سلوى بدران
يهرول مثل كل يوم، منذ سنوات مضت، صوب البحر، بعد أن يصلي ركعتي الفجر؛ ليصبح أول من يلقي عليه تحية الصباح، يرى بعض أفراد، يلقون بصناراتهم نحوه، عله يجود عليهم ببعض الرزق. لا يعرف متى تحديدا امتلك قلبه ذلك الشغف به، ربما منذ أكثر من خمسين عاما، عندما قدم إليه مع بعض رفاق له من جنوب مصر، كان وقتها شابا يافعا، سحره مشهد البحر، والسماء، وهما يلتقيان عند المدى البعيد كعاشقين، وشمس الأصيل تلقي بسحرها فوق الماء كسلاسل من ذهب، وتمنى لو يستطيع أن يبحر يوما ما للشاطئ الآخر، قرر يومها ألا يعود لبلده مع رفاقه، سلبته نداهة البحر لبه، فبقي لسنوات يمارس أعمالا، أبعد ما تكون عن مهنته الأصلية كحلاق، مرات، يشوي حبات الذرة، ويبيعها للمصطافين، أو يحمل بعض أردية للبحر، وألعابا للأطفال ليبيعها على الشاطئ، لم يحب أن يبتعد كثيرا عن البحر، حتى سرقته السنون، ويوم أن رأى أول هجوم للشيب في فوديه، قرر أن يستقر، اختار محلا أسسه ليمارس به الحلاقة، لا يبتعد كثيرا عن معشوقه سوى ببضع خطوات، وتزوج من فتاة اسكندرانية أصيلة؛ لتمتزج دماؤهما في عروق ولده الوحيد جمال، الذي شب مثله شغوفا بالبحر.
كان يعرف منذ طفولته الأولى، كيف يطوع موج البحر الهائج، يحتضنه، ويلقي بصدره المفتوح لهجماته؛ لتصبح طيعة له وحده، وكأنه يستقبل أحضان حبيبة، كانت نزهاته مع رفاقه دائما صوب البحر- مثل أبيه – ودائما ماكان يسأل أباه عما يكون خلف البحر الواسع؟ يصمت قليلا ثم يقول له: إنه سيقطع البحر سباحة يوما ما، عندما يكبر؛ ليرى ماذا يكون هناك، عندها، كان يضحك منه، يقول له: لنرى ويصمت.
يرفع يده بمحاذاة هامته، لتحمي عينيه من ضوء الشمس، يطلق ناظريه لآخر نقطة يستطيع أن يراها، للمدى المفتوح، ولآخر حدود البحر، لا يسعفه نظره للتوغل لأبعد من ذلك الحد الفاصل للسماء بلونها السماوي الهاديء، وهي تلتحم بزرقة البحر، يتمنى لو أن له عيني زرقاء اليمامة، فينفتح فيض العالم، وشواطئه البعيدة أمام ناظريه، ولو أن له علم سليمان، فيسأل الطيور والأسماك عما يتمنى، لكنه يمسح بعض دموع في عينيه بيديه، يلتقط صورة يبقيها داخله للمشهد البعيد، يتمتم ببعض أدعية تعود عليها، وكأنه يقيم صلاة خاصة به وحده، ثم يترك البحر بكل أسراره خلف ظهره.
يقبض على الكيس البلاستيكي الذي لا يفارقه كل يوم، بأصابع صارت تخذله في أحيان كثيرة، يقطع نفس الشوارع، ونفس عدد الخطوات التي تعود عليها، حتى يصل لمحله، يربت على ظهر قطته، التي تعودت أن تنتظره كل صباح؛ لتتمسح في ذيل بنطاله، تنظر لأعلى نحوه، وتموء بكثير من الحب، ثم تستكين بمحاذاة الباب المفتوح، تستمتع بأشعة الشمس، وصحبته، يجامل جيرانه من أصحاب المحلات، ببعض كلمات تحية، فيلقون عليه بكلمات مودة، تعود أن يسمعها منهم، من طول بقائه في المكان، صار أبا لمن لا أب له، وجدا لأبنائهم، يقبلون نحوه، يقبلون رأسه، و يديه بحب، ويسألونه دائما: إن كان بحاجة لشيء ما ؟ رغم أنهم يعرفون الرد دائما؛ فيتركونه يستمتع بطقوسه اليومية بنفسه ككل يوم.
يضغط على زر الكاسيت أولا؛ فيمتلأ المكان بخشوع صوت الحصري بسورة الفرقان، ثم يضع المنشر الذي علق عليه بعض فوطات نظيفة في الشمس خارج المحل، يمسح الكراسي وكرسي الحلاقة بفوطة نظيفة، ينحني جسده النحيل بتؤدة، ليكنس أرض المحل، يمسك بالجردل المملوء لآخره بالماء بيد، ويرش بالأخرى مدخل المحل، ثم يحمل الكرسي البلاستيكي الأبيض الخاص به للخارج، يجلس عليه ليتناول فطوره، ويداعب جيرانه ببعض قفشات تعود عليها، وهو يخرج السندوتشات من الكيس البلاستيكي، عندها يقبل صبي المقهى من الجهة الأخرى للشارع بكوب الشاي الثقيل المحلى جيدا بالسكر، وتقبل قطته لتحتك وتموء بذيل بنطاله، فيجود عليها ببعض لقيمات، ثم تقعى عند قدميه قريرة العين.
يبدل شريط الكاسيت بعد انتهاء السورة، فينشر فريد الأطرش بهجته الصباحية، يهمس معه، وهو يمرر أصابعه فوق طرفي شاربه الكثيف، ببعض كلمات يحفظها:
أنا وانت..أنا وانت والحب كفاية علينا
أنا وانت أنا وانت والدنيا ملك إيدينا
أنا وانت..أنا وانت
تذكره كلمات الأغنية بأم جمال فيبتسم، تعودا معا منذ بداية زواجهما على سماع أغنيات فريد، منذ أن شاهدا آخر افلامه في السينما في أيام زواجهما الأولى، تعودا وقتها أن تكون كلمات أغنياته، هي لغتهما الخاصة التي لا يعرفها أحد سواهما، كانت تدندن بها أحيانا بكثير من الدلال، وهي تغسل الأطباق لتعلن عن حبها له، وفي أحيان أخرى حين كان يغضبها، كانت ترفع صوتها، و تلونه ببعض نبرات حزن:
ياواخد ع الأسية يعني وبعدين معاك
في القرب هي هي ومحيرني في هواك
يبتسم وهو يواصل ذكرياته البعيدة مع زوجته، يعرف أنها تعودت انتظار عودته كل يوم بشوق، صار يحفظ جملتها تلك حينما كان يعاتبها على ملاحقته باتصالاتها التي لا داعي لها:
أنا مش عيل صغير ياأم جمال
دانت راجل وسيد الرجالة..باخاف عليك ياأبو جمال..أنا لي مين غيرك دلوقتي؟ إنت أبويا وأخويا وابني كمان:
تعودت أن تتصل به كل يوم لتسأله عن أحوال محله، وعما يريد أن يأكل من صنع يديها، تعرف مزاجه الخاص، وحبه للطواجن الصعيدية التي تعلمتها تمن أجله، يتذكر نظرات عينيها الحنونة، وهي تضم وجهيهما، وكأنها تتمنى لو تحملهما في بؤبؤ عينيها، فيراها وكأنها أمامه، حين كانت تجمعهم مائدة عامرة في أيام عيد، تظل تضع قطع اللحم الدسمة التي يحبها هو في طبقه، والأخرى التي خلت من الدهون كما يحبها، في طبق جمال، كان يرى يديها، وكأنما تحولتا لجناحي حمامة تحلق بحب، وهي تطعم صغارها، و تنسى أن تضع لنفسها مثلهما، فتكتفي بالخبز الذي تغمسه في طبقات البصل والمرق.
ابتسم ونظر في ساعته، كان معتادا على مواعيد اتصالاتها اليومية، ينتظرها مثل طفل ينتظر حلوى أحبها.
يشغله عن ذكرياته، قدوم أحد زبائنه الدائمين، يحلق له رأسه منذ أن كان طفلا، يطلب منه زبونه أن يحلق له ذقنه هذه المرة، فيمرر الفرشاة بالرغوة الوفيرة على ذقنه، ويواصل أحاديثا كثيرة طالما شد خيطها معه، ومع غيره عن الحياة، والسياسة، وشئون العالم، يلاحظ قصة شعره الحديثة فيفهم، يعرف أن زبائنه صاروا يفلتون من بين يديه لمحلات الحلاقة، التي تهتم بالقصات الحديثة، وماسكات البشرة، يشعر بغصة في حلقه، لكنه يبتلع مرارتها، يظل ممتنا رغم ذلك لمرورهم عليه بين الحين، والآخر لحلاقة ذقن، أو رأس أحد أطفالهم، لم تعد رجفة يديه، التي تنتابه من وقت لآخر تخفى على أحد، يفدون إليه رغم ذلك حتى يتيحون له استكمال عدة جنيهات تكفيه بالكاد لإيجار المحل، ولطعامه، ربما لو أطاعه جمال منذ سنين طويلة مضت، وبقي ليعمل معه، لكان لهما الآن أكبر محل للحلاقة في الحي كله، لكنه لم يتحمل أن يبقى، ليتحول لحلاق في محل أبيه، بعد أن تخرج في الجامعة، ولا أن يبقى بالبيت كالنساء، حين لم يجد عملا يناسبه، لو أنه بقي، ولم يحمل شبابه، وسنوات عمره كلها ويسافر !
لو لم يستجب لنداهة البلاد البعيدة التي استحوذت عليه ؟!
يغلق المحل حين ينتصف الليل، رغم الساعات التي خلت من الزبائن، قضاها بين رواد المقهى، الذي أمام محله، ككل يوم، لينخرط في ثرثراتهم وأصواتهم العالية، يتابع لعب الطاولة، وماتشات الكرة في التلفاز، يتابع الحياة، وهي تتشكل، وتتقاطع في الشارع في كل إتجاه، وعيناه تتجه صوب البحر، ثم يقوم، يجر ساقيه المتعبتين نحو البيت.
يشعر بنفس الألم، الذي شعر به يشق قلبه منذ عامين، لحظة دخوله من باب شقته، وكأنه يرى زوجته من جديد، بنفس الملامح، التي جمدها الموت، ملقاة فوق سريرها، حين علمت بالسر الذي نجح في أن يخفيه عنها لسنوات طويلة، بأن البحر ابتلع ابنها ورفاقه للأبد، وهم متجهون صوب الضفة الأخرى للبحر
……………….
*إحدى قصص مجموعة “خصلتان من شعر متنافر” الفائزة بالمراكز الأول في جائزة محمد عبدالمنعم زهران في القصة الدورة الثانية 2026









