نانسي سامي
كنتُ سأغادر المصعد حينما وجدته، لكني تراجعت؛ فهذا سيجعله يثق بأنه أكثر ثباتًا مني. شخصٌ مغرور، دائمًا يحب أن يتباهى بوسامته أمام المرآة، وما إن رآني في مرآة المصعد، حتى التحم حاجباه وسارع أحدهما بالنزوع فَوْقًا.
سارعتُ بالعودة إلى الداخل وأنا شامخة الرأس، منفعلة العقل، حانقة القلب. وظل يراودني سؤال: كيف سأتحمله؟! كيف سأحتمل أنفاسه التي كانت يومًا تحِيني؟ كيف سأحتمل إلى أن أصل إلى الدور المقصود؟
أتمنى أن يرحل هو في أقرب دور، وليكن الدور الأول حتى أتخلص منه، وفجأة، وبطريقةٍ سينمائيةٍ استفزازيةٍ، وقف المصعد بينما كنت أحارب أفكاري وأبارزها في كيفية تحمل وجودي مع هذا الإنسان داخل مستطيل لا يتعدى حجمه المترين.
هل هناك أحدٌ ما طلبه؟! لا أعتقد، فقد اهتز ثم توقف فجأة. ترى هل هناك عطل؟!!
كل هذه الأسئلة تناولها عقلي، ثم تملكني الرعب، وأصبحت أنفاسي تتصارع كي تخرج خارج هذا الصندوق الحديدي، فأحدثت صخبًا وضوضاءً كي يسمعني أحدٌ ويأتي لينقذني من وضعي الغريب: مصعد عالق وشخصي المكروه.
أي ذنب ارتكبتُ ليضعني الله في هذا المأزق؟ وظللت أخاطب نفسي: “يا ربي، ليس هذا ما قصدته، لماذا تعاندني؟!!!”
لا بد لي أن أهدأ حتى أستطيع التفكير فيما يجب أن أفعل. وجدته يجلس أرضًا يبحث عن شيءٍ ما داخل حقيبته، وقال لي: «اطمئني.»
قلت: «لست خائفة.»
ضحك بطريقةٍ أثارت غضبي، وأخرج من حقيبته شيئًا حديديًّا، ونظر إليّ. لم تترجم عقلي تلك النظرة، إلا أنه قرر الانتقام مني؛ أعلم أن كرهه لي ليس أقل من كرهي له. نظرت إليه ووجّهت له كلامي بحدة: «أمن الرجولة أن تمتلك شيئًا تبارز به فتاة لا تملك سوى يديها؟!»
نظر إليّ باستخفاف وهمّ بالوقوف، ارتجفت قدماي وجعلت يداي تدافعان عن وجهي، ثم… وجدته يحاول فتح باب المصعد العالق. شعرتُ بحرجٍ كبير لتسرعي في الحكم عليه، لكني ما زلت أريد أن أقلل من شأنه… هنا قررت استفزازه، فضحكت بسخريةٍ مما يفعل، وكأن الله يريد أن ينصره عليّ بكل الطرق، فوجدت باب المصعد يفتح!!
ولحسن الحظ أن عطلَه أتى في دورٍ من الأدوار ليس عند حائط سَدٍّ، وإلّا كانت ستكون هنا نهايتي. ثم رمى القطعة الحديدية أسفل قدمي وقال لي بتهكّم: «الآن المرأة التي كانت تملك يدين فقط أصبح برفقتها قطعة حديدية؛ فلتَرَنَّي قوتها ماذا ستفعل بها!» وتركني ومضى.
……………………
*قاصة مصرية، من مجموعة “بين ثنايا المحظورات” .. صدرت مؤخرا عن دار الريان








