عبد الهادي عبد المطلب
«إن الصّمت ضاجٌّ بالكلام وعاجٌّ بالأفكار»
في البحث عن الكلمة..
خرجوا يبحثون عنها، وعيونهم تكاد تنطُّ من محاجرها، وهي منهم أقرب من حبل وريدهم، سكنهم الصّمت حتى عشَّش في عمق أرواحهم، فزمَّ أفواههم، وأخْرَس ألسنتهم، وأسكنهم جحورا مظلمة. خرجوا أفواجاً يشُدُّهم التّوْقُ إلى سرّها وإحياءها، حين فقدت معناها، صِدْقها وجوهرها، وجثا على القلوب الخوف والصّمت. خرجوا يبحثون عنها، حين، من حولهم، بدأ كلّ شيء يحترق ويبتلعه الزّيف والرّداءة والقُبح.
قد كانت قبل أن يكون الإنسان حين قال الله: «كن»، فكان كلّ شيء وكانت «الكلمة»، سرُّ الأسرار، مثل شعاع الفجر، مثل هدأة الفجر، مثل غضبةٍ من تحت رماد. كانت وعداً، خلْقاً، بدايةً وأمراً، «كن» فكان كل شيء، وجوداً وكينونة وإمكاناً، من حينها صارت الكلمة مسؤولية، والفعل امتداداً لمعناها والوجود لها أثراً.
هل يلد الصّمتُ الكلام؟..
الصّمت يلِدُ الكلام حين يوشك على الانفجار، فالكلمة تنضجُ في عمق الصّمت، تذوب في سكونه وحكمته قبل أن تبني معناها، إذ في لجَّة الصّمت يأخذ الكلام وقته كافياً ليصير ضرورة فينطلق، ومتّسعاً ليؤسّس أُفْقاً يسَعُ الحياة والنّاس، لا بوصفه صوتاً أو صراخا أو نعيقا، بل انفجاراً للألم، وانفراجاً للروح بعد الضّيق، واتساعاً للمدى بعد تفكير. فحين يعجز الصّمت ويتعب من صمته، أو حين يُحاصر، تنطلقُ الكلمة سهماً حرّاً قوياً، تُقاوم، تُفكّر، تعيد بناء انبعاثٍ وإقلاعِ جديد للحياة.
بين الصّمت والكلمة يتأسّس المعنى وينضج، فتولد الحقيقة، بين صَمْت الصّمت وهدوءه، وسحر الكلمة وانطلاقها، ينبعث الكلام شعاعاً محمولاً على لغةٍ شفّافة صادقة، شعراً، أدبا، خطابا، همساً لا صُراخاً أو نعيقاً أو سفهاً.
الصّمت يُعَلِّمُ الكلمة الصّبر والتّأنّي، يعلّمها كيف تفكّر بعمْق قبل الانطلاق، قد تأتي نثيثاً أو أقل، حين تأخذ منه هدوءه وصبره، فتختار معناها بعناية ورَوِيَّة، وتتطهَّر من العجلة الممزوجة بالنّدم، فتغتسل بالتّأمُّل والتّبصُّر والتّدبُّر لتنطلق حثيثاً نحو التغيير والتّطوير والبناء.
الكلمة انفجارٌ للصَّمْت، وكشفٌ بعد انتظار، ومعنى بعد كُمون. من رحم الصّمت تخرج شعلة فتتفتَّق اللغة قولا تشارك الوجود أسرار ما اعتمل في ظُلْمة الصّمت.
تولدُ الكلمة من الصّمت كما يولد الضّوء من العتمة، لا بوصفهما ضدّين، بل لأنّ أحدهما يُهيّئُ للآخر طريق الانفراج والسير بين الناس، فالصّمت عالمٌ بغموضه يؤسّس لوعيٍ بعيدٍ عن التّسرُّع والتّملُّق والغضب الزّائف، ويُمحّص التّجارب، ويُهَدّئُ الارتباك، ويُوضّح الرّؤية، وحين يبلغ المعنى نُضجه ويكون قاب قوسين أو أدنى من التغيير والبناء، تشعُّ الكلمة فتأتي كلاماً يؤسّسُ، يُحفّز، ينير الطّريق، ويفتح للآتي أفقاً تأمّليا للتّصالح مع الذّات والآخر والوجود.
هكذا تتربّى الكلمة في رحم الصّمت، وفيه تحبو، تترعرع، تكبر وتقوى في انتظار لحظة الخروج والانبثاق والانفجار في وجه الظّلم والقبح والرداءة.
الكلمة مسؤولية..
في عالم ينزلق إلى حضيض الرداءة والمحسوبية والظلم وكل شيء قبيح، فَقَدَت الكلمة حضورها وفعلها المسْنود بالصّمت والتّغيير، فأصبحت أداة للتضليل والمضاربات وتخدير الجماهير، وأصواتا مأجورة تُلمِّع القبح وتُسوِّق الوهم، وتُصفِّق للتّفاهة تحت أرديةٍ كلماتها خوَرٌ ويأس وانكسار، مختبئة لا تكاد تُجَمِّعُ معناها وسرّها، لكنّها، من رحم الصّمت تعلّمت الكلمة مبادئ التّصدّي للقبح ورفض الممجوج والميؤوس منه، تأبى إلاّ أن تخرج قوية كطلقة من كاتم الصّوت، تعبر المسافات دون صوت لتصل إلى الهدف، وتُحدث الأثر، لأنها لا تقاس بالصّوت، بل بالأثر والفرق الذي تحدثه وتتركه ساريا بين الناس، فإمّا أن تكون شرارة تُشعل المعنى، وتنير الطريق، وتحدث جرحاً في الجسد اليائس، أو همساً عابراً يموت في مقابر الخوف والانهزام والاتكال، أو يموت قبل الانطلاق.
من المسؤولية تبرز الكلمة موقفاً، والموقف تصميماً واختياراً وعزماً يعكس النّضج والالتزام في زمن المجاملات، والكلمة مسؤولية تكشف الظّلم الثاوي في الخطابات الفارغة، وتبني الوعي بالحياة، وتمنح الأمل في الآتي، وتقف ضد التّيار الأحمق الجارف لتمتحن الضّمير، وترفع صوت الحقيقة الذي به نحمي أشياءنا التي تسكننا من الزيف والمحسوبية، وتبادل المصالح، والتآكل والموت.
المسؤولية وعي هادئ، يمنح الكلمة فسحاتٍ تسع العالم، وتمنحه آليات لتخطّي لحظات اليأس القاتلة، وإعادة تشكيلها وعياً، خطوة خطوة، ومَنْحِها إقداراً على صناعة الحرية والتّحدّي لإحياء إنسانية الإنسان، عبر تمرّد واعٍ، هادئٍ، هدفه التّغيير، يتأسّس على لغة لا تخشى المواجهة ولا المصادرة، بل تبني حياة جديدةً تتحرّرُ من أخلاق القطيع.
الكلمة إنصات..
الكلمة إنصاتٌ لوجع السؤال حين يشتدّ ألم المعنى، وتنْفلت حبّاتُ أسراره، وينكسر حائط الصّدّ، وتفتح أمام الإنسان مسارات التيه، فتغدو فعل إنقاذ من النسيان والتراجع والخيانة والزيف. بين الصّدق والزيف والكذب تقف الكلمة تُنصتُ بوعي لحقيقة الحياة المائجة بين الحب والكره، والعدل والظلم، بين الحرية والعبودية، تُناصر القيم الإنسانية، وتبني جسوراً تمتدُّ قوية توصل الجمال بالجمال وبالحب وبالحرية وبالتغيير من دون خوف أو خنوع أو تراجع انهزامي أو زيف مقنّع.
الكلمة إصغاءٌ لعمقها قبل أن تتشكّل في الصّمت تجربةً أو شعوراَ أو فكرةً، فلا تنطلق سريعاً، بل تبحث لها عن مدارج النُّضج ومعارج اليقين الصّادق، ومكامن التّأثير في الآخر ليُنصت قبل خوض غمار التّغيير، ويكتسب القدرة على الإصغاء للذات وللآخر وللوجود. وكلّما اقتربت الكلمة من الصّمت، واندمجت في عمقه وسره، تأتي أكثر عمقاً، وأبلغ معنىً، وأقوى فكراً وتفكيراً، وأنضج تأثيراً.
كانت الكلمة وما زالت، إنصاتاً للحظة الأولى وحِفْظاً لِسِرِّها، فكل انطلاق لها، لحظة أولى، لحظة الْتقاء المعنى بالفعل، والقول بالتّحقُّق، فحين تكون الكلمة بداية، يكون الفعل تتمّة، ويكون الوجود شاهداً.
للكلمة سلطان، بل هي السُّلطان نفسه، وُلدت من الصّمت البليغ، والعميق، والمفكِّر، لتكون قادرة على إحياء أملٍ في نفس يائسة، وإشعال حماسٍ في روحٍ متردّدة، وتغيير مسار أمّةٍ تبحث عن انطلاقة واعدة، وزرع بذرة في قلبٍ مهزوم، فالكلمة القوية الحكيمة الثّاقبة هي التي ترتبط بالصّمت البليغ، كما يشير إلى ذلك «ماكس بيكارد» في كتاب «عالم الصّمت» فهو يرى أن الكلمة/الكلام البليغ والخيّر يأتي من الصّمت، والكلام السّيء فهو نتاج الصراخ والعزلة القاتلة.
من يُعيد للكلمة بريقها؟..
من يعيد للكلمة قوتها ومعناها؟ من يُشعل جذوتها؟ من يسْتعيد أَلَقَها بعيدا عن زينة الخطاب؟ من لا يساوم حين يقذفها ناراً، حين يُصبح الصّمت المميت عقيدة وخيانة؟ من لا يهادن حين يؤمن أن للكلمة وجهاً واحداً لا وجوهاً متعدّدة، موقفاً لا مواقفَ مضطربة، وعداً لانبثاق شعلة المعنى، وزعزعة المغشوش، وفضْح المستور والمُزيّف، وكشف التّواطؤ المُبرَّر؟ من يفكُّ أسْر الكلمة من عقال الصّمت الخانع الذَّليل؟ من يزيل عنها أستار الخوف وأردية اليأس والانتظار؟
ماذا يقول مَن بيده سرّ الكلمة ومفاتيحها؟ الشعراء، الفلاسفة، والأدباء، والفنّانون، والمُصلحون في زحمة وهجمة القبح بكل اشكاله حين يكبّل الحياة، لا بوصفهم صانعي الكلام وسدنته، بل كاشفي غُمّة المعنى وحارسي الحقيقة من الزيغ والغياب والابتذال. الكلمة، في أصلها، وفية للإنسان مادام الإنسان وفيا لها، فهي لا تُقال لتُرضي كائناً من كان، أو تغطّي قبحا، أو تبني وهماً، بل تقول الحقيقة، لا تخاف حين الصَّدْع بها لومة لائم، تلك مسؤوليتها. الكلمة قوة لا تؤتي سرّها من يُتقن الانسحاب حين يجدّ الجد، ومن يُجيد التبرير والمراوغة خين تأذن بالصّمود المقاومة، ومن يستكين إلى الانهزام وطأطأة الرأس حتى تمر العاصفة ويخرج منها رابحا.
الكلمة تركب الصّعب مع من يركبه، ويُسرّج للمغامرة جرأتها على الكلام، يُروّض حروفها، لا تُفاوض، لا تُهادن، لا تساوم، لا تلين لرغبات الإنسان وصبواته، بل تمنح الأشياء أسماءها معناها، وللحقّ سطوته، وللحرّية ألقها وانطلاقها، وللزّمن أشكاله التي بها ينهض من صمته وضعفه، ليبدأ رحلات وعيه من جديد.
……………..
*كاتب من الدار البيضاء/ المغرب









