شعرية الخطاب وآفاق التوجيه

في قصيدة (حَيُّوا السلام) لشوقي هيكل

شوقي هيكل

د. دعاء خميس جابر صقر*

 تقوم البنية الشعرية على مبدأ التفاعل العضوي بين مكوناتها، بحيث لا يعمل أي عنصر فيها بمعزل عن العناصر الأخرى، بل يدخل معها في شبكة من العلاقات المتبادلة التي تجعل أي تحول يطرأ على أحدها مؤثرًا في البنية بأكملها.

ومن هذا المنطلق، فإن النظر إلى القصيدة بوصفها بنية متكاملة يقتضي الإقرار بأن مستوياتها المتعددة – الإيقاعية والدلالية والصوتية والتركيبية – ترتبط فيما بينها بعلاقات جدلية؛ فالتغيير في النظام الإيقاعي، على سبيل المثال، لا يظل حبيس هذا المستوى، وإنما يمتد أثره إلى زاوية الرؤية الشعرية وإلى النسق الدلالي والصوتي للنص.

وفي هذه الدراسة نقف عند قصيدة (حَيُّوا السلام) لشوقي هيكل، تلك القصيدة ينثال فيها الشعر المتدفق حيوية عن نفس ثائرة؛ فتحس فيه بحرارة أنفاس الشاعر تعبيراً عما يخالجه من أحاسيس شتى.

 لكن الإفراط في الاعتماد على النزعة الخطابية يجنح به إلـى التقريـر والمباشرة، لا إلى الإيحاء والدلالة، خاصة عندما تعلو النبرة الخطابية في النص فيفقد جزءاً كبيراً من الإثارة التي تتولد مع استكشاف آفاق جديدة لأبعاد التجربة الشعرية، وهذا ما نسعى للكشف عنه خلال هذه القراءة .

نظم شوقي هيكل قصيدة (حَيُّوا السلام)، ليؤكَّدَ فيها أَنَّ السَّلامَ يُقِرُّهُ الإيمان؛ ففيه مجد و حضارة، وفيه معاني الحبّ والرحمة التي أوصى بها الرحمنُ، وهو ليس نتيجة ضعف؛ لأنه فَيْءُ نصر أكتوبر؛ فدمُ الشهداء هو الذي خطَّ كل حرفٍ من حروف هذه الاتفاقية، وأشاد الشاعرُ بفرسان الجيش المصري الذين يأتون بالنصر المنشود لبلادنا في الحرب والسلم، يقول :

حَيُّوا السَّـلامَ يُقِيمُـهُ المِيـزَانُ        إِنَّ السَّـلامَ يُقِـرُّهُ الإِيـمَـانُ

وَسَلامُنَا المَنْشُودُ فَيءُ غَنِيمَـةٍ              يَومَ العُبُـورِ وَلِلنَّهَـارِ عِيَـانُ

وَدَمُ الشَّهِيدِ جَرَى يَتِيهُ بِنَصْرِهِ       فِي كُلِّ حَرْفٍ خُطَّ مِنْهُ بَـنَـانُ

مَا قَامَ فِينَا خَائِرٌ يَدْعُو إِلَيــ   ـهِ وَإِنَّمَا نَـادَتْ بِهِ الفُرْسَـانُ

فُرْسَانُ سَاحٍ فِي السَّلامِ وَفِي الوَغَى وَسِلاحُهُـمْ أمْـرٌ لَهُ سُلْطَـانُ  

فَإِذَا دَعَونَـا لِلسَّـلامِ فَجَيشُنَـا سَنَدٌ لَهُ وَالنَّصْـرُ فِيهِ ضَمَـانُ

يَا أَيُّهَا الأَحْـرَارُ هَـذَا حَقُّنَـا قَدْ كَلََّلَتْـهُ بِنَـصْرِنَـا تِيجَـانُ ([1])

يتخذ الشاعر من القصيدة منبرًا لمخاطبة الجماعة واستنهاض وعيها بقيمة السلام وشرعيته الوطنية والدينية. فالنص لا ينشغل بالتعبير عن تجربة ذاتية خاصة، بقدر ما يتجه إلى مخاطبة المتلقي مباشرة، ساعيًا إلى التأثير في مواقفه وتوجيه قناعاته نحو تبني خيار السلام بوصفه ثمرةً للنصر لا نتيجةً للضعف أو التراجع.

ويبرز الطابع الخطابي منذ المطلع من خلال صيغة الأمر في قوله: (حيّوا السلام)، وهي صيغة إنشائية تحمل دلالة الحث والتحفيز، وتؤسس منذ البداية لعلاقة تواصلية مباشرة بين الشاعر وجمهوره. ولا يكتفي الشاعر بإطلاق الدعوة، بل يعمد إلى تدعيمها بأساليب التوكيد في قوله: (إن السلام يقره الإيمان)، حيث تتضافر أداة التوكيد مع الجملة الاسمية لترسيخ الفكرة في ذهن المتلقي وإكسابها طابعًا يقينيًا لا يقبل الجدل.

تتعمق النزعة الخطابية من خلال اعتماد الشاعر أسلوب الحجاج القائم على التعليل والتبرير؛ فالسلام الذي يدعو إليه ليس سلامًا مفروضًا أو قائمًا على التنازل، بل هو (فيء غنيمة) ونتيجة طبيعية لـ (يوم العبور)، الأمر الذي يربط الدعوة إلى السلام بذاكرة النصر والإنجاز الوطني، وبهذا يتحول الخطاب من مجرد دعوة مباشرة إلى بناء حجاجي يسعى إلى إقناع المتلقي بمشروعية هذا الخيار من خلال ربطه بمعطيات تاريخية ووطنية راسخة.

كما يوظف الشاعر معجم البطولة والشهادة لتقوية أثر خطابه، في قوله: (ودم الشهيد جرى يتيه بنصره)، حيث يستحضر تضحيات الشهداء بوصفها سندًا أخلاقيًا للدعوة التي يتبناها. فذكر الشهيد هنا لا يؤدي وظيفة تصويرية فحسب، بل ينهض بوظيفة إقناعية تجعل السلام امتدادًا لتلك التضحيات وغايةً من غاياتها، لا نقيضًا لها.

وتتجلى الخطابية كذلك في النزوع إلى دفع الشبهات والرد على المواقف المعارضة، وهو ما يظهر في قوله: (ما قام فينا خائر يدعو إليه وإنما نادت به الفرسان). فالشاعر يستبق اعتراضًا محتملًا قد يربط السلام بالضعف، ثم يفنده بأسلوب النفي والاستدراك، مؤكدًا أن الداعين إلى السلام هم (الفرسان) أصحاب القوة والبأس. وتكشف هذه البنية الحجاجية عن وعي الشاعر بوجود مخاطب يحتاج إلى الإقناع، وهو ما يعد من أبرز سمات الخطاب الإقناعي.

ويعزز النص هذا التوجه من خلال تكرار ألفاظ القوة والبطولة مثل: (الفرسان)، (الجيش)، (سلطان)، وهي ألفاظ تشكل حقلًا دلاليًا يوحي بالقدرة والسيادة، ويهدف إلى تثبيت صورة السلام بوصفه خيار الأقوياء. كما أن الجمع بين (السلام) و(الوغى) في قوله: (فرسان ساح في السلام وفي الوغى) يرسخ فكرة التوازن بين القوة والرغبة في السلم، ويمنح الخطاب بعدًا إقناعيًا إضافيًا.

وتبلغ النزعة الخطابية ذروتها في النداء المباشر: (يا أيها الأحرار)، إذ يستحضر الشاعر مخاطبًا جماعيًا محدد الهوية والقيم، ويمنحه صفة الحرية التي تحمل في ذاتها إيحاءً إيجابيًا يحفزه على التفاعل مع الرسالة الشعرية. ثم يأتي اسم الإشارة (هذا) في قوله: (هذا حقنا) ليؤكد حضور القضية وقربها من وجدان المتلقي، بينما يسهم ضمير الجماعة المتكرر في بناء إحساس بالمشاركة والانتماء الجماعي.

وهكذا تتأسس خطابية النص على شبكة من الوسائل الأسلوبية والحجاجية، من أمر ونداء وتوكيد ونفي واستدراك واستدعاء للبطولة والنصر، بما يجعل القصيدة خطابًا وطنيًا يسعى إلى كسب تأييد المتلقي وإقناعه بأن السلام قيمة إنسانية تنبثق من القوة والإنجاز، لا من الضعف والاستسلام.

        ثم راح الشاعرُ يُعدِّدُ مزايا السلام، ويحُثُّ شعبَ مصر على دعمه؛ فهو الكرامة والأمان، والسلامة من كل ما تُخَلِّفُه الحروب من قتلٍ ودمار؛ فإن أصوات الضحايا واليتامى تَهْتف بالسلام، الذي فيه رخاءَ البلادِ وعُمرانَها وسعادتَها، وقد أمرنا الله تعالى به في القرآن:

إِنَّ السَّلامَ سَلامَـةٌ وَكَـرَامَـةٌ وَشَـجَاعَـةٌ وَأمَـانَـةٌ وَأمَـانُ

صَوتُ الضَّحَايا واليَتَامَى والثَّكَا      لَى وَالأَرَامِــلِ هَاتِـفٌ رَنََّـانُ

يَا شَعْبَ مِصْرَ إِلَى السَّلامِ نَحُثُّهُ      دَفْعًا فَإِنَّ سَـلامَنَـا عُـمْـرَانُ

فِيهِ الرَّخَـاءُ لَنَا وَفِيهِ سَعَـادَةٌ يَـزْهُـو بِـهِ مُسْتَقْبَـلٌ رَيَّـانُ

هَيَّا بُنَاةَ المَجْدِ صُونُوا مَجْدَكُمْ       مَا المَجْـدُ إِلاَّ بِالسَّـلامِ يُصَـانُ

إِنَّ السَّلامَ إِذَا دَعَـونَا نَهْضَـةٌ        وحَضَـارَةٌ يَسْمُـو بِهَا الإِنْسَـانُ

هُوَ نَغْمَةُ الحُبِّ العَظِيمِ ورَحْمَةٌ       لِلنَّاسِ قَـد أَوْصَـى بِهَا الرَّحْمنُ

لِلسِّلْمِ فَاجْنَحْ إِنْ يَكُنْ جَنَحُوا لَهَا     وَاجْنَحْ لَهَا يَـدعُو بِهِ القُــرْآنُ ([2])

تجلى النزعة الخطابية في هذه الأبيات بوصفها سمة أسلوبية مهيمنة توجه البناء الشعري نحو التأثير في المتلقي واستمالته إلى تبني موقف الشاعر من قضية السلام. فالنص لا يكتفي بعرض فكرة السلام أو وصف مزاياه، وإنما يتجاوز ذلك إلى ممارسة فعل إقناعي مباشر يستهدف توجيه الوعي الجماعي وحشد التأييد لهذا الخيار الحضاري والإنساني.

ويظهر البعد الخطابي منذ مطلع القصيدة في اعتماد أسلوب التوكيد من خلال تكرار أداة التوكيد (إنَّ) في قوله: (إنَّ السلام سلامة وكرامة)، ثم في قوله: (إنَّ السلام إذا دعونا نهضة)، وهو توكيد يعكس حرص الشاعر على ترسيخ قناعته في ذهن المتلقي وإزالة أي شك قد يعتريه. كما يعمد إلى تقنية التعداد المتتابع في ألفاظ: (سلامة، كرامة، شجاعة، أمانة، أمان)، ليمنح مفهوم السلام أبعادًا متعددة تتجاوز دلالته المباشرة، فيتحول إلى قيمة شاملة تتجمع فيها مختلف الفضائل الإنسانية.

وتتعمق النزعة الخطابية من خلال استحضار أصوات الفئات المتضررة من الحروب والصراعات في قوله: (صوت الضحايا واليتامى والثكالى والأرامل هاتف رنان)، حيث يلجأ الشاعر إلى إثارة الوجدان واستنهاض العاطفة عبر استدعاء صور إنسانية مؤثرة، فيغدو السلام مطلبًا أخلاقيًا وإنسانيًا لا مجرد خيار سياسي. وتؤدي هذه الاستراتيجية دورًا حجاجيًا مهمًا، إذ تجعل المتلقي أكثر استعدادًا للاستجابة للرسالة التي يحملها النص.

أرى أنَّ اللغة في هذه القصيدة تعتمد على الخطابية المُباشرة والإلقاء بشكلٍ كبيرِ؛ مِمَّا يُوحِي بأنَّ الشاعر يُقدم تقريرًا عن أهمية السلام؛ مما يقرب النص من النثر، ويُبْعدُه غرضه الذي وُضِعَ من أجله – وهو مُخاطبة الوجدان واستثارة الفكرـ كقيمة جمالية فنية ودلالة نفسية.

وتأسيسًا على ذلك، لا بد من الانطلاق من لغوية الشعر بوصفها مرتكزها الأول؛ فاللغة ليست مجرد منظومة دلالية، وإنما هي حصيلة التفاعل بين البعد الصوتي والبعد الدلالي داخل سياق مخصوص. غير أن الشعر لا يكتفي بالوظائف المألوفة التي تؤديها العناصر اللغوية في الاستعمال العادي، بل يعمل على زعزعة استقرار هذه الوظائف وإعادة تنظيم العلاقات بينها

في بناء جديد، الأمر الذي يؤدي إلى إعادة تشكيل الصلة بين اللغة والفكر. ومن ثمّ يغدو الشعر فعلًا إبداعيًا يتجاوز حدود التواصل المباشر، ليؤسس أنساقًا جديدة من الرؤية والإدراك والمعنى.

…………………..

*كلية الآداب ـ جامعة دمنهور

([1]) شوقي هيكل : أنا المصري، المكتب العربي للمعارف، القاهرة، د . ت، ص 47 .
([2]) المصدر السابق، ص 48 .

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع