي من سيولة الملل والعدم:

               «إن تحريم بعض الأشياء يكون أحيانًا ساحرًا لدرجة أنه لا توجد طريقة لعدم القيام بها. هذا هو السبب في أن أي نوع من الإلزامات عزيز علي: لأنه يمنحني بهجة الانتهاك. لو لم تكن هناك وصايا في هذا العالم ولا التزامات، لكنت متُّ ولتضورت جوعاً، ولانطفأت من الملل.»

رغم القيمة الكبيرة لقراءة نانسي هيوستن في «أساتذة اليأس»، إلا أن تحليلها يظل محدوداً إلى حد ما في تأطير العدمية ضمن نماذج أدبية يغلب عليها الطابع الذكوري، وبصورة تميل إلى الأحادية في التمثيل. هذا التقييد يجعل أطروحتها تفتقد إلى الأدوات النقدية التي تسمح بفهم التنوع الواسع في التعبير الأدبي عن اليأس والعبث، ويمحو فروقاً جوهرية بين العدمية كإيديولوجيا أو فلسفة استعلائية، وبين الكتابة التي تنبع من هشاشة إنسانية عميقة ورقة مشبعة بالحساسية تجاه الحياة، كما هو الحال مع روبير فالزير الذي يثبت أن التواري خلف الأشياء البسيطة قد يكون وسيلة للبقاء لا وسيلة للعدم.

 

خاتمة:

فالزير كاقتراح صامت.. رائد «مشّائي الرقة الخافتة»

قال هيرمان هيسه ذات يوم قولته الشهيرة التي تختزل أثر الكاتب السويسري:

«لو قرأ مائة ألف شخص روبير فالزير، لكان العالم أفضل».

ولو أن نانسي هيوستن تأنّت في قراءة نصوص روبير فالزير وقاربَتها بإنصاتٍ أعمق، لربما وجدَته يعقّد مفهوم الشقاء الإنساني بجمالية نادرة تجعله النقيض الأبهى لعدميتها المتعالية. إن فالزير لا يصرخ في وجه الوجود، وإنما يهمس في أذنه. وهو لا يحتقر العالم تعالياً، بل يتحاشى مواجهته العنيفة بشكل مباشر إمعاناً في محبته.

إن فالزير، في هذا الضوء النقدي، ليس من «أساتذة اليأس» بقدر ما هو من تلامذة الحيرة الخلّاقة؛ إنه لا يعلّم القارئ كيف يموت بفخر واستعراض، بل كيف يمرّ خفيفاً ووادعاً على هذه الأرض دون أن يدهس نملة. إنه الكاتب الذي ارتاب في قيمة الشهرة والمجد الأدبي الصاخب لأنها، في نظره، تقتل الصدق الداخلي للروح: «لو كنت مشهورًا بالفعل، لما رأى الكِتاب النور.»

نستخلص إذن أن غياب فالزير عن مختبر نانسي هيوستن الصارم لا يبدو إغفالاً نقدياً عارضاً، وإنما هو اعترافٌ مضمر بطبيعة نصوصه العصية على التقليعات التصنيفية الجاهزة. إنه لا ينتمي إلى خطاب النظريات الوجودية الصارخة التي تقتات على الصدمة والافتتان بالفراغ، بل إلى سلالة الأدب السري الحميم الذي يلملم شتات الروح الممزقة، ويُخفي جراحه الغائرة خلف ستائر ناعمة من التفاصيل اليومية البسيطة. وكأن فالزير، بهذا التواري النبيل، يعيد تعريف الحداثة في عمقها الإنساني بوصفها فعل «ترميم» صبور لا فعل «تحطيم» أعمى.

وكما تنبأ له الشاعر كريستيان مورغنسترن، حين قرأ مخطوط روايته «الأخوة طانير» وكتب يوصي بها ناشره بلهفة: «هذا الرجل سيتحدث هكذا طوال حياته، وستكون كتبه مرآة غريبة وفاتنة للحياة». إنها مرآة صوفية لا تعكس العدم البارد، بل تعكس رقة الوجود في أقصى حالات هشاشته؛ تلك الهشاشة التي لا تطلب منا أن نيأس أو نعتزل الحياة، بل تدعونا ببساطة لأن نتنفس بهدوء، ونمضي كـ «مشّائي الرقة الخافتة» في عالم صاخب لم يعد يسمع غير الضجيج.

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع