عزة سلطان
لماذا يثق الناس دائمًا بالراوي؟ يبدو أن هناك ميلًا غريبًا لقبول كل ما يقوله شخص يحمل القلم دون أدنى تشكيك. أعتقد أن الأمر يعود إلى ما زرعته بدواخلنا المجتمعات الأبوية عبر التاريخ. الأكبر سنًا والأعلى صوتًا هو من يعلم كل شيء، نحن مبرمجون على قبول من يدعي الدراية على أنه منبع الحكمة، وأنه لا داعي للتشكيك في أقواله، طالما التزم بأطر المعقولية أو في قول آخر طالما أنه أشعرنا بالمصداقية. من هنا تأتي تلك الثقة العمياء” ص (19)
الروائي هشام الخشن عبر روايته نكلة فاروق الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية في مطلع عام 2026، يقدم تبريره لتلك الثقة التي اعتُمدت من الراوي داخل العمل الروائي وربما الراوي بشكل عام، تأتي هذه الآراء عبر شخصية سام أو سامي الراوي والبطل في هذه الرواية، لكن السؤال الحقيقي الذي يولد عقب الانتهاء من قراءة رواية “نكلة فاروق” هو هل الحكاية مهمة؟ أم يمكن تقديم حكاية مكررة لكن هذه المرة تصير مختلفة؟
طبخة السر: كيف يُعاد تدوير الحكاية؟
يقولون إن القصص في العالم سبع، والباقي مجرد تنويعات، حيث تتشابه الوصفات في مطابخ الرواية كما تتشابه الوجوه، لكن السحر لا يكمن في المقادير، بل في النَفَس كما نقول في العامية المصرية، تلك اللمسة الخاصة التي يتركها الصانع في عجينته. القراء من مشاهدي السينما سيدركون ببساطة أن الحكاية في رواية نكلة فاروق قد تمت معالجتها سينمائيا في عدة أفلام منها اوشين 11و 12 وشمس الزناتي ومقلب حرامية، كما تم معالجتها دراميا في المسلسل الأسباني لاكازا دي بابل. فيجد القارئ نفسه أمام حكاية شاهدها على الشاشات ونالت استحسانه فالقائد مُلهم، فريق من فئة الأذكياء، ومهمة انتحارية تراقص حبال القانون. لكن الفارق هنا ليس في ماذا سيحدث، بل في كيف يجعلك الكاتب تتابع بصبر واهتمام مع أنك تشاهد نفس اللعبة بوجوه جديدة. إنها قدرة الكاتب/ المايسترو على إقناعك بأن القطعة الموسيقية التي سمعتها ألف مرة، تُعزف الآن -ولأول مرة- خصيصاً لأجلك.
في نكلة فاروق نحن أمام مغامرة سردية يقوم بها هشام الخشن وهو يقدم حكاية مكررة، وهو بالتأكيد يعي ذلك لكنه هنا يؤكد أن الحكاية نفسها في تجارب السرد ليست هي المهمة، ولكن كيف يتم التلاعب بأدوات السرد، إنك أمام تلك الحكاية التي تجد نفسك فيها تكمل كي ترى كيف سيصل البطل إلى النتيجة المتوقعة منذ وعي القارئ بالقصة.
سرد من فئة الميتافيكشن
في روايته يقول لنا الروائي هشام الخشن إن في هذه الفترة لم تعد معركة الروائي اليوم مقتصرة على ابتكار حكاية لم تُحك من قبل، بل في كيفية إعادة صياغة الاعتياد ليصبح دهشة متجددة. هنا، ومن ثم يبرع الخشن ليس كحكاء فحسب، بل كمهندس بارع يعرف أسرار مواده الخام ونسبها الدقيقة، ليبني نصاً يخطف الأنظار بقوة توازنه.
في هذا العمل، لا يكتفي هشام الخشن بسرد الحكاية، بل يكسر الجدار الرابع ليشركنا في اللعبة. يتبع أسلوب “ما وراء السرد” (Metafiction) بوعي لافت، حيث يخاطب البطل القارئ مباشرة، مفسدًا وهم الواقعية ومانحًا إياه مكانًا بجانبه على الطاولة. هو لا يخفي أدواته، بل يعرضها ويناقش توقعاتنا، محولاً إيانا من مجرد مراقبين إلى شركاء واعين يراقبون ولادة الرواية حدثًا تلو الحدث. يقدم الكاتب ثلاث مستويات سردية: المستوى التقليدي براوٍ عليم يبني حبكة متماسكة وهو في بعض الفصول وحكاية عملة النيكل ليبراتي 1913، التي كانت مستهل الرواية في الفصل الأول، ثم توالت في فصول لاحقة ليست متتالية.
والمستوى الثاني الذي يكسر الإيهام حين تخرج الشخصية (الديجيتيك) لتخاطب القارئ وجهاً لوجه. هذا ما يسميه النقاد المتاليبسس السردي، ويوصف بكونه اختراقا بين عالم الحكاية وعالمنا، أو الرواية النرجسية كما وصفتها ليندا هتشيون، بينما يراه جيرار جينيت جرأة في التسلل عبر العوالم السردية. ومن ثم فإن هشام الخشن عبر شخصيته الرئيسية سام أو سامي يحول القارئ من مجرد متلقٍ إلى ناقدٍ يشارك في نقد عملية الكتابة نفسها، بما في ذلك تفضيلاته كقارئ.
أما المستوى الثالث الذي يكشف عن مدى براعة هشام الخشن في التلاعب بأدوات سردية وبنيات مختلفة فهو يظهر عندما يقوم سام بتقديم حكايته/ رؤيته عن أحد الأبطال، ثم يفاجئنا الفصل التالي بالشخصية نفسها تتعارض مع رؤية سام وتكشف للقارئ عن حقيقتها. فنجد الفصل 16 يبدأ “أنا توفيق من قرأت عنه في الفصل السابق، قرأت عن ذلك الولد الذي انكسر مبكرًا … لم أكن طفلًا منكسرًا ولم أُرب في بيت يعرف الصوت العالي..” ص 131، الشخصية هنا لا تعرف نفسها فحسب بل تتعارض مع ما قدمه سام عنها، بينما تأتي شخصية زينب والكشف عنها عبر حوار مباشر مع سام في الفصل 13 وهو ما ينقله سام، لكن يأتي الفصل 14 لتحكي الشخصية عن نفسها، وهو اختيار ذكي كي تكشف الشخصية عن دواخلها، وهو ما لا يملكه سام، فقط اختلفت تفصيلة بين الفصلين فبينما تحكي زينب لسام أنه باعد بينها وبين كلية الطب درجتين ص 107، تأتي في الفصل 14 لتقول إنه نصف درجة ص 111، فهل هذا الخطأ سقطة من الكاتب أو المحرر أم لعبة من الكاتب للتشكيك في الراوي؟ سواء كان سقطة أم لعبة متعمدة، فإن هذا التضارب يعزز بالضبط الفكرة التي افتتح بها سام الرواية عن ثقة القارئ العمياء بالراوي ص 19.
القارئ هنا ليس بصدد حكاية مكتوبة بحرفية، ولكنه أمام بنى سردية واعية تجعله شريكًا في النص وتكسر الجدار الرابع بجعل الرواية ليست عملًا أدبيًا بقدر ما هي عملا تفاعليًا يترك للقارئ مكاناً فيه يملأه أثناء القراءة.
وبينما يراوغ هشام الخشن قراءه عبر تنويع آلياته، يجد القارئ نفسه منجذبًا للطريقة وليس إلى الحكاية، فأصبح المهم سر الصنعة وليس المنتج. ورغم ذلك، يظل السؤال عالقًا: لماذا يلجأ كاتب موهوب مثل هشام الخشن إلى حكاية مكررة سبق تقديمها سينمائيًا؟ هل هو نفاد في مخزون القصص، أم ولع خاص بهذه البنية وتحدٍّ لإعادة تقديمها بجاذبية جديدة؟
البنية المعرفية داخل نكلة فاروق
أداة جذب أخرى يحشدها هشام الخشن في عمله الروائي نكلة فاروق، هي الجرعة المعرفية المختارة بعناية فائقة، حيث البطل وفق رسمه هو قارئ جيد، ومن ثم يلقن القارئ بعدد من الاقتباسات مثل “قال أرسطو: الدراما هي مرآة تعكس الحياة بوضوح أكبر” ص 33، ” الفنانون يطاردون الخلود، لكن أعظمهم من يترك بصمة دون أن يوقع. اقتبستها عن أوسكار وايلد” ص 188 وكما قال جوبلز: اكذب كذبة كبيرة، واستمر في ترديدها وترديدها دون ملل وسيصدقها الناس” ص 195 كما أنه يوجز مقولات مثل “أوريل كتب 1984 ليحذر من الرقابة.. “ص 79 “تولستوي أقنع ملايين البشر بأن الطهارة الأخلاقية تكمن في نبذ الرفاه” ص 80.
في كل الفصول التي تظهر فيها شخصية سام البطل الرئيسي ستجد لديه بنية معرفية يستقيها من فلاسفة وفنانين وكأنه يضع الإطار النظري لمشروعه، تتوافق التناصات مع اللحظة الروائية، ثم يخلق الكاتب التوازن حين تصرح الشخصيات عن نفسها فتصك لنفسها جملًا تصلح لتكون اقتباسًا من أحد المشاهير، فنجد شخصية زينب تصف نفسها؛ “بعد الأربعين، لا أحد يُقصيك صراحة، لكن المسافة تبدأ بالاتساع من تلقاء نفسها، حتى دون أن تتراجع خطوة” ص 117، “الوحدة ليست أن تكوني بمفردك، بل ألا ينتبه أحد لوجودك وأنت وسطهم” ص 118. كما تقول كاميليا تعليقًا على الساعة المعطلة “لا حاجة للوقت حين لا ينتظرك أحد” ص 176.
وعلى لسان سام بطل الرواية يقول “التسويق ليس ما تصنعه، بل القصة التي تُروى عنك” ص 43، ليكشف هشام الخشن أدواته بكل وضوح، هو لا يُخفي سر الصنعة، بل يكشفها ويضعها أمام القارئ والناقد، ربما لأنه يعرف جيدًا أن الطريقة دومًا لها خصوصيتها مهما تشابه المنتج والأدوات.

















