“ناظم الفصوص”.. شعرية النص والإيقاع الخاص

عماد غزالي

د. يسري عبدالله

تحتاج القصيدة الجديدة إلى مداخل نقدية جديدة، تتمرد على نفسها، مثلما تمردت القصيدة ذاتها، لكنها لا بد وأن تمسك بخيط المنهج الذي لا يجعلها محض رطانة، أو إنشاء فارغ. مداخل نقدية جديدة ابنة لنظرية المعرفة في تحولاتها، والنظرية النقدية في مداخلاتها الجديدة، والإبداع الشعري في تناميه، وتحولاته، فلا تمنح النص ما ليس فيه، ولا تؤوله تأويلا متعسفا، وهنا في ديوانه الجديد (ناظم الفصوص)، والصادر في القاهرة حديثا عن (المجلس الأعلى للثقافة)، يجدل الشاعر المصري عماد غزالي بين منحيي التراث، والأفق الشعري الجديد، إذ ينطلق من عتبة التراث في عنوانه، وتصديراته، حيث يحيلك دال (الفصوص) إلى كتاب محيي الدين بن عربي (فصوص الحكم)، حيث العلاقة الجدلية بين الله، والإنسان، والكون، هذه الدوائر الثلاث التي يتحرك فيها كتاب ابن عربي، المسكون بالتصوف، والذي يبنى على المعرفة الحدسية، ومقامات الأحوال والشوق، والأسرار، بينما يأتي التصدير جامعا بين سلطة العقل التي يمثلها خطاب الشاعر الفيلسوف أبي العلاء المعري، في جدل خلاق مع خطاب الكشف، والشوق، والمكابدة لدى ابن عربي.
يراوح الديوان بين هذين المسارين المتجادلين، من دون أن يحمل على أحدهما، إذ ينحو الخطاب الشعري هنا صوب تكثيف اللحظة الشعرية لتلامس واقعا متحولا باستمرار، تصبح إمكانات التعبير الفني عنه في انفتاح على كافة التقنيات اللازمة لخلق صيغة شعرية تخص صاحبها، وقد تخلص الديوان من حمولات الإيقاع الظاهري، ليخلق إيقاعه الخاص، من خلال دوائر شعرية، تبدأ ثم تستدرك، ثم تستأنف القول، ثم تختتم قصيدتها، من قبيل ما نراه في قصيدة (الوسواس): “حاولتُ مرارًا أن أجرِّبَ/
لأنني/ وعدتُ نفسي بالتجربة/ أن أرى المشاهدَ عبرَ عيونِ أصحابِها/ أرى النملةَ بعين النملة/ أرى العصفورَ بعين العصفور/ أرى الماءَ بعين الماء./لكنها تبقى أمانيَّ/ مجرَّدَ أمانيّ؛/ فليس ثمَّ كائنٌ هناك/ يمكنُهُ أن يُعيرَني عينيه./ كائنٌ وحيدٌ فقط/ كان بمقدوره فعلُ ذلك/ غير أنَّه يسكنُ فيَّ/
يسكنُ في النقطةِ الأبعد عنِّي/كائنٌ وحيدٌ / كلَّما خايلني وسواسُه/
تيقَّظتُ من الصحو”.
ثمة عناصر تراثية حاضرة في ديوان ( ناظم الفصوص)، وتتجلى في عناوين قصائده، من قبيل: (الصفحة الأخيرة من بدائع الزهور)، و(كان هناك راوية لشعره)، و(ما لم يرد في الأثر)، وغيرها.
وتتجادل تلك العناصر التراثية مع عناصر أخرى راهنة، ودوال هي ابنة الحياة اليومية في معظم القصائد.
يبني عماد غزالي قصيدته على مهل، ففي قصيدته الأولى (صاحب الرقصة)، يبدو الاستهلال الشعري متوترا توترا مضمرا :(كلهم يرتعبون من الحقيقة العارية/ كلهم يبحثون عن حكاية خرافية محبوكة)، وتأخذ القصيدة في الصعود عبر المقطع التالي ( ما قلت لهم غير أنني مت موتا/ بعد ما كنت أحيا حياة)، وصولا إلى ذروتها في المقطع التالي:”أنا رجل الحكاية الواحدة المستمرة/ رجلُ الانبعاثِ من رقدةِ الموت/ رجلُ البلاغ المقدَّس/ الذي يملكُ نفخةَ الحياةِ في الأسطورة/ يجعلُها زادًا يوميًّا للذين هُمْ بلا أملٍ/ ورقصةً/ تتكرَّرُ بلا نهايةٍ”.
تختزن القصيدة شعريتها في التوتر المضمر في البداية، وفي استئناف الحكي الشعري في منتصفها، وفي تفعيل آليات البوح الرامز في النهاية، ولكل أداته الفنية، وتلعب انتقالات ضمائر الحكي الشعري دورا بنيويا في هذا المضمار، إذ يبدأ الاستهلال الشعري مستخدما ضمير الغائب (كلهم يرتعبون من الحقيقة العارية)، وينتهي بتوظيف ضمير المتكلم في المختتم الشعري (أنا رجل الحكاية الواحدة المستمرة)، وبما يمنح النص ديناميكية خاصة، وحرية في الانتقالات الشعرية بين المقاطع المكونة لمتن القصيدة.
وفي قصيدة (طرقة صامتة) تمثل تيمة الخوف بنية مهيمنة على القصيدة، يعاينها الشاعر عبر آلية الكثافة الشعرية، التي تراوغ في الإيحاء بفكرة الموت، بينما تنحو صوب الموات، حيث مدونة التكلس والجمود، التي تحيل الإنسان الفرد إلى تمثال من لحم ودم، وكان يمكن لهذه المناورة الشعرية ان يتسع مداها أكثر، ويتأخر الإعلان فيها لصالح الإضمار.
في قصيدة (الغزالة والعناصر الأربعة)، ثمة ترميز لرحلة الإنسان في الكون، وعناصره الكلاسيكية في الفلسفة اليونانية، أو ما يعرف بالعناصر الأربعة: (التراب/ الهواء/ الماء/ النار)
وربما تشير الغزالة وفق المنحى الإشاري الرامز إلى امرأة جميلة، وتتداخل مفردات راهنة من قبيل (معرض الكتاب/ العاصمة)، وتصبح علاقة الذات الشاعرة بالغزالة مرتكزا بنائيا في القصيدة، فعبرها تمتلك الذات الشاعرة كل شيء، بما فيها الكون بعناصره الأربعة.
في قصيدة (المحك) يخرج الشعر من كونه محاكاة للطبيعة، أو العالم، وهي نظرة كلاسيكية أرسطية الطابع، إذ يلعب الشاعر مع مفهوم المحاكاة، مازجا بين الرؤية الفلسفية، وجمالية القصيدة من حيث كونها خلقا جديدا: “ليست المحاكاةُ من شيمتي/ لي بصمتي الخاصَّة/ في كلِّ فعلٍ../ وفي كلِّ قول.”
وفي قصيدة (الصفحة الأخيرة من بدائع الزهور) تبرز ثنائية القمع والحرية، العوز والامتلاء، من خلال سردية المماليك والأحرار، وما بها من مفارقة، وحيث يقمع السيف القلم، في إطار شعري تكفل به العنوان في إحالته إلى كتاب “ابن إياس” الشهير (بدائع الزهور في وقائع الدهور).
وفي الديوان أيضا تنحو الذات الشاعرة صوب الخلاص، لكنها لا تجده في قرية يتجاور فيها الشعراء مع الشياطين، كما في قصيدة ( اسأل القرية)، ولا في أن تقطع نصف مسافة، أو تسير نصف خطوة، ثمة شيء من التوزع، وعدم الاكتمال، ذات مؤرقة بين الماضي والحاضر، بين التراث والحداثة، بين الإفصاح والإضمار:”ليس بجديدٍ إذن/ أنَّني أمشي نصفَ خطوة/ وأعدو نصفَ مسافة/ وأقطع نصفَ مشوارٍ/ وأحبُّ بعضًا من امرأةٍ/ ببعض نفسي أحبُّ./ جُبلتُ هكذا/
النصفُ المتبقي من كلِّ شيءٍ/ يلوِّحُ لي من بعيدٍ/ وما لديَّ من أنصافٍ/ لا يغني شيئًا.”.
يتواتر جدل الشعري والتاريخي في قصيدة (الصفحات بعد الأخيرة من تاريخ الجبرتي)، معتمدة على التخييل، واستكمال المسكوت عنه في تاريخ الجبرتي، متخذة من وضعية المؤرخ عينا على العالم، فتلوح مفردات من ذلك العالم القديم، من قبيل ( الفرنسيس/ الوالي)، وتضع الذات الشاعرة قدما في التاريخ، وأخرى في المتخيل الشعري.
ثمة صورة شعرية كلية في ( المايسترو)، تزاوج بين الصورة البيانية، والأخرى البصرية تبدو ماثلة منذ الاستهلال الشعري.
وفي قصيدة ( في مواجهة الرحابة) ثمة تأمل عميق نراه في التعبير الشعري المؤذن بالخروج من ضيق الرحم الى رحابة الضيق، واللعب على المساحات الحرة بينهما:” نطلبُ الرحمةَ ونحن قساةٌ/ نخرجُ من ضيقِ الرَّحِم إلى الرحابة الضيقة./ نظنُّ أننا أمسكنا بالزمن/ عندما نرقبُ اللحظةَ تلو اللحظة/ نقبضُ على التَّتابعِ ونحن نُفلتُ الوجهةَ/ إذ يبدأ الطريق”
تتبلور الذات المؤرقة من جديد، وتبدو في المنتصف موزعة بين هذا وذاك، في منطقة البين بين، وهي هنا منطقة إنسانية بامتياز.
في قصيدة (كان هناك راوية لشعره)، يحيلك العنوان على عصر رواة الشعر، حيث لكل شاعر راوية، وهو عنصر تراثي لا يلبث ان يحضر في الديوان، غير أن الذات الشاعرة هنا لا تحيل على القديم قدر ما تحيل على وجودها الراهن، فالقصيدة مسكونة بدوال من البيئة المحلية، ونهايتها تعزيز للمعنى المراد.
في قصيدة (ورد الجناين يا ورد) تبرز تلك اللغة التداولية في العنوان، ابنة الروح المصرية السامقة والنبيلة.
يختتم الديوان بقصيدة (ثبات التواريخ)، وهي قصيدة تضع قدما في التخييل الذاتي عبر التوثيق لتواريخ ذاتية، والتخييل الموضوعي حين ترتبط الأحداث الذاتية بتاريخ الجماعة البشرية، وهو نص محكم، وممتع، ومبني بناء ناضجا:
“في العام 1868 وُلد لي جدّ/ وُلد في القصر الخديوي/ كانت عيناه ثابتتين/ على هَدَفٍ مرئيٍّ من أجله وُلدَ/
لكنْ.. حرَّكَهُما بريقُ الذهب./ في العام 1881/ وُلِدت أمُّ جدتي/وجاء الإنجليز./ في العام 1899/ انتهت الحربُ الإسبانية الأمريكية/ ووُلد جدِّي
في قريةٍ على حالها
منذ أجدادنا القدماء/
في العام 1923 وُلدَ الدستور/ ولم يولد لي أحد./ في العام 1927 وُلِدَ أبي/ وُلد في القرية التي وُلدَتْ فيها/
أمُّ جدّتي وجدِّي/ ورحل سعد./ في العام الخامس من مولده/ مات جدِّي الذي الذهبُ بدَّل ثباتَ عينيه/ ابنا وُلد لعاملٍ في القصر/ وأميرًا رَحَلَ./ في العام 1936/ فكَّر أبي -ابنُ الأعوام التسعة-/ أن يهجُرَ القريةَ لأوَّلِ مرةٍ/وتقلَّد أزكى شباب الوادي./ في العام 1945 وُلدت أمي/ فانتهت الحرب العالمية الثانية”.
وبعد.. يراكم الشاعر عماد غزالي منجزا جماليا يخصه، بلا ضجيج، مطورا قصيدته، ومتجها صوب الشعر، ولا شيء سواه.

…………………………………..

*نقلاً عن “روز اليوسف”

ناقد وأكاديمي مصري

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع